من وحي الأذان في زمن الوباء
تاريخ النشر : 2020-04-09
من وحي الأذان في زمن الوباء


من وحي الأذان في زمن الوباء

بقلم د. وليد القططي

كانتْ نبرةُ صوتِ المؤذنِ طوالَ الوقتِ لا تُثيرُ انتباهي، حتى أغلقتْ المساجدُ أبوابَها أمامَ المُصلين في زمنِ الوباءِ، ومنذُ ذلكَ الوقتِ بدأتُ انتبهُ إلى ما تحملهُ نبرةُ صوتِ المؤذنِ من مضمونٍ عاطفي، لا سيما في أذانِ الفجرِ، فلاحظتُ أنَّ صوتَ الأذانِ تكسوهُ نبرةُ حُزنٍ، يُضفي الليلُ عليهِ من هدوئهِ شجاً، ومن ظُلمتهِ شجناً، ومن وحشتهِ لوعةً. ولم أدرِ إنْ كانتْ نبرةُ الحُزنِ في صوتِ الأذانِ حقيقةً موضوعية في صوت المؤذن الحزين، أمْ كانتْ شعوراً ذاتياً نابعاً من إسقاط حُزنِ كاتبِ هذهِ السطورِ على صوتِ المؤذنِ. وسواءً أكانَ الحُزنُ في صوتِ الأذانِ حقيقةً موضوعية أمْ عاطفةً ذاتية، فلا شكَّ أنَّ مشاعرَ الحُزنِ على إغلاقِ المساجدِ قد أصابتْ كلَ مسلمٍ في شتى بقاعِ الأرضِ، وهكذا لا تُدرك قيمةَ الأشياءِ إلاّ بعدَ فقدانِها، ولا قيمةَ الأشخاصِ إلاّ بعدَ خسارتِهم.

وللتأكدِ منْ هذهِ الحقيقة ليرجعَ كلُ واحدٍ منّا بشريط ذاكرته وذكرياته إلى الوراء، ثمَّ ليثبتَ الصورةَ على مشهدِ خسارة عزيز حبيب كأمه وأبيه، أو أخته وأخيه، أو صديقه وصاحبه... فلمْ يعرفْ قيمتهُ إلاّ بعدَ أن خسرهُ وافتقدهُ، إنْ كانَ فقدناه طوعاً عندما نتركهُ ونرحل، أو كُرهاً عندما يتركُنا ويرحل، أو لا مبالاةً عندما نتركهُ يرحل. وفيْ كلِ الأحوالِ ربما لم ندركْ قيمتهُ قبلَ الرحيلِ بسبب قُربنا الشديد منهُ، وتعوّدنا المديد عليه، فصارَ القربُ والبُعد مثلين في خلقِ جفاء المشاعرِ وجفاف العواطفِ، وفي إطفاءِ نار الشوقِ وشعلة الحبِ، وفي إماتةِ روح الودِ وحياة الوجدِ. وهكذا العلاقةُ بينَ الإنسانِ والأشياءِ لا يُعرفُ قيمتها إلاّ بعدَ فقدانها، كالوطنِ عندما نُهاجرُ منهُ، وكالبيتِ عندما نرحلُ عنهُ؛ ذلك بأن الأشياءَ عندما ترتبطُ بذواتنا لم تعدْ مجردَ أشياء، بل تُمسي جزءاً من الذات والهوية، وتمتزج بنفوسنا وأرواحنا... ألا يكونُ ذلكَ هو ما حدثَ بيننا كأشخاص وبينَ مساجدنا كأشياء، فأسقطنا على صوتِ الأذانِ حزننا وحنيننا.

وإذا كانَ الحزنُ والحنينُ قد طبعَ نبرةَ صوتِ الفجر وكلَ أذان، فإنّ للأذان وظائف عديدة لا زالَ يؤديها للأمةِ الإسلامية جمعاء، كالتأكيد على وحدتها وهويتها وتميزها، ويؤديها لأفراد الأمة، وما انفكَ صوتُ الأذانِ يصدحُ في السماءِ مُذّكراً كلَ ضال، ومُبصّراً كلَ حائر، ومُفرّحاً كلَ محزون، ومُبشّراً كلَ يائس، ومؤمّناً كلَ خائف، ومستنهِضاً كلَ متخاذل، ومُخوِّفاً كلَ طاغٍ... فكم من ضالٍ نفثَ الشيطانُ في قلبهِ حبَ الرذيلةِ وكُرهَ الفضيلةِ، فسوّلتْ لهُ نفسهُ عملَ السوءِ والفحشاءِ، فهمَّ بالخطيئةِ ليجترحها، لولا أن رأى برهانَ ربهِ في صوتِ الأذانِ مُذكّراً ومُنبّهاً، فقذفَ في قلبهِ حُبَّ الفضيلةِ وكُرهَ الرذيلةِ، فأمسكَ عن الخطيئة، فصرفَ اللهُ عنهُ السوءَ والفحشاءَ، فأصبحَ بعدَ الأذانِ من الذينَ آمنوا وزادَهمْ اللهُ هدى.

وكم من حائرٍ مسّهُ طائفٌ من الشيطانِ، فألقى في عقلهِ الشكَ والريبَ، فيسّرتْ لهُ نفسهُ الجهالةَ والضلالةَ، فوقف على شفا جُرفٍ هارٍ من نارِ جهنم، فهمَّ بالسقوطِ في هاويةِ الإلحادِ والكفرِ، لولا أن رأى برهانَ ربهِ في صوتِ الأذانِ مُبصّراً وهادياً، فآمنَ بالله ورسوله، فبصرَ النورَ في آياتِ الأفاق، واستبصرَ الحقَ في آياتِ الأنفس، فأزالَ اللهُ عنهُ غطاءَ الجهالةِ والضلالةِ، وكشفَ لهُ أسرارَ الحكمةِ والهدايةِ، فأصبح بصُرهُ وبصيرتهُ بعدَ الأذانِ حديد. وكم من محزونٍ طرحَ الشيطانُ في قلبهِ الحَزَنَ والحُزْنَ، وأُشربتْ نفسهُ البؤسَ والتعسَ، فهمَّ بالسأمِ الضجرِ، لولا أن رأى برهانَ ربهِ في ضوتِ الأذانِ مُفرّحاً ومبهجاً، فعِلمَ أنَّ مع الحُزنِ فرحاً، ومع العُسرِ يُسراً، ومع الضيقِ سعةً، ومع الكربِ فرجاً... ففقهَ أنَّ المؤمنَ يفرحُ بفضل اللهِ ورحمته، فانقلبَ بعدَ الأذانِ بنعمةٍ من اللهِ وفرحٍ لم يمسسهُ حُزن.

وكم من مكروبٍ زرعَ الشيطانُ في نفسهِ اليأسَ والقنوط، فطوّعتْ لهُ نفسُهُ قتلَ نفسِهِ، فهمَّ بإلقاءِ نفسهِ في تهلُكةِ الانتحار، لولا أن رأى برهانَ ربهِ في صوتِ الأذانِ مُبشّراً ومؤمّلاً، فأيقنَ أنهُ لا ييأسُ من روحِ اللهِ إلاّ الكافرون، ولا يقنطُ من رحمةِ ربهِ إلاّ الضالون، فسرتْ في نفسهِ بُشرى الأملِ وروحُ الرجاء، فأحجمَ عن الانتحار، فأصبحَ بعدَ الأذانِ من المستبشرين. وكم من خائفٍ أصابَهُ الشيطانُ بنُصبٍ وعذاب، فألبسهُ لباسَ الذعرِ والفزعِ، وأسلمتهُ نفسهُ لأوهامِ الخوف والرُهاب، فهمَّ بالولوجِ في متاهةِ الشرودِ والذهول، لولا أن رأى برهانَ ربهِ في صوتِ الأذانِ مؤمّناً ومطمئناً، وتبينَّ لهُ أنَّ اللهَ قدْ وهبَ أمنهُ للذينَ آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، ومنح طمأنينتهُ للذين آمنوا وذكروا الله، وأنزلَ سكينتهُ على الذينَ آمنوا وجاهدوا فيه، فأصبحَ بعدَ الأذانِ من الآمنين المطمئنين.

وكم من مُتخاذلٍ زيّنَ لهُ الشيطانُ سوءَ تخاذلهِ فرآهُ بطولةً، وهوّنتْ لهُ نفسهُ تركَ الجهادِ وهجَر الثورةِ، فهمَّ بالإخلاد إلى الأرض، والركون إلى الذين ظلموا، فكادتْ أنْ تمسَهُ نارُ المذلةِ والمهانةِ، لولا أن رأى برهانَ ربهِ في صوتِ الأذان مستنهِضاً وموقِظاً، فأدركَ أنهُ ما أطالَ الجبنُ عُمراً، ولا قصّرتْ بالأعمارِ شجاعةُ الثوارِ الأحرار، ووعىَ أنهُ ما تركَ قومٌ الجهادَ وهجروا الثورةَ إلاّ أذلهمْ أعدائهمْ، وما تمسّك قومٌ بالجهادِ وتشبثوا بالثورةِ إلاّ أعزهمْ اللهُ، فأصبحَ بعدَ الأذانِ من المقاومين الثائرين. وكم من طاغٍ وسوسَ لهُ الشيطانُ ليبديَ له ما ووري عنهُ من سوءة نفسهِ الأمّارةُ بالاستعلاءِ والخُيلاءِ، فخيلت لهُ نفسهُ أنهُ قادرٌ على من يملكُ زمامَ أمرهم من الناس، فهمَّ بالبطشِ بهم، لولا أن رأى برهانَ ربهِ في صوتِ الأذانِ مُخوّفاً ومُنذراً، ففطنَ أنَّ اللهَ أكبرُ بقدرتهِ عليه من قدرتهِ على الناسِ، فارعوى وتراجع عن البطشِ بهم، فأصبحَ بعدَ الأذانِ من القاسطين.

ونختم بما انشدَهُ أميرُ الشعراءِ أحمد شوقي حُزناً على حالِ المسجدِ الأموي بعدَ سقوطِ دمشق وسوريا في قبضةِ الاحتلال الفرنسي مطلعَ القرنِ العشرين، فصوّرَ بشعرهِ المسجدَ الأموي الحزين، في صورةٍ مُشابهة لحُزنِ المسجدِ الأقصى الأسير تحت حراب الصهاينة، وبعدَ الوباءِ كحزنِ مساجدنا وهيَ تبكي حالها بعدَ إغلاقها وخلوها من عُمّارها المصلين.

مـــررتُ بالمسجــدِ المحـــزونِ أسألـــهُ     * * *    هـلْ فــي المُصلّى أو المحــراب مــــروانُ

تغيـــرَّ المسجـــــدُ المحـــزونُ واختلفتْ     * * *    علــــى المنــــابــــرِ أحـــــرارٌ وعـــبـــدانُ

فــــلا الأذانُ أذانٌ فـــــــي منــــارتـــــهِ     * * *     إذا  تــــعــــالــــــــــى ولا  الأذانُ   أذانُ

وحتماً سيزولُ الوباءُ، فتفتحُ المساجدُ أبوابها، فيعودُ للمساجدِ عمّارها، ولأصواتِ الأذانِ أفراحها، يومئذٍ يفرحُ المؤمنون، بانتظارِ الفرح الكبير بتحرير المسجد الأقصى والقدس وفلسطين، "وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".