ملف العلاقات الأمنية الفلسطينية- الإسرائيلية:

"بعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية, في قطاع غزة و أريحا في النصف الثاني من عام 1994,ثم في مدن الضفة الغربية,احتلت قضية " الأمن " حيزا أساسيا في المفاوضات الفلسطينية,و أصبحت هذه القضية عنوانا دائما لاتهامات إسرائيلية للسلطة الوطنية الفلسطينية بالتقصير في محاربة الإرهاب, و على مدى ثلاث سنوات و نصف عملت إسرائيل على تحويل قضية الأمن كموضوع أساسي لكل الخلافات السياسية.
هذه السياسة الإسرائيلية الواضحة تدفعنا للبحث في بعض تفاصيل الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية و حقيقة السياسة الأمنية الإسرائيلية, و التنسيق الأمني الفلسطيني- الإسرائيلي الذي اصبح محل انتقاد من المعارضة الفلسطينية, و غموض و تشويش لدى الشارع الفلسطيني, بسبب الضجيج الإعلامي الإسرائيلي حول هذه القضية".
منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية و قطاع غزة عام 1967,خضعت الأهمية العسكرية و الأمنية و الديموغرافية و موارد المياه,لهذه المناطق لجدل و نقاش طويل على مستوى الحكومة الإسرائيلية و القيادات الأمنية و العسكرية و الحزبية, حتى تبلورت عدة تصورات و مفاهيم و خطوط عريضة للإستراتيجية الإسرائيلية و التي تتعلق بهذه المناطق,و تعتبر امتدادا للسياسة و التوجهات الإسرائيلية قبل حرب 1967.
التزمت بتلك المفاهيم كافة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة, و إن تميزت حكومات الليكود بتشدد اكثر و رؤيا تختلف قليلا عن حزب العمل ’ و لكن المواقف الإسرائيلية المعتدلة و الأكثر مرونة, في إطار حزب العمل, كانت تنظر للإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية من زوايا أخرى تصب في خدمتها, و لا سيما بعد التوقيع على اتفاق أوسلو في 13 أيلول 1993, حيث خرجت العلاقات الفلسطينية-الإسرائيلية من حالة الحرب إلى السلام, و هذا التغير الجذري أوجد سياسة أمنية إسرائيلية تتوافق بإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية, و هذه السياسة لم تخرج عن إطار و هدف معين سعت إليه إسرائيل دون جدوى…..
الشريط الحدودي:
يكفي أن نشير إلى أن " يوسي بيلين "نائب وزير خارجية إسرائيل و مهندس اتفاق أوسلو, "فاخر "قيادة إسرائيل بأنه" استطاع تحويل منظمة التحرير الفلسطينية إلى شريط حدودي متعاون بموجب اتفاق أوسلو..".
أي انه حاول تسويق اتفاق أوسلو لدى خصومه في الحكومة الإسرائيلية و منافسيه في حزب العمل , من خلال هذا التصور,و سرعان ما اكتشف مع خصومه في الحكومة الإسرائيلية و حزب العمل, أن هذا التصور بعيد عن الواقع و الحقيقة, فلم تتحول منظمة التحري الفلسطينية و السلطة الوطنية إلى " شريط حدودي متعاون ", بل أن جزءا هاما من أسباب الصراع الدائم منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات و بعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية,بسبب محاولة إسرائيل " ترويض " السلطة الوطنية للتحول للمشروع الذي يخدم الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية كشريط حدودي متعاون ,و قد اشترك في هذا الصراع و ممارسة شتى الضغوط حزبي العمل و الليكود و ثلاث رؤساء للحكومة الإسرائيلية, اسحق بيرس, بنيامين نتنياهو.
اشترك كلا الحزبين بالضغط على السلطة الوطنية لنفس الهدف, و أخيرا أعلن نتنياهو عن قبوله بإقامة " دولة فلسطينية تابعة " بحيث تكون صلاحيات الخارجية الأمن و الدفاع بيد إسرائيل!!!!
و تزايدت الضغوط الإسرائيلية على السلطة الوطنية بعد وصول" الليكود " للحكم في إسرائيل في حزيران 1996 , و بدأت حكومة إسرائيل الجديدة بتنفيذ برنامجها الاستيطاني و المعادي لمسيرة السلام, بفتح النفق في القدس ثم الاستيطان في جبل أبو غنيم إضافة إلى توسيع نطاق حركة الاستيطان في عدة مناطق بالضفة الغربية و قطاع غزة, ووجهت ضغوطها نحو السلطة الوطنية تحت مبرر " الأمن " , فكان الحصار المتواصل و منع وصول المستحقات المالية للسلطة الوطنية من الضرائب و غيرها , بحجة تقصير السلطة الفلسطينية في مكافحة " الإرهاب ".
و تتضح ملامح التوجهات الأمنية الإسرائيلية و التي تهدف إلى تحويل السلطة الفلسطينية " شريط حدودي متعاون " , و قد أعلن عدد من كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية أن المطالب الأمنية الإسرائيلية تعتبر ماس بالسيادة الفلسطينية و أنها لن تتحول إلى شريط حدودي متعاون.
و إسرائيل بهذه السياسة تتجاهل حقائق قوية لا يمكن لسياستها الأمنية أن تحقق أهدافها لاسباب نذكر بعضها:
-هنالك فرق جذري بين ظروف إقامة الشريط الحدودي في جنوب لبنان , و إقامة سلطة وطنية للشعب الفلسطيني, حيث أن الشريط الحدودي اللبناني أقامه جنرال لبناني متعاون مع إسرائيل باحث عن دور و امتيازات لم يحصل عليها خلال موقعه السابق في الجيش اللبناني.
-السلطة الوطنية قامت كنتيجة مباشرة لقرن من الصراع و الثورات الشعبية الفلسطينية وصولا إلى الثورة الفلسطينية و منظمة التحرير, و بالتالي فان الهدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة و ليس البحث عن دور و امتيازات, وهذه الدولة المستقلة مطلبا وطنيا وشعبيا فلسطينيا , عبر عن ذلك المطلب الشعب الفلسطيني بتضحيات جسيمة.
-يحظى الهدف الوطني الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة بتأييد و دعم عربي مطلق , وأيضا, بينما أي توجهات إسرائيلية أخرى مرفوضة فلسطينيا و عربيا, و تشكل خطرا على الأمن القومي العربي , و قد عبرت عن ذلك سوريا بوضوح مثلا, برفض التوجهات الإسرائيلية, و هذا يعني أن الرفض الفلسطيني يحظى بدعم و تأييد عربي.
-هنالك اتفاق للتنسيق الأمني بين أجهزة أمن السلطة الوطنية الفلسطينية و جهاز " الشاباك " الإسرائيلي طبقا لاتفاق أوسلو. و ضمن إطار و حدود معينة, و تبقى هذه حدود العلاقة الأمنية الفلسطينية- الإسرائيلية, و ترفض أجهزة أمن السلطة الوطنية التنسيق مع الموساد الإسرائيلي بشكل قاطع رغم الطلبات المتكررة من جهاز الموساد لذلك.
-هنالك توافق شعبي و رسمي فلسطيني على رفض مبدا " الشريط الحدودي " حاليا و مستقبلا, لان الهدف الإسرائيلي يتعارض كليا مع السيادة و هو ركن أساسي في الأهداف الوطنية الفلسطينية.
وسائل ضغط إسرائيلية:
لم تحاول إسرائيل خلال السنوات الماضية ممارسة الضغط على السلطة الوطنية, من خلال الحصار المتواصل و التجويع و إيجاد واقع استيطاني جديد و عدم الالتزام بتطبيق بنود اتفاقية اللام فقط, بل استخدمت وسائل الإعلام أيضا بصورة مذهلة كجزء من عملية الضغط المبرمجة, سواء باستغلال سيئ و متعمد لموضوع التنسيق الأمني, أو بحملات إعلامية تحريضية تناولت بعض قادة أجهزة أمن السلطة الوطنية و كبار الضباط, و شخصيات سياسية, و بعض التجاوزات, لتكوين نظرة عامة لدى قوى المعارضة الفلسطينية و تعاملت وسائل الإعلان الفلسطينية مع الحملة الإعلامية الإسرائيلية المبرمج و بأسلوب لا يخرج عن دائرة الصمت أو الحدث الخجول.. مما ترك الساحة للاعب وحيد و هو الإعلام الإسرائيلي الذي يدعى امتلاك الحقيقة الكاملة.
إضافة إلى وسائل الضغط الإسرائيلية كانت هناك سياسة و ما زالت يتم تنفيذها على الأرض في مناطق السلطة الوطنية, لقطع الطريق على إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة, ولتحويل النضال الشعبي و الرسمي الفلسطيني إلى الهدف الإسرائيلي, و بعيدا عن الصراع المعلن, كان الصراع الخفي و السري لإجهاض التوجهات الإسرائيلية الأمنية الخطيرة…
و لكن الصراع السري كان يتسبب بفتح جهات جديدة, كرد فعل إسرائيلي لمحاصرة أي نجاح فلسطيني على الأرض في مواجهة السياسة الأمنية الإسرائيلية.
يتبع......

التعليقات