أشجار محافظة سلفيت.. حكاية معمّرة وتاريخ شاهد
تاريخ النشر : 2021-10-06
أشجار محافظة سلفيت.. حكاية معمّرة وتاريخ شاهد


رام الله - دنيا الوطن
عمر السلخي

محافظة سلفيت بقراها وبلداتها ال 18  التي تكاد لا تخلو اي منها بشجرة تاريخية او اكثر، تشكل معلما مهما للسكان ، كل منها تحكي قصه ورواية ، وترتبط بالاساطير والمعتقدات المتوارثة، تستضيف المسافرين في ظلها ، وتلخص تاريخ الاجداد ، فيرتبط  الانسان بالأرضِ والمكان، فتصبحَ الأشياءُ المحيطة به والتي تكبرُ معه جزءاً من تفاصيلِ ولحظاتِ حياته، فيشعر بالانتماءِ والحنين إليها، لانها تنبضُ بالحياة.

"خروبة اسعد" في بلدة الزاوية

هناك في الجهة القبلية لبلدة الزاوية، وفي الطريق المؤدي الى قرية رافات، حيث تتلوى الطريق ، وتترامى اشجار الزيتون يمنة ويسره ، وعلى الرغم من وجود عدد من شجر الخروب في سفح الجبل ، ووجود بئر الماء الارتوازي الذي حفرته النقطه الرابعه للجيش الاردني ، الا ان المعلم الاكثر شهرة هو خروبة اسعد ، ربما لان البئر وان كان في اراضي بلدة الزاوية ويسحب مياهها الجوفيه ، الا ان المواطن يتجاوز ذكره لانه تحت سيطرة الاحتلال ،  ويشرب الماء العذب منه  قطعان المستوطنين.

 يقول أستاذ التاريخ علي موقدي: خروبة اسعد والتي كلما مررت بها صباح مساء تجد تحتها الباعة المتعبون يستريحون و ياكلون ، او شباب يتسامرون ، او عائلة ضاقت بها الارض فوجدت فيها متنفسا للصغار ، فهي ترتدي ثوبها الاخضر طوال العام ، محفور على جذعها معاني التاريخ ،سميت باسم زارعها الذي كان يرتدي الثوب الفلسطيني الديماية والحطة والعقال ، هذا الفلاح الذي  حفر تلك التلال من حولها  وزرعها باشجار الزيتون وسنسلها ،وكان المارة ياكلون تين ( اخدود الارمل) تلك الشجرة المميزة التي كانت تقيم بجانب نفس الخروبة ،كل من مر بتلك الطريق كان يراه تحت نفس الخروبة  يحرث الارض ويزرعها ، حيث كان الحاج اسعد طبيب البلده فاذا ما كسر شخص قام بتجبيره بمواد طبيعيه ( الطب العربي البديل) .

وتم الحديث عن تلك الخروبة وما تحمل في ذكريات المغتربين من ابناء الزاوية وهذا يظهر في  الشعر الزجلي للاستاذ سمير فارس ابن بلدة الزاوية:

خروبة أسعد في الواد ... بتحكي تاريخ الأيام

شو لعبوا بـفـيّـا الولاد ... ياما مْسافر تحتا نام

بضيوفا شو مسرورة ... للمارق تاخذ صورة

وبعدا بنـت زغيـورة ... مين بيعرف عمرا كام

بير المـيّـه مباريهـا ... كل ما عطشت بسقيها

طول العمْر مسليها ... بحق الجيرة مَ بيـنـلام

في الصيف وفي الشتوية .. بتعمل مثل الشمسية

يا طيـْـر لْ في البـريــة ... مـنّي وصِّـلا ســلام

"شجـــرة السدرة" في كفل حارس

هي من المعالم المعروفة في كفل حارس ،بلد المقامات والقامات ، الى جانبها يقع البريد وبلدية كفل حارس والنادي الرياضي وتبعد مسافة مئة متر تقريبا الى الغرب من مقام يوشع بن نون

وفي مقابلة يقول علي القاق: كانت تشكل ديوان صيفي نهاري لابناء القرية ، فمن محيطها كانت تنطلق زفة العريس والسحجة الشعبية ، وكان القندرجي ينصب عدته تحتها في الخمسينات والستينات وكذلك مبيضي النحاس والطناجر واصحاب الالعاب الشعبية ومن يمتازون بخفة اليد ، وكانت بمثابة مضافةً للآباء والأجداد يلعبون تحت ظلّها لعبتَهم الشعبية المعروفة بلعبة "السيجة" والتي لا زالت تمارس حتى اليوم في المحافظة، وتحت السدرة التامت الجاهات وحدثت الصلحات وجرت مفاوضات وتمت زيجات واستقبل اهالي القرية وفودا وفي محيطها ربط الفرسان الاتراك والبريطانيون خيولهم لتستريح واستراح في ظلها الثوار والمجاهدون.

يبلغ محيط جذعها من الاسفل ما يزيدعن 4 م وقد تفرعت في كل الاتجاهات لتغطي مساحة تقترب من اربعمائة متر مربع، في حين تعرضت في الستينات الى اهمال وفقدت وظيفتها الاجتماعية ، ولكن تم ترميم المكان وتنظيفه ، ويقدر الاهالي عمرها بالفي عام تقريبا وهذا ما ورد في كتاب بلادنا فلسطين للدباغ  ، وحسب تحليل لعينة من غصن الشجرة قامت به جامعة النجاح الوطنية عام 2004 يقدر عمرها ب 1150 سنة.

وقد تغنى بها وكتب المرحوم صدقي احمد جبر قائلا:

يا سدة زامنت من دهرنا دولا          زالوا ولم ياخذو ا جاها واموالا

كانت تظلنا صفا وتجمعنا           على المودة اباء وانجالا

يا سدرة بسقت تعلو بافرعها         وبكفل حارس ازمانا واطولا

لك المحاسن عمت اهل قريتنا      لو انصفوك لصاغوا عنك تمثالا

عاصرت اجيال منهم طال مرقدهم     بيوتهم اضحت بالدهر اطلالا

كانوا اذا اشتد حر في بيادرهم        يوم الحصاد يلاقوا منك اطلالا

"شجرة الكينا" في كفر الديك

الكافور و البان و تسمانيا و الكالتوس كلها مسميات لشجره الكينا و هو جنس من الأشجار يسمى باللاتينية”  “ Eucalyptus و ينتمي للفصيلة الآسيّة، وهي شجره معمره دائمه الخضره ، تنتشر في معظم ارجاء الكره الارضيه،وموطنها الاصلي استراليا.


شجره الكينا في كفرالديك(Land mark)  وهي معلم طبيعي وتعتبر بوابه كفرالديك حيث  تقف بثبات وصمود على الطريق الرابط بين ديبلوط كفرالديك بروقين ، تلك الشجرة الصامدة، الصابرة، التي لا تحتاج إلى عناية ورعاية، بل تعتني بنفسها، وترعى ظروفه.

ويذكر كرم عزت لنا قائلا: بأنه تم زراعتها في نهايه الخمسينات، احضرها شتله صغيره من معهد خضوري عن طريق وزاره الزراعه الاردنيه، معلم الزراعه في مدرسه كفر الديك الاعداديه نبيه عبد الحميد ابراهيم ، وقام بزراعتها حسن العثمان ، وقام برعياتها الجيران الحج اسماعيل والحاج طاهر المصطفى، وكان يهتم بها بين الفينه والاخرى قائد كتيبه الحرس الوطني في كفرالديك شيحان عياط ، من خلال سياره نقل الماء للكتيبه ، التي كانت تنقل الماء من عين المطوي .

هي شجره ذات ساق منتصبه ، بقشره ناعمه الملمس ، واوراق خضراء اللون ، رمحيه الشكل متدليه وازهارها بيضاء ريشيه ، وثمارها على شكل حبيبه كبسوليه صغيره،تتربع على مدخل كفرالديك ، لتشكل البوابه الطبيعية الاجمل، والمعلم الثابت ،سهل الوصول ، درجات الحراره مرتفعه في الصيف ، الى ان تستظل بظلها ، يتحرك الهواء ، وتهب نسمات البحر من الغرب لتحرك الاوراق بهدوء ، وتنعش المكان ، الذي تلتف من حوله زفه العرسان ، وتنتظر تحته سيارات الجاهات عندما تذهب الى كفرالديك في مناسبات الافراح والاتراح.

تنظر اليها وترى عيون اهل كفرالديك راحلة هناك ، إلى ظهر صبح ودير سمعان ، آذانهم تشرئب كل صباح تستطيب التنصت لشدو البلابل والحساسين على شجره الكينا ، عقولهم شاردة مشغولة بذرات تراب الأرض، إنها الأرض التي جبلت بدمائهم، دماء أبائهم وأجدادهم ، جبلت بعرقهم بتعبهم وجهدهم،علها تعانق محراثا خشبيا أكل منه الدهر ،وما زال هناك ، أفئدتهم تحن لصياح ذلك الديك الذي كان يصحو على صوته كل اهل البلده  وقت آذان فجر كل صباح ، دموعهم نازفة تحرق تجاعيد وجوههم شوقا ورقة وألما ، تلعن بشراسة كل من تسبب بقلعهم قهرا وقسرا ، ظلما وما زال، ليزرع المستوطنات على قمم الجبال والتلال في كفرالديك.

في حين ستبقى هذه الأشجار كلها، شامخة تعانق عنان السماء، شاهدة على الذل والضعف والهوان، شاهدة سرقة الارض وانذارات الهدم للبيوت والأحلام، يرفع آذان الفجر وآذان العشاء، وأوراق شجرها تتمايل مع هبات النسائم راجية رب العباد، أن يبعد عنها هؤلاء الغرباء النزلاء المحتلين، كما ان شيوخ بلدات وقرى سلفيت لا زالوا يرددون حكايات بلداتهم لأحفادهم ، يحدثونهم عن حاراتها، عن البطولات ومواقف الشجاعه، عن ذرات تراب الأرض، أكفهم مرفوعة نحو السماء تستجدي عطف الإله، تتضرع إليه صباح مساء كأنها تقول "حافظوا على تراب هذه الارض" على أشجارها وأوراق أغصانها، سلموا لنا على زيتونها المعمر و شهدائها الابرار الذين سقوا بدمائهم ثراها، على هوائها ونسيمها، سلموا لنا على منازلها العتيقة، على أحجار بيوتها التي حملناها على أكتافنا على ظهورنا وستبقى الأيام متداولة بين الناس والعاقبة لأصحاب الارض.