بروقين تختنق بمجاري مستوطنتي ارائيل وبركان ومدينة سلفيت
تاريخ النشر : 2013-02-15
بروقين تختنق بمجاري مستوطنتي ارائيل وبركان ومدينة سلفيت


رام الله - دنيا الوطن
تحقيق صحفي: أحمد موقدي
عيناه التي تتأملان وادي المطوي، لم يزل يتذكر كيف كان قبل عشر سنوات، وكيف حاله بعد ما تحول لنهر من المجاري، الحاج ابو محمد ذو الستون عاماً لم يعد يشرب قهوته الصباحية امام نبع المطوي، وقرية بروقين التي تتضم ابو محمد اخترق نهر الصرف الصحي جمالها، ليبعث بدلا من رائحة الليمون البروقيني ، روائح تجرح نسيم القرية العليل.

ويضيف ابو محمد "منطقة الوادي كانت قبل سنوات متنزه للقرية، وكان يقصده كل الأهالي للاستمتاع بالمياه العذبة، وقطف النباتات الطبيعة كالميرامية، والنعنع، والزعتر الأخضر، والشومر التي بتنا نتحسر على رؤيتها، فالمنطقة كانت ملهى للأطفال وأصبحت ملقى لحشرات المعروفة وغير المعروفة.

 أبو محمد ولد في منطقة وادي المطوي حيث قضى طفولته في المرح واللعب، ليتحسر عليها قالاً "مع وجود مستوطنة ارائيل بدأت المعانة، لتصبح القرية المكب الرسمي لمياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية لمستوطنة بركان، التي ساهمة في تلوث التربة والهواء، فأصبحت حياتنا عبارة عن جحيم بحد ذاته"

أبو محمد لا يستقبل ضيوفه أثناء ساعات المساء، لأنهم لن  يتحملون الرائحة الكراهية التي تعود عليها على حد قوله .

"نتمنى النوم ولكن لا نستطيع، فالبعوض المسمم في كل مكان" بهذه الكلمات البسيطة يتحدث  ابو اسامه 46 عام، ليتابع حديثه وعلامات الألم تملى صوته "مياه الصرف الصحي التي تتدفق بغزارة من مستوطنة ارائيل ليست المشكلة الحقيقة ولكنها تكمن في مياه الصرف الصحي التي تأتي من محافظة سلفيت، فلا يتم تكريرها على غرار ارائيل، مما  أدى لجعل أراضي القرية مستنقع للمياه العادمة".

ويضيف ابو اسامه "لا احد يستطيع النظر للمكان كما في الماضي فالبرك الطبيعة  كانت تستمر لمنتصف الصيف أما اليوم تبقى طوال العام ولكن ليست المياه النقية التي تعودنا عليها بل مياه الصرف الصحي".

ابو اسامة أصر أن يخلع قميصه،  ليرينا جسده الذي أصبح مملوءً بالتقرحات والذي سببه البعوض على حد قوله، ويتابع "أصبحت أعاني من حساسية وأمراض لم يجد لها الطب وصفا إلى الآن وعندما اذهب لزيارة الطبيب يقول لي انه ناتج عن البعوض المسمم والحشرات".

ويتمنى ابو اسامه  أن يتم تغطية الوادي من بداية محافظة سلفيت إلى نهاية قرية بروقين لتخفيف ولو للقليل من الروائح ، والقضاء على الحشرات برش المبيدات الحشرية بين فتره وأخرى.

 القرية أصبحت المكان المناسب لانتشار البكتريا والفيروسات، وانتقال الأمراض الوبائية كالسرطان والفشل الكلوي والعديد من الأمراض المعوية والجلدية الذي يسببه البعوض المسمم المنتشر بكافة أنحاء القرية، وان هناك عدد من الأشخاص لديهم حساسية من هذه البعوض وبتالي يتم تحويلهم إلى مستشفى سلفيت لتلقي العلاج

 

قرية بروقين تقع إلى الغرب من سلفيت على بعد 9 كم، على منطقة جبلية قليلة الارتفاع وتبلغ مساحة أراضيها حوالي 12.800 دونماً في حين تصل مساحة الأراضي المقامة عليها البلدة حوالي 1500 دونماً ويقال أن اسم البلدة مشتق من مقطعين الأول بر ويعني القمح والثاني قين والذي يعني مكان استراحة الجمال.

ويبلغ عدد سكان القرية 3800 نسمة وينتمي السكان لعائلات مختلفة منها بركات وصبره وسماره وعامر، وتعد الزراعة والعمل في مجال البناء والوظائف الحكومية من أهم الموارد التي يتعمد عليها السكان في معيشتهم .

حجر في بحر

"بين أسبوع وأخر تقوم البلدية بعملية رش المبيدات الحشرية محاوله القضاء على البعوض والحشرات ، ولكن ما تقوم به البلدية كمن يرمي حجر داخل بحر" بهذه الكلمات القاسية يتحدث الحاج حسن صبره حيث أكمل ربيعه الثامن والأربعون والذي يحاول دائما أن يتجاهل الرائحة الكراهية المنبعثة من الوادي والذي لا يبتعد عن منزله سوا  بضعة أمتار ويتابع والدموع تملئ عينيه "كان لدي ما يقارب ( 100 رأس) من الأغنام ولكن بعد حوالي شهر، لم يتبقى إلا (45 رأس) وعندما اخضرت الطبيب البيطري أوضح أن السبب الرئيسي لوفاتها هو المياه والأعشاب الملوثة التي كانت تأكلها وتشربها"

ويضيف صبره "قبل سنوات كانت مياه مستوطنة ارائيل تأتي إلى القرية مكرره وكنا نروي بها الأشجار المحيطة بالمنزل وكانت تنمو بشكلً غير طبيعي، وما أن ينقطع عنها الماء لفترة فأنها تتلف بسرعة، ولم يكن لهذه المياه أي رائحة كريهة إلا بعد شبك مياه الصرف الصحي لمحافظة سلفيت فأصبحت تصب بالقرية من غير حسيب ولا رقيب" .

وزارة الزراعة تحذر

لبيب عيد نائب الشؤون الإدارية في مديرية الزراعة  في سلفيت يتحدث "قمنا برفع كتاب خطي للمستشار القانوني في الوزارة ليتابع رفع دعوة قانونية على مستوطنة ارائيل ومصانع بركان" .

ويشير عيد إلى أن كمية مياه الصرف الصحي التي تصدر عن مستوطنة ارائيل اكبر من الكمية الصادرة عن سلفيت.

ويتابع النائب الإداري قوله " مياه الصرف الصحي الناتجة عن مستوطنة ارائيل و مجاري سلفيت لها دور كبير في تلويث أراضي قرية بروقين، فهذه المخلفات تحتوي على كمية من أملاح الصوديوم التي تساعد على انسداد مسمات التربية وتصبح غير صالحة للزراعة ، ونحن نقوم بتوعية مزارعين القرية بعد استخدام هذه المياه للزراعة لأنها لا تكون مكرره، وإنها تؤثر على المزروعات".

ويتحدث لبيب "إن الثروة الحيوانية تأثرت بشكل كبير في المنطقة، فالحيوانات ترتوي من المياه الملوثة التي تنتقل إلى الإنسان بعد تناوله للحوم ومشتقات الحليب وبتالي تؤثر على الصحة العامة، فالإقبال على اللحوم انخفض نتيجة تسمم الحيوانات، حيث بدأ الأهالي بالتزود  بها من خارج القرية للمحافظة على صحتهم وسلامة أطفالهم" .

حمام الهنا

أما الشاب محمد صبره 23 عاماً يقول " في فصل الشتاء لا نشعر بمياه الصرف الصحي لان مياه الأمطار تعمل على تنظيفها، ولكن المشكلة تكمل في أيام الصيف على الرغم من ارتفاع درجات الحرارة إلا أن المياه تبقى متدفقة، وتكون الرائحة الكريهة جداً لا تطاق فتشعر انك تسكن داخل مكب للنفايات، والمشكلة الحقيقة تكمن في عدم قدرة الأطفال على العبور للطرف الأخر من الطريق بسب فصل مياه الصرف الصحي لطرفي الطريق".

 ويتابع محمد بضحكة اشمزاز "في إحدى الأيام كنت بالطريق إلى المدرسة وكان علي إن اجتاز نهر الصرف الصحي وفقدت توازني من الرائحة وسقطت على وجهي في المياه مما دعاني للعودة إلى المنزل والاستحمام لم اذهب للمدرسة لمدة أسبوع كامل" .  

عكرمه سماره رئيس بلدية بروقين يتحدث عن قريته" إننا نعاني من مشكلة مياه الصرف الصحي والتي تأتي من جهتين منفصلات من الجهة الشمالية الشرقية مياه ارائيل وسلفيت ، ومن الجهة الشمالية من مستوطنة بركان، والتي تعمل على رمي مخلفاتها الصناعية في أراضي القرية".

ويضيف سماره "تعاني القرية منذ قدوم الاحتلال من مصادرة أراضيها لصالح التوسع الاستيطاني في مستعمرة ارائيل، والطرق الالتفافية التي تنشها المستوطنات على حساب الأهالي".

ويتابع سماره حديثه "أن الخطورة الكبيرة من مياه الصرف الصحي تمكن في تلوث المياه الجوفية الموجودة بالقرية والتي عملت على تخريب 3 عيون من المياه التي كانت تعتمد عليها القرية، وتساعد هذه المياه في تلوث البيئي والصحي، وتساعد على انتشار الحشرات الضارة كالبعوض المسمم ، وتشكل منطقة وادي المطوي المكان الأمان لعيش الحيوانات الضارة كالجرذان والأفاعي والخنازير التي أصبحت تفضي على المحاصيل الزراعية ".

سماره متأكد أن التلوث من مستوطنة بركان اخطر من التلوث الناتج عن ارائيل فيوضح       "الجهة الشمالية لمخلفات المصانع الكيمائية لمستوطنة بركان تسبب أضرار كبيره على الأرض خصوصاً عندما تقوم بحرق نفاياتها الكيمائية، والتي تساعد على القضاء على أشجار الزيتون الموجودة بتلك المنطقة ، وهي المناطق الذي يمر بها خط عابر السامره وهو محرم للفلسطينيين  ويمنع الرعي هناك ، ويعتبر هذا المكان هو المتنفس الوحيد للرعي، لينتقل أهالي القرية للرعي في منطقة وادي المطوي الملوث مما أدى إلى ضعف الثورة الحيوانية والتي أصبحت معدومة، ولا احد يقبل على شراء أي من مشتقات الحليب خوفاً على صحتهم".

ويتحدث سماره عن المشكلة مع بلدية سلفيت "لقد قمنا برفع كتاب خطي للحكم المحلي نشكو فيه مشكلة مجاري الناتجة عن المدينة، واجل أخر موعد للنظر في القضية في الثاني من تموز وبعد هذه التاريخ سنقوم باتخاذ الإجراءات المناسبة،

سماره يؤكد أن وزارة الحكم المحلي تعلم ما يجري من حولها ولكنها ترمي لأن نكون يداً واحده  بعيدين عن أي مشاكل بين البلديات، ويتابع سماره حديثه بتعجب  " تم تأسيس محطة لتكرير مياه الصرف الصحي في سلفيت ولا كنها لا تعمل مع العلم انه يتم تمرير المياه العادمه من هذه الشبكات".

ويبين رئيس بلدية بروقين انه يوجد تعاون يجري حاليا مع مؤسسة أطباء لحقوق الإنسان لرفع قضية على مستوطنة ارائيل داخل المحاكم الإسرائيلية لوقف ضخ مياه الصرف الصحي على القرية واعتبر ما تقوم به إسرائيل هو انتهاك لحرية القرية .

المياه الملوثة والأعشاب التي تتناولها الأغنام تعمل على نقل الأمراض لجسم الإنسان، والتي تعتبر مشكلة بحد ذاتها، فالكثير من الإصابات التي عالجتها كانت ناتجة عن عملية التسمم، وان الخطر الأكبر يمكن في البعوض المسمم والذي أصبح يهدد كل أهالي القرية، حيث وصلتنا حاله  لم نستطع  تشخيصها الأمر الذي اضطرنا   لإرسال التحاليل إلى مستشفى هداسه في إسرائيل ليتبين أنها مصابه ببكتيريا محوصله  تتركز في المعدة وتحتاج إلى متابعه للقضاء عليها

ويشار إلى أن مستوطنة بركان هو تجمع صناعي استيطاني من اكبر التجمعات الصناعية الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية أقامه الاحتلال في عام 1981 على مساحة 837 دونما من أراضي قرية حارس بمحافظة سلفيت الواقعة على بعد 7 كيلو متر شمال غرب سلفيت، ويحتل مجمع بركان موقعاً استراتيجيا مناسبا لنقل المنتجات الصناعية الاستيطانية بقرب من طريق عابر السامره المخصص للمستوطنين فقط والذي يربط شمال الضفة عن وسطها ، ويعتبر تصنيع البلاستيك والزيوت والرصاص من أعمدة الصناعة في بركان وأكثرها ضرار بالبيئة المحيطة .

 الحاجة أم ايمن 68 عاماً تتذكر أيام شبابها ولكن الحسرة تملا صوتها فتقول" بالماضي كنا نزرع في وادي المطوي لأن تربتها كانت خصبة وصالحة للزراعة ، وكانت المياه متوفرة من الينابيع العذبة الموجودة بالوادي، وكان أطفالي دائما يلهون أمامي في المياه ويتسارعون على التقاط الزهور المختلفة الألوان والأشكال، أما بهذه الأيام نحن لا نجد المياه النقية النظيفة لري المزروعات ،فبعد أن كانت حديقة منزلي كالجنة أصبحت  صحراء قاحلة من  أشجار جافه".

وتتابع ام ايمن  وعلامة التعجب سمة وجهها "أتتوق كثيراً للجلوس في حديقة منزلي لاستنشاق الهواء النقي، لان رائحة مياه المجاري وكثرة الزواحف حرمتني وأفراد عائلتي من فتح نوافذ المنزل ، وإذا فعلت ذلك لا تتخيل كيف يدخل البعوض على شكل مجموعات كبيرة ولا نتخيل أصواتها وكأنها أزير طائرات بالإضافة إلى الأذى التي تسببه، حيث أصبح معظم البعوض مسمم وتساعد على تقرح كل جسم يلسعه ذالك البعوض" .

وبين معهد البحوث التطبيقية اريج في بيت لحم عبر تقرير نشره على الانترنت "ان الـمياه العادمة الناتجة  عن مستوطنة  ارائيل الـمقامة على أراضي محافظة سلفيت تتدفق في وادي الـمطوي الذي يمثل أحد مصادر تغذية الحوض الجوفي الغربي في هذه الـمنطقة. حيث تنساب هذه الـمياه لتعبر الأراضي الزراعية الـمجاورة، ويستمر سيل الـمياه العادمة باتجاه أراضي قرية بروقين ثم أراضي قرية كفر الديك وتستمر باتجاه الخط الأخضر، وكان من الـمفترض إقامة محطة لـمعالجة الـمياه العادمة في منطقة وادي الـمطوي ضمن حدود مدينة سلفيت بتمويل من التعاون الألـماني (KFW)، غير أن العراقيل والشروط التي وضعها الجانب الإسرائيلي حالت دون نجاح الـمشروع.

حيث اشترطت إسرائيل للـموافقة وإعطاء الترخيص اللازم لإقامة الـمحطة في منطقة 'ج' أن يكون هذا الـمشروع مشتركا مع الـمستوطنات لـمعالجة الـمياه العادمة ، وفي الوقت نفسه فإنها تقوم بخصم شيكل واحد عن كل متر من الـمياه العادمة من ميزانية السلطة.

وتعتبر مستوطنة ارائيل من كبرى المستعمرات الإسرائيلية المقامة على أراضي الضفة الغربية حيث تطلق عليها سلطات الاحتلال بعاصمة ' السامرة، حيث يعود إنشاءها إلى عام 1978م عشية توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر و إسرائيل حيث كانت البداية بمصادرة 500 دونماً من أراضي قرية مردا ومدينة سلفيت لتأسيس المستعمرة ومع مرور الوقت لتصادر اليوم 20 ألف دونماً من الأراضي الزراعية في كل من مردا و كفل حارس و اسكاكا و مدينة سلفيت، و من ثم تحولت في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق 'نتنياهو' إلى مدينة تضم الآن جامعة و مصانع في الجهة الغربية أطلق عليها مصانع غرب 'ارائيل'

وحسب إحصائيات وزارة البيئة الفلسطينية على الانترنت فقد بلغت كمية المياه العادمة التي تضخها هذه المستعمرات (والتي لا يزيد عدد سكانها عن 170 ألفا من المستوطنين اليهود) في الضفة الغربية وحدها حوالي 40 مليون متر مكعب سنوياً، في حين أن كمية ما ينتجه المواطنون الفلسطينيون في الضفة الغربية (والذين يبلغ عددهم حوالي مليون نسمة) 33. 72 مليون متر مكعب. فالمستوطنات هي مصدر خطير للتلوث في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة نتيجة الكميات الهائلة من المياه العادمة التي تقتل البيئة وتقضي على الحياة في الأرض الفلسطينية. ويتضح خطورة الأمر إذا علمنا أن 90% من منازل المستوطنات متصلة بشبكات صرف صحي، إلا أن نسبة ما يعالج منها لا تتجاوز 10% من كمية المياه المنتجة.