نتنياهو والأردن قصة صراع طويل
تاريخ النشر : 2020-07-20
نتنياهو والأردن قصة صراع طويل


بقلم : عبد الله عيسى
رئيس التحرير

في عام 1997وأثناء حكومة نتنياهو الأولى، اجتمع رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو مع رؤساء الأجهزة الأمنية الشاباك والموساد والاستخبارات العسكرية، وطلب منهم تنفيذ عملية اغتيال لأحد قادة حماس، فرفضوا ذلك، واعترضوا قائلين ليس جاهزين لهذه العملية ولكنه ألح عليهم للموافقة، وقال لهم دعوني استعرض معكم قادة حماس، فعرضوا عليه قائمة بالأسماء، وكان أولهم خالد مشعل رئيس الحركة، فوضع أصبعه على اسم خالد مشعل وقال لهم: هذا ضالتي، هذا الذي أريد اغتياله، وأمام إلحاحه، قبلوا بالعمل على قتل خالد مشعل، فوجدوا أنه يتردد على الأردن، فقرروا العملية هناك، وأرسل الموساد اثنين من ضباطه، يحملون جهازاً به سم قاتل، واعترضوه بعمان، وتمكنوا من حقن السم في رقبة خالد مشعل، وكان حسب تقديرات الموساد، يفترض أن يموت خالد مشعل بهذه العملية، ولكن يقظة أجهزة الأمن الأردنية، وخاصة المخابرات العامة بعد إرادة الله، حالت دون موته، وتنبه الأمن الأردني للعملية، وقام باعتقال ضابطي الموساد، وأثناء التحقيق معهم، خاصة أنهما يحملان الجنسية الكندية، أي جوازات سفر كندية مزورة، فدخل الضابط الأردني عليهما أثناء التحقيق، وقال لهما: "الآن سوف نقوم بتصويركما بالفيديو، وسوف نبث صوركما على كافة وكالات الأنباء بالعالم، إن لم تعترفوا بجريمتكما، وبعد بث صوركما سوف يقوم الموساد بطردكم من الخدمة، وستعملان كبائعين متجولين بقية حياتكما، فانهار ضابطي الموساد، واعترفا بكل شيء، وتم تسجيل اعترافهما بالفيديو". 

ورفع التسجيل إلى الملك الحسين بن طلال، الذي استشاط غضبا من فعلة إسرائيل، بأن تتجرأ بمثل هذه العملية على الأراضي الأردنية، وانتدب شقيقه الأمير الحسن بن طلال، ولى العهد وأرسله حاملاً الفيديو إلى الرئيس الأمريكي كلينتون، الذي غضب بدوره غضباً شديداً، واتصل بنتنياهو، وقال له اعترافات ضباطك الذين أرسلتهم إلى الأردن لقتل خالد مشعل لدي الآن، وعليك أن تبادر بالاستجابة لطلبات الأردن فوراً دون نقاش؛ لأن ما فعلته سيؤثر على الاستقرار والأمن بالمنطقة.

فرضخ نتنياهو وفوراً واستجاب لطلبات الأردن أولاً: إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين من السجون الإسرائيلية، وإطلاق سراح خمسين أسيراً فلسطينياً من السجون الإسرائيلية وإعطاء الأردن المعادلة الكيمائية، التي حقن بها خالد مشعل، وإعطاء مضاد للسم. 

استجاب نتنياهو على الفور، ولبى الطلبات الأردنية، وبنفس الوقت أصدرت حماس بيانات تهدد فيها إسرائيل بعمليات مزلزلة، واستمر غضب الملك حسين، وقرر منع نتنياهو من دخول الأردن سواء كزيارة أو ترانزيت، واستمر هذا الحظر سنوات طويلة.

ويبدو أن نتنياهو، وبعد تغير الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وقدوم الرئيس ترامب، وتحيزه الكامل لإسرائيل، قد شجع نتنياهو على أن يقدم على لعبة خطيرة مع الأردن بضم الأغوار، ونسي أن اتفاق وادي عربة، يحظى بمساندة دولية كاملة، وأن إقدام نتنياهو على هذه الخطوة الجنونية، سيؤدي إلى وقوف العالم كله بوجه إسرائيل بكل المحافل الدولية، مما سيؤدي إلى طرح إسرائيل كنظام عنصري، مثل نظام جنوب أفريقيا السابق، مما سيؤدى إلى انهيار إسرائيل بالكامل.

فالعالم ليس مزرعة لنتنياهو، وهنا دول قادرة على اتخاذ مواقف شديدة جداً، وأبسط هذه الدول الكويت، ففي حرب الخليج وبعد احتلال صدام للكويت، ثار غضب الكويتيين، وتوقعت إسرائيل أن ترتمي الكويت في أحضان إسرائيل، وسمع الإسرائيليون كلاماً ليناً من بعض الكويتيين، وما إن استعادت الكويت بلادهم واستقلالهم، حتى عادت إلى أحضان الأمة الإسلامية والعربية، ومن أكثر الدول الخليجية عداء لإسرائيل، والكويت قادرة على تمويل الأردن وتمويل أي سلاح تحتاجه من روسيا، وبالتالي فإن نتنياهو سيخلق لنفسه عدواً جديداً هو الأردن مقابل بعض كليو مترات من الأغوار، أي أنها صفقة خاسرة جداً، يجرها للشعب الإسرائيلي، ويظن بموجب علاقاته مع بعض الدول الخليجية مثل البحرين وسلطنة عمان، أن يكون بذلك قد أغلق الطريق على دعم المقاومة العربية، ولكن الكويت موجودة، وخير سند للقضية الفلسطينية والقضايا العربية.

ومن هنا أعتقد أن تصريح الملك عبد الله الثاني في ألمانيا، عندما قال: إن المنطقة مقبلة على أحداث جسام، يعني ما يقوله، ويدرك تماماً أين يقف هو وأين يقف نتنياهو، وأن نتنياهو يقف على أرضية هشة بكافة المجالات، وحتى إن مستشاري نتنياهو الذين قالوا إن دبابتين إسرائيليتين قادرتين على احتلال الأردن هو مجرد وهم وتضليل للرأي العام الإسرائيلي ولنتنياهو، ويدفعونه نحو الهاوية، وأن هذه المرة لا يتهدد حكومة، بل وجود دولة إسرائيل.

فالأردن ليست بلداً معزولاً بالعالم، وإنما تحظى بتأييد العالم كله، ولديها تأييد شعبي منقطع النظير، ولو أطلق الأردن العنان لما عنده من فصائل المقاومة؛ لفتح بوابة جهنم على إسرائيل، والأردن لديها من السلاح الحديث، ما يكفى لحماية اجوائها وأراضيها، وهذا الشعب الإسرائيلي، عليه أن يختار بين جنون نتنياهو وتهوره، وبين دولة إسرائيل أن تعيش مسالمة مع جيرانها.