دنيا الوطن تحاور الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير عبد الهادي شلا

كندا-دنيا الوطن
يعتبر الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير عبد الهادي شلا علامة مميزة واضحة في الحركة الفنية التشكيلية الفلسطينية والعربية والذي بشر بالانتفاضة الأولى بلوحاته الفنية عندما أوحى بان الحجر هو السلاح السري لشعب اعزل يواجه الاحتلال الإسرائيلي وممارساته .وقد أكد شلا بان حياته في المهجر لم تكن حاجزا بين إحساسه بما يدور على ارض الوطن .والفنان الفلسطيني الكبير شلا نموذج لكفاءات فلسطينية تنتظرها دولة فلسطين المستقلة لبناء مؤسساتها بالصورة التي يحلم بها كل الفلسطينيين في كل مكان.
دنيا الوطن حاورت الفنان شلا حول مختلف قضايا الحركة الفنية التشكيلية الفلسطينية والعلاقة بين الفنان والأرض:
دنيا الوطن : ماذا تقول البطاقة الشخصية للفنان شلا؟
شلا: عبد الهادي خليل شلا.. ولدت بحي الشجاعية بمدينة غزة ..الحي الذي منح الوطن الكثير من العلامات المضيئة في شتى الميادين ، فمنه خرج الأبطال والشهداء والشعراء والقادة .
دنيا الوطن: بداية الموهبة الفنية..كيف نمت وفي أي ظرف ؟
شلا: في سن الثالثة كانت خطواتي الأولى إلى المدرسة ( الروضة ) بكلية غزة في مبناها القديم . المجاور لمدرسة هاشم بن عبد مناف والتي أكملت فيها دراسة المرحلة الابتدائية حيث بدأ اهتمام مدرس الرسم الأستاذ / منير ساق الله بموهبتي في الرسم التي لفتت انتباهه رغم صغر سني ، والذي منحني فرصة الالتحاق بجماعة الرسم بالمدرسة و كنت أصغرهم سنا(عمري6-7 سنوات) ، وما زلت اذكر أول لوحة رسمتها بالألوان المائية على قطعة ورق كبيرة جدا بالنسبة لي في تلك السن وأذكر أن موضوعها كان معبرا عن الثورة الجزائرية وبالتحديد عن المناضلة / جميلة بوحريد التي كانت مثالا للمناضلة العربية وبالطبع فإن الوضع الفلسطيني العام لم يكن مختلفا عنه في الجزائر إذ أن الموضوعات التي كانت تعبر عن حالات البؤس والتشرد والظلم الواقع على الشعب الفلسطيني كانت هي العلامة المميزة للحصص الفنية في مناهج الدراسة .
أفادني أيضا أن أخي الأكبر كانت له مواهب فنية في الرسم وكنت أحب تقليد ما يقوم برسمه وأنا في هذه السن، وكذلك كان لتوفر الصحف والمجلات المصرية التي كان والدي يداوم على قرأتها وما تحويه من رسومات لفنانين أمثال الفنان ( بيكار و جمال قطب وغيرهم ) أثر في تنمية موهبتي إذ كنت أعيد رسم هذه الرسومات وتلوينها بالألوان المائية التي كان والدي يوفرها لي ويشجعني ويعدني بأنه سيرسلني لاستكمال دراستي العليا في إحدى كليات الفنون الإيطالية مما شجعني على الاستمرار .
بعد إتمام المرحلة الإبتدائية ،إنتقلت إلى مدرسة اليرموك الإعدادية بحي الرمال وبعدها إلى مدرسة فلسطين الثانوية والتي فيها أتيحت لي الفرصة الأكبر لإبراز قدراتي في الرسم، وكان من حظي أن مدرسي الرسم من المصريين وكانوا من الفنانين الأكفاء الذين وفروا لي ولزملائي التعرف على الرسم من خلال الموديل الحي ودراسته بالشكل الفني الأمر الذي أدى إلى تطور نظرتي لفن الرسم في هذه السن ،كذلك قمت برسم أول لوحة بالألوان الزيتية على مساحة كبيرة ( 122x 144 سم ) وأذكر أنها كانت تحمل عنوان ( من اليمن إلى فلسطين ) تصور جنودا يحملون أسلحتهم في طريقهم إلى تحرير فلسطسن. و اتبعتها بلوحة أخرى أسميتها ( طريق النصر ) تصور عودة اللاجئين إلى ديارهم ، تم تثبتها فوق الباب الرئيسي لمسرح مدرسة فلسطين الثانوية منذ العام 1964 حتى العام 1967 حيث أخبرني زميل فيما بعد أن القوات الإسرائيلية حين احتلت قطاع غزة في ذلك العام قد نسفتها هي واللوحة ألأخرى.
وفي العام 1965 سافرت مع أسرتي للالتحاق بوالدي الذي كان يعمل في دولة الكويت ،حيث حصلت على شهادة الثانوية العامة هناك في العام 1966 ، وهو نفس العام الذي التحقت فيه للدراسة بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة.
دنيا الوطن:هل كان التحاقك بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة فرصة تحققت فيها طموحاتك في ذلك الوقت؟
شلا : كانت فرصتي عظيمة هناك حيث تتلمذت على أيدي رواد الحركة التشكيلية المصرية بتنوع أساليبهم وثقافاتهم الفنية أمثال الفنان حسني البناني وعبد العزيز درويش وعز الدين حمودة وحامد ندا وممدوح عمار وغيرهم من الجيل التالي، الأمر الذي أتاح لي مجالا واسعا في الرؤية الفنية والتحصيل من الخبرات المتنوعة إذ كان لكل واحد منهم أسلوبا فنيا بل ولبعضهم مدارس فنية ، فكانت فرصتي عظيمة حيث قويت علاقتي الشخصية بهم وكنت كثير السؤال والبحث وأعمل ساعات طويلة في المرسم دون كلل أو ملل ،وهذا جعلني متميزا بين زملائي الطلاب بشخصية فنية بدأت تتبلور ملامحها وأنا مازلت في السنة الثانية، وكنت أميل إلى المدرسة التأثيرية خلال سنوات الدراسة بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة ومعجبا بلوحات الفنان العالمي فان جوخ،إلا أنني كنت أجرب رسم لوحات بالأساليب الحديثة بمفهوم بسيط لكنه كان تجريبيا وترك أثرا ظهرت نتائجه مستقبلا مما عجل في أن أحقق لنفسي أسلوبا فنيا بعد التخرج بوقت قصير .
دنيا الوطن: مشروع التخرج..هل كان له علاقة بالواقع الفلسطيني؟
شلا:في السنة ألأخيرة للدراسة بكلية الفنون الجميلة، تتبلور شخصية الطالب وتظهر ملامح تبشر بولادة فنان أو أن يبقى الطالب على مستواه المدرسي كأن يكون طالبا يجيد الرسم والتلوين ، وهناك فرق بين أن تلون وترسم ، وبين أن تفكر وتبدع وتكون مؤثرا..كانت نظرتي في مشروع التخرج أبعد من الواقع..فقضيتي بين ضلوعي تمر من خلالها أنفاسي..ولكن السؤال ..هل أطرحها بعصبية وغضب وأبقى منتظرا نظرة العطف والشفقة ؟ أم أطرحها بصلابة وثقة و بفكر راق يتفق مع عظمة شعبي بعيدا عن الشعارت المثيرة التي كانت تملأ الأفق في تلك الأيام حيث لم يكن قد مر وقت طويل على النكسة ( 5 يونيو 1976 ) .
المشروع حمل اسم (صور من الحياة )..مكون من خمس لوحات كل واحدة حملت صورة اجتماعية مختلفة وكلها تنبع من خصوصيتي الفلسطينية .وكان هذا في العام 1971 حيث حصلت على درجة البكالوريوس في الفنون من قسم التصوير.
دنيا الوطن: الشخصية الفنية ودورك في الحركة التشكيلية الفلسطينية والعربية ؟
شلا:بعد التخرج عدت للإقامة في الكويت مع عائلتي، في الوقت الذي أنشأت فيه أول مرسم وانطلقت منه لإقامة المعارض الشخصية و المشاركة في المعارض الجماعية حيث كانت الحركة التشكيلية الكويتية في بدايتها و توطدت علاقتي بالفنانين الكويتيين والفنانين العرب المقيمين والزائرين .
وانطلاقتي الفنية الحقيقية كانت من معارضي الشخصية في الكويت وحصولي على العديد من الجوائز الأمر الذي وضعني في معترك الحركة التشكيلية وزاد من إحساسي بالمسئولية وكذلك مشاركاتي في معارض التشكيليين العرب داخلها وخارجها ، ومن تواجدي في الإتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين حيث كنت لفترات عديدة عضوا في هيئته الإدارية و كانت مساهماتي مع الإتحاد في معظم المعارض التي أقيمت في البلدان العربية والأجنبية و كذلك حضوري الشخصي الأمر الذي وطد علاقتي بكثير من الفنانين العرب وحتى الآن.
وقد مررت بمراحل فنية عديدة ، وكنت أنظر إلى كل مرحلة على أنها بحث فني مستقل ضمن الرؤية الفنية التي أرغب في تحقيقها والتي تستدعي مني التجريب والإقدام على مغامرات في التقنية وفي طريقة طرح الفكرة .
دنيا الوطن: مراحلك الفنية ..أو بحوثك الفنية؟
شلا: كما قلت ..إنني منذ أيام الدراسة كانت خصوصيتي الفلسطينية هي حجر الزاوية في كل ما أطرحه من موضوعات إنسانية ..ولم أرغب في يوم أن أكون صورة مكررة لهتاف أو شعار صنعه غيري ، بل كنت دوما أبحث عن الجديد العالي المستوى والذي أريده متمشيا مع طموحاتي..فلم تكن المرأة التي ترتدي الثوب القروي أو الرجل الذي يحمل بطاقة التموين وصفيحة الكاز هي الموضوعات التي أرى فيها عظمة شعبي الفلسطيني، بل كنت أرى عظمته في قوة فكره ونظرته السامية في تحقيق هدفه على نفس المستوى الذي يجب أن يعامل به عدوه الذي اغتصب أرضه.وقد مررت بعدة مراحل لكل منها ملامح إلا أنها لا تبتعد عن المضمون السامي الإنساني.
المرحلة التعبيرية (1973-1977) : الألم الفلسطيني له في أعمالي رموز ودلالات هو العشق للأرض وللسماء الفلسطينية..وكانت المرأة رمزا لتجدد الدم الفلسطيني ورحمها دائما معطاءا كأرض فلسطين..كانت الشمس لها حضورها في أعمال تلك المرحلة وهي تتلون بما يتفق مع الحدث..فقد تكون سوداء وقد تكون بيضاء ..كل وضع يحقق هدفا منسجما مع الفكرة المطروحة .وقد تكون الكلمة التي كتبها لي أستاذي الفنان المرحوم حامد ندا والتي أعتز بها في العام 1975 تحوى تلخيص لأسس هذه المرحلة " إن ما أراه في أعمال عبد الهادي شلا الفنية جعلني أتفاءل بمستقبله ، ذلك أنه حين أراد أن يصوغ تكويناته من حيث الشكل أو التصميم كانت له رؤيا خاصة به ..يقترب كثيرا من الروح الشرقية ، وخاصة ما يتميز به الشرق العربي ، وله قدرة ذكية على تكوين سطوحه بألوان تميزت بشفافية تثير الإنتباه ، وهو أحيانا يقترب بشخوصه من الأداء الكلاسيكي في تعبيرية متآلفة يحيطها سكون أبدي أو متحورة من أشكال تجريدية في تراكيب تآلفت ، وهو دائم البحث عن عالم قلق ، ولكنه ظافرا متفائلا رغم ميتافيزيقيته..هذا هو تصوري" .
وفي نفس العام 1975 قال الناقد المصري كمال الجويلي عن نفس المرحلة " رؤية درامية متكاملة ، تستقطب عناصر الحس التراجيدي بالواقع في رؤيته الشاملة ..إرتباط عضوي بين الشكل – الأسلوب – والمحتوى ..يعطي تكاملا للعمل الفني ويعمق دوره ..يجتذب ويستفز المتلقي بتحريك مشاعره وأفكاره معا ..وجد الفنان مساره وخيوط الاتصال بين ذاته وذات المتلقي..وأمامه على مدى لا ينتهي مجالات تعميق هذا المسار " .
دنيا الوطن: ماذا عن المراحل الأخرى؟
شلا: المرحلة البيضاء الأولى(1978-1983)
في العام 1978 ..بدأت بحثا اخر حول تثبيت اللون الأبيض ضمن الدائرة اللونية ..واستخدمت رموزا..فقد كان الحصان الخشبي أبرز رموز هذه المرحلة لما يعكسه من واقع الأمة العربية في تلك الأيام ،حيث كان يمثل
" الوسيلة المعطلة الخصائص " ..إذ أن الحصان بكل فحولته وخصاله الكريمة في التراث العربي وكذلك جماله وقوته.. تحول إلى حصان خشبي لا يقوى على الحركة وترهل شكله وقبحت مكارمه..
رمزت به للإنسان العربي الذي سلبت منه إرادته فتحول إلى كتلة صماء ..بليدة لا تقوى على فعل شيء .
خلال بحثي في اللون الأبيض وتقنياته أردت أن أحقق موقفا من موجة فنية سرت في أعمال الكثير من الفنانين حيث بدأ استخدام الخط العربي في أعمالهم.. وهنا لابد أن نقول أن البعض قد حقق قدرة كبيرة في تطويع الحرف العربي وتميزا ، إلا أن الكثيرين وجدوها( سوقا فنيا مربحة) فاختلط الحابل بالنابل ..وعليه فقد كنت أجرب استخدام الخط ضمن بحثي في اللون الأبيض وتعاملت معه بروحانية بعيدا عن (السوق الرائجة) في تلك الأيام وقدمت معرضين في عامين متتاليين (1982 و 1983 ) لتجربة الخط العربي والتي أعتبرها تجربة جانبية في مسيرتي الفنية رغم أنني حتى الآن أجد من يسألني عن تلك الأعمال .
وفي كتبه الناقد الفني الدكتور /محمد المهدي في حينها ما يفسر محتوى هذه التجربة حيث يقول.." قدم لنا الفنان عبد الهادي شلا حلا جديدا – في حدود إمكانية الفرشاة واللوحة – تناول الخط العربي بالفك والتركيب، احتفظ بطابعه اللوني المميز ..المساحة البيضاء الواسعة تحيط بالتكوين الخطي ..الألوان الأصلية النقية يشترك معها اللونان الأثيران في الفن الإسلامي ..الفضي والذهبي . ضاعت الحروف وسط التكوين بصورتها التقليدية ، ولكنها بقيت كتكوين لوني يحدث المشاهد في يسر عن قوة انتسابه إلى الأصل ..هذه التجارب من الفنان شلا وغيرها بما يلحقها من تركيب جديد ، ولون صريح وضوء نقي تعيد إلى المزاج العام توازنه بين التشكيل والتقديس ، فلا ينصرف التقديس عن التذوق الفني ، ولا يبتعد التذوق الفني عن التقديس " .
بعد ذلك بدأت مرحلة بيضاء ثانية..وقد تميزت هذه المرحلة (البيضاء الثانية 1983-1987 ) بتجديد العناصر والرموز ..ففيها أصبح للون حركة وذبذبة تترد بإيقاع واضح في جو العمل الفني وكثر استخدام الرموز الفلسطينية التراثية كعامل مكمل لخلق التوازن المطلوب في الإيقاع العام للوحة مع بقاء الرموز التي اعتمدت عليها في مرحلتي السابقة ، كرمز ..الحصان والمرأة مع اختلاف في الطرح حيث تحول الحصان الخشبي إلى حصان طبيعي إلا أنه غالبا ما كان يظهر مقيدا أو في حالة إنطلاق من قيوده أو بدلالة تراثية ..وكذلك فإن الطائرالأسود من الرموز التي ميزت تلك المرحلة وهنا علينا أن نذكر أن بروز الطائر بهذه الصورة في أعمال هذه المرحلة كان من وحي و تأثير قصة ( آخر الطيور السوداء ) التي كتبها الأستاذ / إبراهيم زعرور . والتي قمت بتصميم غلافها فرسمت من وحيها العديد من اللوحات بأسماء مختلفة مثل لوحة ( إبراهيم يتذكر أمه ، طائر الشوق ، إنه يهوي ، باليه فلسطيني ، سقوط الطائر، البشارة ، لمن تهدى الأزهار ..وغيرها.
" أول من بشر بالانتفاضة الأولى "
وقد استشرفت الانتفاضة الأولى في أعمال تلك المرحلة قبل انطلاقتها بسنوات فشرفت بأنني أول من بشر بها وقد رسمت في العام (1983) عدة لوحات توحي بأن الحجر الذي يحمله رحم الأرض الفلسطينية هو سلاح فلسطين السري .
كان حتميا أن نصل بهذه المرحلة إلى نقطة التجريد التي غالبا ما تكون خلاصة الفكر والتجربة وبداية منظور جديد.. وحين تم الإنتقال بصورته الطبيعية كانت عناصر التراث أكثر هذه العناصر المرشحة لتحقيق الرؤية الفنية الجديدة ، وقد اعتمدت الإيقاع الموسيقي أساسا في تناغم وتوزيع الوحدات الزخرفية المستمدة من الملابس التقليدية الفلسطينية بداية ، ثم تطورها إلى الزخارف والوحدات الشرقية عامة برؤية تخرج الشكل عن أصله وتعيد صياغته في منظور اللوحة الفنية وقواعدها. وقد تحددت خصائص هذه المرحلة التجريدية التي إعتمدت على إيقاع الوحدات الزخرفية في كلمة أشرت لها في كتيب أول معرض لها في العام 1987 وقلت: " هل لنا أن تخيل حياة بلا موسيقى ؟!!
وهل تسمو الأرواح محلقة في علياء الخيال لدى الفنان باحثة عن إشراقات هي ضرورية لمقومات الحياة دون أن تكون قد أخذت لها إيقاع مناسب من الحياة ؟
وكيف لنا ان نكون قادرين على الإسترخاء جسديا و التركيز ذهنيا دون أن نستمع إلى صوت دافئ أو غناء شجي يثير فينا حسا عميقا بالإحتواء ؟!!
..إن الله قد منح الطبيعة هيئتها الجميلة ، وما بها من أصوات حكمت قدرته قوانينها ونواميسها لأغراض كثيرة ..وإننا نفترض أن هذه الأصوات والأشكال قد أخذت تباينها لعمل توازن كوني معين يعادل الهدوء التام الذي يمكن أن يكون لو أن المخلوقات جميعها كانت بلا أصوات ولا همهمات .
وإن كان ما في الطبيعة من فوضى الأصوات والأشكال وعدم التنسيق بين الكائنات لإحداث النغمة النهائية للطبيعة..إن كان لها صفة الفطرة ..فإن القدرة الإلهية قد نسقتها ووضعت أوزانها لتخدم الأغراض الحياتية .
فالفنان الذي يصنع لنا توازننا الداخلي بأعماله وإبداعاته إنما يعيد صياغة عطاء من عطاءات الطبيعة ، ويعيد تنسيقها ويعادل أوزانها ويدمجها برقي في الصياغة لتحدث التنسيق والتوازن المطلوب .
ومع تطور الإنسانية واستيعاب الإنسان وفهمه لكثير من أسرار الطبيعة واستمتاعه بإيقاعاتها ..أصبح قادرا على تكييف نفسه بالإستمتاع بصوت أو بشكل بما يتوافق مع إيقاعه الداخلي لتصبح الطبيعة أو يصبح هو جزء كل من الآخر ، وبالتالي يصبح قادرا على التعامل مع العمل الفني ذو الصياغة الجديدة .
إن ما أريد أن أقدمه في هذه الأعمال التي أطلقت عليها ( مقطوعات موسيقية ) هو تجديد خواص الحواس وتنمية قدراتها ، والذي يأتي من تأمل لقدرة الخالق في إحداث التوازنات الضرورية في الطبيعة.
..هل لنا ان نرى الموسيقى ؟!!
إن استطعنا أن نصل إلى أعلى درجات الرقي الحسي والسيطرة العالية على المشاعر في التواصل مع ذاتنا المتمتعة بالطبيعة وما بها من أصوات ذات نغمات ، فإن هذا سيمهد لنا طريق الوصول إلى الحالة الواجب أن نكون عليها ليتم الإنسجام مع كل مقطوعة مرسومة.
ومن معرفتنا أن لكل حاسة وظيفة وخاصية ليست للأخرى ، إلا أن هناك رابط وثيق بين حواس الإنسان قد لا تنفصل كل عن الأخرى في لحظة ما ، لذا فحين نرى عملا فنيا فإن العين أول الحواس إدراكا لما فيه ..منبهة ..باقي الحواس كل بدرجة معينة في الإستجابة لما أحدثه العمل في الوجدان والعقل .
وبعدها تبدأ عملية تنظيمية داخلية ، إلا أنني لا ألغي دور الحس والعقل في عمل التوازن فيما أريد به استبدال خاصية إحدى الحواس بخاصية أخرى ، وإن استطعت أن أحقق الصياغة بين العين والأذن وهما الحاستان اللاتي عليها التركيز في هذه الحالة ..فإن المتلقي – بطبيعة الحال – يستطيع أن يحقق ذلك بمجهوده وقدرته الذاتية على استحضار الأسس التي أبني عليها مقطوعاتي التشكيلية .
إننا نرى صياغة الطبيعة واختزالاتها البديعة في تلك الرموز الفلسطينية التي تتحلى بها الملابس الكثيرة التنوع ، وفي تلك الأهازيج ، وهذا التراث الحضاري الهائل والذي تعاملت معه في أعمالي السابقة برفق وتلميح .
إن تجربتي هذه مع التجريد لهي امتداد لما قدمته من أعمال كان العنصر الإنساني أساسا لها وكانت الرمزية ميزة أخرى لاحظ فيها المتتبع أنني في كل مرة كنت أطمح إلى تحقيق مستوى أكثر اقترابا وتعاملا مع الحياة .
وإن استخدامي للرموز الفلسطينية في هذه الأعمال لم يكن من باب الصدفة ، وإنما نجد المؤشر لها في استخدامها في أعمالي السابقة كعامل مكمل ، وأننا أمام تجربة اتضح فيها تسلسل استخدامات الرمز مضافا إليه صفة الحاضر المستوحى من الماضي المبصر لمستقبل رموز أكثر مرونة في إبراز العناصر الأساسية للحركة التشكيلية " .
وضمن مسيرتي الفنية وخلال بحثي في التراث رسمت مجموعة من اللوحات المائية تحت اسم(نساء بلا وجوه)كنت أتعمد أن يكون جسم المرأة كاملا إلا أنه بلا وجه فقد أخفيته خلف عباءتها وأريد للمتلقي أن يبحث في اللوحة ليعرف قصدي حيث قدمت له الرموز الأخرى المعينة والتي تمثلت في ثنايا ثوب المرأة وحركته وكذلك في شواهد القبور التي اصطفت عليها مجموعات من الطيور أو في حوار بين المرأة بحركتها وبين الطير و حركتة في الفضاء .
دنيا الوطن: الكاريكاتير ..ودوره في مسيرتك الفنية ؟
شلا: لقد كان للواقع العربي في السنوات العشر الأخيره تأثير سلبي على نفسي،حيث اتسعت مساحة الإحباط فاختلطت القيم التي تربينا عليها بصورة مشوشة..مريضة.. هزيلة ،الأمر الذي أخذ مني وقتا طويلا حتى تعافيت من الصدمة رغم أنني لم أتوقف ولكن كان استمراري لإعادة التوازن ودون منهج ..بعد ذلك عدت أكمل التجربة وها أنا أستعد لإقامة معرض شخصي في منتصف أغسطس 2003 بكندا ..أما الكاريكاتير فقد ساهمت مع في تأسيس جريدة"بيسان"التي تصدر عن الجمعية الفلسطينية الكندية بمدينة لندن /أونتاريو وبدأت الكتابة فيها ورسم الكاريكاتير وهنا لابد أن أقول أنني لم أكن على يقين من استمراري في هذا الإتجاه لأن طبيعتي الفنية تختلف وتطلعاتي لها اتجاه أخر ،إلا أنني وجدت نفسي قادرا على الجمع بين هذا وذاك وها هي السنة السادسة لهذه الجريدة ومازلت أحد أعضاء هيئة تحريرها ورسام الكاريكاتير فيها ،ومنذ عامين أسست مع مجموعة من الأصدقاء جريدة "الفجر العربي" وكن مخرجا وكاتب زاوية فيها بالإضافة إلى رسم الكاريكاتير ..وقد وجدت فيه متنفسا فوريا لصدى الأحداث وخاصة أنني بدأت أكثر تركيزا مع انطلاقة انتفاضة الأقصى فرسمت مجموعة كبيرة من الكاريكاتير حولها ..و النقطة الأكثر إشراقة في تعاملي مع الكاريكاتير كانت على صفحات جريدة "دنيا الوطن" التي ما أن تعرفت عليها حتى شعرت بأنها المكان الأكثر رحابة لرسوماتي وخاصة أنها تصدر إلكترونيا من بلدي الحبيبة غزة بفلسطين وهنا أسجل تقديري لكل العاملين فيها.
دنيا الوطن: هل الرسم أكثر تأثيرا وأبلغ من الكلمة ؟
شلا: لكل ميزة..إلا أنه من المعروف أن الرسم هو أول اللغة وأخرها إن جاز لنا أن نقول ذلك.. كيف؟ كل الشعوب تستطيع أن تنظر إلى الرسم وتفهم منه جزءا أو أكثر أو تفهمه كله ..أما الكلمة ففهمها محصور فيما يجيدون تلك اللغة فقط وقد يحتاجون إلى مترجم لفهمها إن لم يكون من أهلها..لذلك فإن الفن أقوى وأمضى وأكثر تأثيرا في كل الأماكن والأزمنة لأنه سجل الحضارات والأمم و بدونه ما كان لنا أن نتعرف على الحضارات التي سادت.
دنيا الوطن: كيف ترى واقع الكاريكاتير في فلسطين؟
شلا: لاشك أن طبيعة الموضوعات التي يتعامل معها الفنان الفلسطيني تتميز بالخصوصية وذلك لخصوصية واقعه..لذلك فإن ظهور العديد من رسامين الكاريكاتير في فلسطين أمر طبيعي ومتطور ..ونحن لدينا نموذجا عالميا في رسم الكاريكاتير وهو المرحوم الفنان"ناجي العلي" ،وقد ترك أثرا كبيرا في أعمال الكثيرين من رسامي الكاريكاتير الفلسطينيين وغيرهم ،إلا أنني أريد أن أوجه كلمة لكل فنان وهي أن عليه أن يقيم نفسه بنفسه ويعرف موقعه بالضبط غير معتمدا على مقالات صحفية أو رأي مجامل لغير عالم بفن النقد والتذوق العالي .
دنيا الوطن: كيف ترسم واقع شعبك في كندا ؟
شلا: مما تقدم كله..تستطيع أن تتعرف على طريقة طرح رؤيتي في كل القضايا.. ففي كندا وهي بلاد حرة في كل شيء..فما بالك بعد أن حصلت على هذه الحرية والتي كتبت عنها يوما بأنها شرطا من شروط الإبداع ؟ ماذا يريد الفنان ؟ أكثر من الحرية بمعناها الحقيقي !! إنني في تعاملي مع التراث وتجربته التي بدأتها في العام 1987 ومازلت عاكفا عليها أطرح قضيتي بالأسلوب الأمثل والمتوافق مع طبيعة هذه البلاد الحرة ..وقد حققت فوزا في مسابقة هامة منذ عامين بعمل تراثي تعرف منه الجمهور على التراث الفلسطيني وحضارة الشعب الفلسطيني التي يحاولون طمسها تحت مسميات كثيرة وقد كانت لي مشاركة أخرى هامة في العام الماضي مع خمسة عشر فنانا عالميا من بلاد مختلفة بعملين عن انتفاضة الأقصى وكان المعرض يحمل عنوان "فنانون ينددون بالاحتلال الإسرائيلي" وقد لاقى المعرض صدى كبيرا ما زال حيا حتى الآن.
وهنا أريد أن أضيف ..أنني رغم بعدي عن الوطن وعن الحركة التشكيلية الفلسطينية إلا أنني أحاول متابعة بعض النشاطات الفنية و لا أعلم عن نشاطات اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين الكثير ولكني أسمع أن هناك جمعيات فنية وتجمعات وأتمنى أن يتصل بي أحد من الفنانين الذين هم على صلة لأتمكن من المشاركة في الحركة التشكيلية الفلسطينية والعربية..
وأخيرا لابد من كلمة شكر لدنيا الوطن..بما تتيح للفنان والكاتب والمبدع الفلسطيني والعربي من فرصة التعرف على إبداعاته.
------------------------------

السيرة الفنية للفنان عبد الهادي شلا
*بكالوريوس الفنون الجميلة – تصوير -القاهرة - 1971
* عضو الرابطة الدولية للفنون التشكيلية - باريس - 1974
* عضو الإتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب - 1974
* عضو الإتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين - 1974
* عضو المؤتمر الثاني للفنانين التشكيليين العرب - الجزائر- 1975
* عضو في FOREST CITY Gallery لندن- أونتاريو -1996
* عضو في LONDON ARTS COUNCIL لندن- أونتاريو - 1997
المعارض الشخصية
* الجماهيرية العربية الليبية-القاعة الوطنية - طرابلس - 1973
* الكويت- المرسم الحــر -1977 و 1974
* الكويت - صالة الفنــون 1980 و1982 -
* قـاعـة الواســطي - بغداد - 1980
* الكويت- قـاعـة ألـف -1983و1982
* قطــر- شـيراتون الدوحــة - 1985
* الكويت- قـاعة أبـو شـهري - 1985
* الكويت- قـاعة الإيــوان - 1987
* كــندا- قاعة المهرجانات الحديثة - 1995
* كــندا-قـاعة سـوفـتن (المكتبة العامة) - 1997
* كــندا- فورسـت سيتي جاليري - 1998
* كــندا- أرتيستك جاليري - 1999
* قاعة الجالارية جاليري-1999
المعارض الجماعية والمشتركة
* القــاهرة-معــارض جمــاعية مختلفة - 1968و 1999و1970
* المعرض العام للجمعية الكويتية للفنون التشكيلية من - 1973حتى1981
* معرض الكويت للفنانين العرب (معرض السنتين) من- 1977حتى1987
* بينالي الإسكندرية ( دول البحر الأبيض المتوسط) -1984
* بينالي القــاهرة - 1986 و 1994
* معرض السنتين للفنانين التشكيليين العرب - بغداد –1974 و الرباط - 1976
* معرض الجرافيك الدولي- ألمانــيا - 1987
* بينالي الشــارقة - 1995
* معرض اللوحات الصغيرة- كندا (جبسون جاليري) - كندا -1995 و 1989
* المعرض السنوي للرســم ( الجائـزة الأولـى )- ( فورست سيتي جاليري)- كندا - 1997
* معرض اليوبيل الفضي ( فورست سيتي جاليري)- كندا - 1997
* جامعة ويسترن ( قاعة جون لابات ) -كندا - 1998
*قاعة هاربر سنتر- تورنتو- كندا - 1999
* معرض القطعة الفنية ( الجالارية جاليري ) 1999
* معرض اللوحات الصغيرة على الورق ( فورست سيتي جاليري ) 2000
* معرض مجموعة الفنانين ( قاعة مجلس الفنون )- لندن- 2001
* مهرجان ( فرنج للفن البصري) ( معرض شخصي ) قاعة ماكيناس بالمسرح الكبير- لندن ‏2001
* مشروع الهواء الطلق للفنون لندن 2001
* المعرض السنوي للفنانين الأعضاء ( فورست ستي جاليري ) 2002
* فنانون ينددون الإحتلال ( Artist Against Occupation ) فورست ستي جاليري-2002
معارض متنوعة في كل من :
أسبانيا- ألمانيا- تشيكوسلوفاكيا- المجر -ماليزيا- قبرص- الكويت- المغرب- اليابان- موسكو
البحرين- قطر- كندا-القاهرة- العراق.
المقتنيـــــــــــات
* شركة نفط الكويت (17 لوحة)- الكويت - 1977
* لدى المجلـس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكــويت - 1975
* متحف الفن الحديث-بغــداد (5 لوحات) - 1985
* الجمعية القطرية للفنون التشكيلية- الدوحة - 1985
* وزارة الإعلام القطرية- الدوحة - 1985
* شركـة مرسـيدس- ألمانيا (لوحتان) - 1985
* القاعة الوطنية- الأردن - 1987
* قاعة الإيوان- الكويت - 1987
* عمدة مدينة لندن- أونتاريو-كندا - 1997
* أعضاء في البرلمان الكندي -1995 و 1997
* بالإضافة إلى شخصيات أدبية و إجتماعية و مجموعات خاصة لدى أخرين في كل من :
الكويت- السعودية- قطر- الأردن- ايطاليا- بريطانيا- إيرلندا- أمريكا- كندا- قبرص- القاهرة .
الجوائــــز
* شــهادة إمتيـــاز من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة - 1971
* جـــائــزة الشــراع الذهــبي ( معرض الفنانين العرب )- الكويت 1981
* الجــائــزة الأولــى في الرســم (City Gallery) - كندا 1997
* عدة ميداليات فضية و ذهبية من معارض جماعية - 1976 و 1980
* عدة شــهادات تقــديرية من معارض جماعية ، ما بين- 1973 و 2003
نشـاطات أخــرى
* رســـام لدى مجـــلة الكـــويت-وزارة الإعلام الكويتية .-من 1991 حتى 1995
* رســـاـم لدى مجلة علوم و تكنولوجيا ( معهد الكويت للأبحاث العلمية ) - من 1992 حتى 1995
* رســـام كاريكاتير و عضو هيئة التحرير و مؤسس جريدة ( بيســـان) - كندا -1997 حتى 2003
* رسام كاريكاتير و مخرج فني و عضو هيئة التحرير و مؤسس جريدة ( الفجر العربي ) – كندا 1999
* كتابات صحفية حول الفن التشكيلي وفلسفاتة في الصحافة العربية .
* معلم للكاريكاتير ( مركز خدمة المجتمع بمدينة لندن-أونتاريو )- 1997حتى 2003 .


للاتصال مع الفنان /عبد الهادي شلا

[email protected]

أو
[email protected]

وزيارة موقع الفنان

http://shala.itmerge.com

التعليقات