الصابون النابلسي علامة مميزه بين ماض أصيل وحاضر دخيل .. صور
تاريخ النشر : 2014-01-07
الصابون النابلسي علامة مميزه بين ماض أصيل وحاضر دخيل .. صور


نابلس - خاص دنيا الوطن - تيسير الكفلاوي
يعود تاريخ صناعة الصابون في نابلس إلى أكثر من ألف عام مضت ، ويستدل على ذلك من خلال الكثير من الكتابات التي دونها الرحالة والمؤرخون القدماء ومنهم شمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري "المقدسي"، عاش هذا المؤرخ في القرن العاشر الميلادي، وتحدث عن صناعة الصابون، وقال إنه كان يصنع في المدينة ويحمل إلى سائر البلاد، وعندما زارها عام 1200 كتب: "ترمز هذه المدينة إلى قصر بين البساتين أنعم الله عليها بشجرة الزيتون المباركة".

و كان يتم إرسال الصابون إلى دمشق ليستخدم في المسجد الأموي، كما كان يصدر إلى العديد من البلدان وجزر البحر الأبيض المتوسط، وفي زمن الاحتلال الصليبي لفلسطين حظيت نابلس بمكانة مهمة لشهرتها بصناعة أهم أنواع الصابون؛ حتى إن هذه الصناعة أصبحت حكراً على الملك فهو المسؤول عنها، ولا يسمح لأي من أصحاب المصانع بمزاولة الصنعة إلا بعقد يمنحه لهم ملك "بيت المقدس" مقابل مورد مالي دائم من أصحاب المصانع.

 و ذهبنا في تحقينا الصحفي الى  نابلس  موطن هذه ألصناعه ،  تلك المدينة التي ما ان يضع الزائر قدمه في البلدة القديمة فيها ، ويشاهد تلك الأزقة والشوارع والحارات المسقوفة ، وسوق الخان القديم ، إلا ويكاد المرء يسحر من المنظر التاريخي الذي يعود به التاريخ الى من سكن هذه المباني التاريخية القيمة من ذلك الجيل الجميل والأجواء الاجتماعية والتاريخية التي سادت في تلك الحقبة التاريخية الجميلة  .

وعندما يصل المرء الى شارع النصر أو شارع 'الديكامانوس' قديما يشاهد حوانيت تجاريه تمتد على جانبي الشارع  توارثها الآباء عن الأجداد، وورثوها لأبنائهم، وتعود في أغلب الأحيان إلى أغنياء المدينة وحكامها. ، وهذا الشارع يعود تخطيطه لعام 72 ميلادية، أي في الحقبة الرومانية.

كان يتواجد في حوانيت هذا الشارع صناعات اندثرت كصناعة البُسط، ودقّ النحاس، وصياغة الفضّة، والزجاجيات، وتبييض النحاس، وصناعة الفخار، التي كانت تشكل المشهد المتكامل في هذا الشارع الذي تناغمت فيه أصوات البائعين وروائح صناعاتهم.' 

وذهبنا في تحقيقنا الى مصبنة من أقدم المصابن في نابلس يملكها الحاج معاذ النابلسي ابن الستين عاما الذي  لا يزال يحافظ على ما توارثه عن أجداده من عائلة النابلسي منذ 800 عام ،  ، حيث ورث هذه المصبنة عن والده ، وما ان أدخلنا المصبنة ألا وشاهدنا  وفد من السياح الفرنسيين الذين وبالصدفة كانوا من فرنسا وكان  فتاتان في العشرينات من أعمارهن يتكلمن الغربية اللغة العربية بركاكة ، وجاءوا ليشتروا كميات للاستعمال المحلي ، الذين اثنوا على هذه الصناعة وعلى فوائد الصابون النابلسي ، فهاهم الأجانب آتوا من قارات بعيده ليشتروا منتجنا الوطني  من الصابون ، ونحن نشترى ماركات أجنية من الصابون لا نعلم من أي تصنع .

 وبدا الحاج معاذ حديثة لنا قائلا : اشتهرت نابلس بصناعة الصابون ، حيث كان عدد المصابن في نابلس يربو عن الأربعين مصبنة ، وكانت من أعمدة الاقتصاد المحلي في المدينة والقرى المجاورة ، لان صناعة الصابون من عناصرها الأساسية زيت الزيتون ، الذي كان يشتريه صاحب المصابن من المزارعين في القرى المجاورة لنابلس ، كما اشتهرت نابلس في ينابيع المياه الطبيعية والتي كانت تعتبر مادة مميزه تدخل في صناعة الصابون

كما يدخل في صناعة الصابون  جذور بعض شجيرات القلي ، حيث يقول الحاج معاذ أنها كانت تجلب الى المصبنة وتحرق في بيت النار ومن ثم تدق في أجران حجريه ، ومن ثم توضع في أحواض مملوءة بالماء ممزوجة مع الحجر الجيري ليتم تفاعلها لاستخلاص المادة القلوية لتي تدخل في صناعة الصابون .

وكانت النقلة الجديدة لاستخدام الكيماوي في فترة الثورة الصناعية في سنوات الأربعينات، حيث دخلت الصودا الكاوية كمادة في التصنيع بالإضافة إلى استخدام زيت الزيتون  وتخضع عملية صناعة الصابون النابلسي  الى سبع مراحل  هي عملية الطبخ ثم  عملية البسط  ومن ثم  عملية التخطيط  التختيم و التقطيع والتجفيف ومن ثم عملية التغليف.

وقد أدخلت بعد التطورات الآلية عند بعض المصابن؛ فتحول التحريك بالدكشاب إلى التحريك بواسطة المحرك الكهربائي؛ كما أصبحت عملية نقل الزيت من الآبار تتم بواسطة مضخة كهربائية؛ وحل الوقود النفطي محل الجفت.

وقال الحاج معاذ النابلسي  ان المصابن كان تتكون من عدة أقسام ومنها الحلة :

- الحلة: وهي عبارة عن قطعة دائرية مقعرة من النحاس، قطرها يبلغ حوالي مترين؛ وسمكها يصل إلى 2.5سم، توضع على عمق مترين أو أكثر، ثم يبنى حولها جدار سميك من الحجر الناري يتصل من أسفل بقاعدة النحاس ثم يصقل من الداخل.  وعلى حافة الحلة العليا يوجد طوق سميك من الخشب. وتتسع الحلة إلى ما يقارب 250 جرة زيت أي ما يزيد عن 5 أطنان بالإضافة إلى المواد الأخرى التي تدخل في صناعة الصابون.

-  المخاضة: وهي عبارة عن قضيب من الخشب طوله مترين ونصف، وفي رأسه السفلي قرص خشبي قطره 25 سم، مثبت من مركزه بقضيب.  وتستعمل المخاضة للتحريك عند بداية علمية التصبن.

-  الدكشاب: يشبه المعلقة، وهو عمود من الخشب قطرة 7 سم وطوله أربعة أمتار تقريبًا وفي رأسه السفلى قطعة خشب شكلها قطع دائري، ويستعمل لتحريك الطبخة أثناء عملية التصبن.

الشمامة: أداة من الخشب لأخذ عينه من الصابون لفحصها من قبل الريس، وتشبه إشارة ( ) طرفها طويل حوالي 25 سم.

-  العوامة: قضيبين من الخشب طول كل واحد منهما 3م متصلين من أحد الأطراف بقطعة مستطيلة من الخشب؛ ومربوط بها عند الطرف العلوي حبل.  وتستعمل العوامة في نهاية السفي حيث يتم بها تجميع الصابون في أسفل الحلة فوق ماء الخمير.

-  علبة البسط: وعاء دائري من الصفيح، قاعدته من الخشب السميك، تتسع إلى 17 كغم من الصابون اللزج ( الهلامي) تقريبًا.

-  الشوكة: قطعة من الحديد مبسطة ورأسها مدبب طولها يساوي عمق الصابون عند البسط وتستعمل لتحديد سمك الصابون عند عملية البسط، ويكون لها مقبض من الخشب.

 - المالج: قطة مستوية من الحديد، لها مقبض خشبي، تستعمل لتسوية سطح الصابون بعد علمية البسط.

 - المقشرة: صفيحة معقوفة بزاوية منفرجة بها ذراع خشبية، وتشبه في شكلها شفرة الحلاقة.

-  المقطع (السكين): سكين خاص مثبت على ذراع من الخشب طوله 70 سم.

-  الدوبارة: خيط من الكتان.

 - الفرجار. الأختام: وهي عبارة عن قطعة من النحاس تحمل الماركة المسجلة للمنتج، مثبتة على مطرقة خشبية.

يدير المصبنة الرئيس وهو يشرف فقط على مراحل انتاج الصابون ، وهناك الريس وهو مسؤول عن العمال ويعمل بيده  ويشرف عليهم ، ويوجد في كل مصبنة من خمسة عشر الى عشر عمال يقومون على صناعة الصابون بكل مراحله .

و واصل الحاج حديثه لنا قائلا  : ان  أصحاب المصابن (أو ما كان يعرف بجماعة المصابنة) من الزعماء وأصحاب الالتزام وكبار التجار والعلماء وأعضاء في مجلس المبعوثان العثماني وأعضاء في المجلس البلدي و كان نتيجة ذلك أن وجد في المصبنة غرفة أو قاعة يجلس فيها صاحب المصبنة وحوله الوجهاء والأثرياء وكبار موظفي الدولة فيما كان يعرف باسم "الديوانية" حيث يتبادلون الحديث والآراء ويتشاورون في الأمور العامة، ولعل أهم قرار سياسي اتخذ في فترة الانتداب البريطاني خرج من مصبنة الشكعة، فبعد أن اعتدى اليهود على فلسطينيي يافا في 17/4/1936 تحركت نابلس لنصرة يافا فعقد اجتماع تمهيدي بتاريخ 19/4/1936 في تلك المصبنة ووضع في هذا الاجتماع أسس ومبادئ الحركات الثورية عام 36 وتم الاتفاق على عدة أمور أهمها إعلان إنشاء اللجنة القومية للإشراف على سير الحركة الوطنية وأن يتم إعلان الإضراب العام في نابلس وأن تدعى سائر مدن فلسطين إلى الإضراب.

 الحاج معاذ "النابلسي"  يؤكد ان صناعة الصابون لعبت دورا اقتصاديا هاما في تاريخ نابلس وساهمت في ازدهار الوضع الاقتصادي لسكان المدينة ،وفي الماضي كان أصحاب المصابن من كبار الشخصيات الاقتصادية والسياسية في المدينة وكان الأغنياء ينشئون المصابن في الأحياء ويشغلون العمال فيها وكانت المصبنة تعمل عمل البنوك في يومنا الحاضر فكان أصحابها يقدمون القروض لصغار التجار والفلاحين ويسترجعون ديونهم عند انقضاء الموسم ، ولعل الأمر الذي  ساعد على قيام المصبنة بهذا الدور هو وجود خزنة حديدية داخلها فكان كل من يريد إيداع أمواله في مكان آمن يسلمها إلى صاحب المصبنة كوديعة ، وكذلك كان المزارع يضع زيته أمانة عند صاحب المصبنة وإذا احتاج للمال يحضر إلى المصبنة ويبيعها من زيته المودع فيها ويقبض الثمن بالسعر السائد .

يحاول الحاج معاذ  ان يشجع أبناءه وأحفاده على الحفاظ على حرفة العائلة، كما يقول، مشيرا الى ان إدخال بعض الأدوات الحديثة للمصابن سيساهم بدفع الشبان والأجيال الجديدة على الاستمرار بتشغيل المصابن من خلال إنتاج كميات اكبر وبجهد اقل، حيث له أربعة من الإباء انهوا جميعا الدراسة الأكاديمية إلا أنهم يساعدون والدهم في المصبنة ويقومون بالإشراف على المصبنة  .

ويعتقد أن هذه الصناعة انتقلت على أيدي الصليبيين إلى أوروبا وخاصة فرنسا فتأسست مصانع الصابون من زيت الزيتون في مرسيليا وكانت هذه المصانع تحضّر الصابون بطريقة مشابهة لطريقة تحضير الصابون النابلسي، وانتشرت هذه الصناعة في انجلترا في القرن الرابع عشر.

وقد شكل الصابون سابقا أحد أهم السلع التي كان يتاجر بها تجار نابلس، وقد كان التجار يجوبون مدن سوريا الشمالية لتسويق ما لديهم من صابون وكانت بضاعتهم تلقى رواجا كبيرا في تلك المدن التي كان سكانها يستعملون الصابون النابلسي بكثرة باعتباره أجود أنواع الصابون.

 ولا يعرف على وجه التحديد من هو مبتكر هذه الصناعة، وهل وجدت في نابلس أم نقلت إليها من مدينة أخرى، ولكن الثابت أن هذه الصناعة وجدت لها في نابلس البيئة والظروف المناسبة والتي ساعدت على تمركزها في هذه المدينة أكثر من غيرها، ولعل من أهم الأسباب التي ساعدت في ذلك وفرة زيت الزيتون في منطقة نابلس ومحيطها والذي هو المادة الأساسية في صناعة الصابون.

كما كان لانتشار الحمامات التركية العامة في المدينة دور في استمرار هذه الصناعة وزيادة الطلب عليها، فقد ارتبط الصابون النابلسي قديما بالحمامات العامة إذ كان العامل ينتهي من عمله مساءً ويشتري قطعة من الصابون ويذهب بها إلى  أحد الحمامات ليغتسل.

 ومن فوائد هذا الصابون النابلسي :

- تغذية البشرة وإعطائها قوة ونضارة مما يساعد على تأخر ظهور التجاعيد.

-  تغذية جذور الشعر ومنحه الحيوية و التخفيف من تساقط الشعر

-  تخليص الجسم من البكتريا المسببة للرائحة ومنحه عطراً طبيعياً جميلاً.

- وهو مصنوع من مواد طبيعية تعتني بالبشرة لاسيما البشرة الحساسة والمتعبة أو المتضررة من أثار جلدية مرضية مثل الاكزيما والصدفية.

- توحيد لون الجسم وخصوصا المنطقة الحساسة والمساعدة علي التخلص من الحبوب والتقليل من ظهورها.

- يساعد علي القضاء علي القشرة ويقوي بصيلة الشعر ويؤخر ظهور الشيب يعطي الشعر ملمس ناعم ولمعة طبيعي .

وفي أيامنا هذه تواجه  صناعة الصابون تواجه تحديا كبيرا في استمرارها، تحديدا في حجم استهلاكه والذي تراجع بشكل كبير في نهاية الخمسة عشر عاما الأخيرة، والسبب الرئيسي يعود إلى غياب الوعي لدى المواطنين في أهمية استخدام هذا النوع من الصابون، المعتمد بشكل رئيسي على زيت الزيتون في صناعته، خاصة مع توافد أنواع الصابون الأخرى والمصنعة من شحوم الحيوانات والمعطرة، والنظر إلى العلامات التجارية ليس إلى النوعية الجيدة والطبيعية، هذا الجل بأهمية الصابون النابلسي أدى إلى تراجع تجارته، والإقبال على شراءه، وعدم وعي المواطنين العرب أيضا بالأمور الصحية و بأهمية الصابون النابلسي المصنوع من زيت الزيتون الخالص، في حين أن الغرب يسبقنا بالعودة إلى كل ما هو طبيعي.

هذا التاريخ الحافل والعلامة التجارية التي يفتخر بها كل فلسطيني  تحتاج  لدعم الجهات الحكومية المختصة حتى لا  تندثر هذه المهنة وصانعوها   وتصبح صناعة منقرضة خلال السنوات القليلة القادمة اذا ما استمرت على هذا الحال  السيئ والغير متابع من الجهات الحكومية والمحلية ـ واستغناء المواطن العادي واستبداله للصابون النابلسي بصابون أجنبي لا يعرف حتى مما يصنع .