سائق شاحنة تركي خطف فتاة فلسطينية من غزة قبل 50 عاما وتبحث عن ذويها

غزة-دنيا الوطن
في عام 1948 أراد سائق شاحنة تركي خلال الحرب التي شهدتها فلسطين تحويل معاناة طفلة فلسطينية لم تتجاوز الثالثة من العمر إلى مأساة, جعلتها تبحث سنوات طويلة عن والديها في كل مكان.. و تقول ثريا عبد الرحيم رصاص و التي تعيش الآن في تركيا:" في عام 1948 و كان عمري آنذاك لا يتجاوز الثلاث سنوات, اختطفت من قبل سائق شاحنة تركي كان يعمل سائقا على خط حيفا-تركيا, و كان صديقا لعائلتي ووالدي الذي كان يعمل دبلوماسيا في زمن حكومة الانتداب البريطاني,و كانت عائلتي تقيم في مدينة القدس و لها منزل آخر في غزة,و استغل السائق التركي صداقته مع والدي, فطلب منه ذات يوم أن يأخذني في نزهة و بدلا من أن يعيدني إلى أهلي, فر بي عائدا إلى تركيا و قرر بيعي إلى رجل تركي غني,و بالفعل باعني مقابل مبلغ محترم من المال".
و تروي ثريا من تركيا قصتها و رحلة بحثها عن أصولها الفلسطينية فتقول:" اسمي الحقيقي ثريا عبد الرحيم رصاص, و كان لعائلتي منزلين الأول شتوي في مدينة القدس و بالتحديد في البلدة القديمة قرب مسجد عمر بن الخطاب, و الثاني في مدينة غزة,بمعنى آخر كانت عائلتي غنية و ميسورة الحال و اسم والدتي انتصار و لي شقيق اسمه إبراهيم.و بحكم وظيفة والدي الذي كان يعمل في السلك الدبلوماسي كانت له علاقة مع أحد السائقين الأتراك و الذي كان يعمل سائقا لشاحنة تنقل البضائع و الركاب من فلسطين إلى لبنان و سوريا و تركيا و بالعكس. و ذات يوم طلب والدي عبد الرحيم رصاص من السائق التركي و اسمه:" سيفيتن أوكار " بان يصطحبني معه و كان عمري آنذاك ثلاث سنوات, في الرحلة التي سيقوم بها إلى حيفا و لبنان.
و بالفعل غادر السائق التركي منزل عائلتي الثاني في مدينة غزة, متوجها إلى مدينة حيفا, و عندها قرر أن يبيعني إلى رجل تركي غني و عدم إعادتي إلى أهلي في فلسطين, خاصة بعد أن نشبت الحرب.
و مرت الأيام,و بعد عامين و في لحظة الشعور بالذنب قرر السائق التركي إعادتي إلى أهلي في غزة, و بالفعل عاد بي من تركيا و عندما وصلنا إلى الشارع الموصل إلى منزل أهلي بغزة, شاهد أحد الرجال و يبدو انه قريب للطفلة المختطفة, عندها طلب مني العودة إلى الحافلة و استشاط غضبا و عاد بي مجددا إلى تركيا".
و بعد عدة سنوات قرر الخاطف التركي أن يدخلني في روضة أطفال و لكنه لا يمتلك أية وثائق ثبوتية لها, كشهادة ولادة أو بطاقة شخصية , و هناك طلبوا من السائق الذهاب إلى الداخلية و الشرطة و استخراج شهادة ولادة و هوية, و يبدو أن السائق أقنعهم بأنه عثر على تائهة.و بالفعل تم استخراج شهادة ولادة لي و اصبح اسمي " صالحة أوكار " بمعني أصبحت ابنة الخاطف قانونيا ولي هوية شخصية تركية, و تم إدخالي في روضة أطفال و بعدها في الصفوف التمهيدية إلي أن أكملت المرحلة الثانوية , و خلال تلك السنوات كان الخاطف يرسل إحدى النساء التركيات للرجل الثري للتفاوض معه على المبلغ الذي سيدفع لقاء الفتاة المختطفة" ثريا ".
و استمرت المفاوضات فترة, و تم خلال ذلك الانتقال في السكن من مدينة إلى أخرى , إلى أن استقر الخاطف في مدينة " ازمير " التركية , حيث يعيش الرجل التركي الثري المشتري و اسمه " رانوم ", و خلال تلك الفترة لم اكن اعلم شيئا عن حالتي و قصتي".
و لم اكن اعرف أنني مخطوفة و فلسطينية الأصل , و خلال تلك الفترة, اختفت آثاري عن أهلها ,الذين بحثوا عني في كل مكان , و نشروا صوري في بعض الصحف الفلسطينية على أمل أن يعثر على أحد, و لكن دون جدوى و اعتبروني أهلي ميتة, و بقيت على حالي لا اعلم شيئا..
اعتراف الخاطف
و تقول ثريا:- "و في أحد الأيام و بعد 48 عاما من حادثة الاختطاف,و بالتحديد في عام 1996 و بعد أن أصبحت بنتا للرجل التركي الثري,و كنت قد تزوجت و أنجبت خمسة أطفال من زوج تركي. تعرض الخاطف" أوكار " لحادث مؤسف و خطير و أصبحت حالته الصحية في خطر, و لم اشرف على الموت, أرسل في طلبي حيث انه لم تنقطع علاقته طوال العقود الماضية, و كنت اعتبره أبا لي.
و قال لي:-أريد أن أخبرك شيئا كنت أخفيه عليك طوال ما يزيد عن 40 عاما, و يجب أن تعرفي الحقيقة.
و حكى لي عن أهلي و كيف اختطفت من عائلتي, و انه فعل ذلك من اجل المال نظرا لحاجته إليه, و طلب مني أن اغفر له هذه الفعلة, و أعطاني كل المعلومات التي كان يعرفها عن أهلي إضافة لصورة قديمة كان قد التقطها في فلسطين , و الصورة يظهر فيها الخاطف و الطفلة المخطوفة.
و لم اشعر باليأس, رغم الصدمة و بعد أن أجهشت البكاء, قررت أن أبدا البحث عن أهلي, بكل الطرق. و في عام 1997 توجهت إلى مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في " أنقرة " و حدثتهم بقصتي لكن دون جدوى فلم يستطيع مكتب م.ت.ف. مساعدتي.
و حاولت إرسال رسائل لجهات رسمية فلسطينية و لكني لم أتلق أي رد.
و في عام 1998 اخبرني أحد الفلسطينيين المقيمين في تركيا بأنه يستطيع مساعدتي لزيارة أهلي ضمن رحلة سياحية, و بالفعل حصلت على "تأشيرة" في السفارة الإسرائيلية, و قمت بزيارة القدس و المسجد الأقصى ضمن الفوج السياحي التركي.
و مكثت في القدس عدة أيام, و لم استطع فعل أي شيء.
و بعد فترة وجيزة. عدت مجددا لزيارة القدس بحثا عن أهلي, و مكثت هذه المرة 11 يوما في القدس, و خلال زيارتي طلبت من السكرتيرة في القنصلية التركية في القدس و اسمها " نجدت تامر " مساعدتي و بالفعل أخذتني إلى " بيت الشرق " , و قابلت هنالك المرحوم فيصل الحسيني مسؤول ملف القدس, و سردت أمامه قصتي بالكامل, فتأثر لقصتي ووعدني بالمساعدة.
و خلال زيارتي للقدس أيضا في رحلة البحث عن أهلي , تحدثت مع صاحبة الفندق الذي أقمت فيه و اسمه" فندق الأرض المقدسة ", حول قصتي,فقررت مساعدتي, و اصطحبتني إلى البلدة القديمة في القدس, ووفق المعلومات التي حصلت علها من الخاطف التركي, عرفت أن منزل أهلي كان في البلدة القديمة و قريب من مسجد عمر بن الخطاب.
فذهبت إلى المكان وفق المعلومات القديمة, و لكنني وجدت مباني حديثة و أسواق, و في طريقي قرب الحرم القدسي الشريف سالت أحد السكان فقال:" أن عائلة رصاص تقيم في القدس, و هناك أحد الشيوخ قد يعرف شيئا عن عائلتك".
توجهت للرجل الطاعن في السن و اسمه:" " احمد الدجاني " , و في منزل بالقدس أكد لي انه يعرف عائلة الرصاص, و لكن أسرتي هاجرت إلى بريطانيا منذ أن توفي والدي عام 1968, ووالدتي تعيش مع أخي " إبراهيم " في بلدة قريبة من مدينة لندن,و انقطعت أخبارهم منذ وقت طويل.
و عدت أدراجي اشعر بالخيبة و الحزن لدرجة أنني لم أستطيع تناول طعامي ذلك اليوم,و بعد أن وصلت إلى منزلي في مدينة " ازمير " بتركيا, اتصلت بي أحد الصديقات التي رافقتني في الرحلة السياحية إلى القدس,و قالت لي أنها تحمل أخبارا سارة و طلبت مني أن أقابلها في أحد فنادق المدينة , لان هناك أحد الفلسطينيين لديه معلومات عن عائلتي.
و بعد لقائي بالشخص الفلسطيني و يدعى " فايز هلال " اخبرني بان عائلتي بالفعل سافرت إلى لندن و تعيش والدتي مع أخي و لم يخبرني بأي تفاصيل أخرى.
و بقيت أعيش في تركيا مع زوجي و أولادي الخمسة في مدينة " ازمير " التركية, متدينة و محافظة اصلي جميع الأوقات و أقرا القران الكريم و أتحدث قليلا من العربية..
"دنيا الوطن " في غزة ,حاولت بذل جهود إضافية في محاولة لارشاد "ثريا رصاص " لاهلها,و بعد البحث التقيت مع الصيدلي زهير رصاص , أحد أفراد عائلة رصاص فقال:"أن ما ترويه " ثريا رصاص " نعتقد انه صحيح حيث يوجد جزء من عائلة " رصاص " في القدس, و البعض الآخر في غزة, و الآخرين هاجروا لدول عديدة في العالم, و قد علمنا العام الماضي عن سيدة فلسطينية تعيش في تركيا , من عائلة " رصاص " تبحث عن أهلها,و بعد زيارتها للقدس, و قمنا بالاستفسار في أوساط العائلة , فعلمنا أيضا بان أهل " ثريا رصاص " في الأردن , و تطوع أحد أفراد العائلة " بهاء رصاص " بالبحث في الأردن, و لا علم حتى الآن ما هي نتيجة البحث الذي قام به خلال زيارته للأردن نظرا لانه مقيم في المملكة العربية السعودية.
و أضاف زهير رصاص" في مدينة الرياض " الذي قال :" لقد توجهت خلال زيارتي للأردن منذ فترة , بالبحث عن " عبد الرحيم رصاص " والد ثريا, ووصلت إلى منزلهم في ضاحية " وادي السير " بعمان, و علمت من الجيران أن " عبد الرحيم رصاص " والد ثريا توفي من عامين, و أن أسرة " عبد الرحيم رصاص " غيرت مسكنها و لا يعرف الجيران منزلهم الجديد في عمان.
دنيا الوطن تابعت الموضوع باتصالي " بثريا رصاص" في تركيا و أبلغتها بالمعلومات الجديدة حول أسرتها و أعطيتها رقم هاتف " زهير رصاص " بغزة,حيث قامت ثريا بالاتصال هاتفيا بزهير و سمعت منه التفاصيل.
و بقيت رحلة البحث مفتوحة و قائمة بمشاركة عائلة " رصاص " التي تطوعت الآن بالانضمام لجهود " ثريا " التي قدمت الشكر لدنيا الوطن في غزة على جهودها, و التي كن نتيجتها أن تتحدث " ثريا " و لأول مرة مع العائلة " رصاص" في طريقها للوصول لذويها.

التعليقات