الشرعية الدولية.. رؤية مختلفة
تاريخ النشر : 2020-04-05
الشرعية الدولية.. رؤية مختلفة


الشرعية الدولية.. رؤية مختلفة

بقلم د. وليد القططي

قالت وزارة الخارجية الفلسطينية في بيان لها مؤخراً في غمرة انشغال العالم بوباء كورونا قالت "يستغل الاحتلال الانشغال الفلسطيني والاقليمي والدولي في هموم ومخاطر تفشي وباء كورونا... فتصّعد قوات الاحتلال ومليشيات المستوطنين وعصاباتهم المسلحة اعتداءاتها على الفلسطينيين وأرضهم وممتلكاتهم... وهو إمعان في التمرد على الشرعية الدولية وقراراتها وعلى القانون الدولي ومبادئ حقوق الانسان". وهل كانت الخارجية الفلسطينية تتوقع تغير الاحتلال بسبب وباء كورونا؟!، والحقيقة أن الاحتلال سيظل هو نفس الاحتلال بإرهابه وبطشه، كما أن السلطة ستظل هي نفس السلطة بفكرها السياسي وتنسيقها الأمني، وستُظل تُراهن على (الشرعية الدولية) منطلقة من فكر سياسي مبني على أسس خاطئة، ولتوضيح ذلك من المفيد أن نستعرض مفهوم الشرعية الدولية برؤية مختلفة عن رؤية السلطة، وهذا يتطلب العودة إلى البداية.

مفهوم الشرعية في العلوم الاجتماعية والسياسية انها صفة أي نظام مؤسس على مرتكزات قانونية وأخلاقية وقيمية، فينعقد حولها إجماع مجموعة معينة أو غالبية أفرادها، وهي صفة لكل التصرفات التي تكون مطابقة للقانون على مستوى الدولة الواحدة. أما مفهوم الشرعية الدولية فهي الالتزام بمجموعة المبادئ والقوانين والقرارات التي تحكم وتوّجه العلاقات الدولية من خلال هيئة الأمم المتحدة، ربما تُصدرها هيئاتها المختلفة الرامية إلى حفظ الأمن والسلام الدوليين، وإنماء العلاقات الودية بين الأمم، وتحقيق التعاون الدولي، واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة، والمساواة بين بني البشر، والعدالة الدولية... وفي هذه الفلسفة تكمن أزمة الشرعية الدولية، فهي ليست تجسيداً لفلسفتها الإنسانية وميثاقها الأخلاقي وعدالتها الدولية؛ بل كانت ولا زالت تجسيداً لموازين القوى الدولية المنتصرة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومن ثم الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، وتتجلّى هذه الأزمة بوضوح في تعامل الشرعية الدولية مع القضية الفلسطينية. 

بعد الحرب العالمية الأولى فرض المنتصرون إرادتهم على المهزومين وأنشأوا (عصبة الأمم) كإطار عالمي للشرعية الدولية، وكانت (بريطانيا العُظمى) في مقدمة المنتصرين فأدخلت (وعد بلفور) في بنود (صك الانتداب) فتحوّل من وعد بريطاني للحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين إلى وعد دولي اكتسب صفة الشرعية الدولية المفروضة بأيدي المنتصرين الظالمة. وبعد الحرب العالمية الثانية فرض المنتصرون الشرعية الدولية الخاصة بهم من خلال (الأمم المتحدة) وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا؛ فأصدروا (قرار التقسيم)، الذي ينص على تقسيم فلسطين بين سكانها الأصليين والغزاة المغتصبين لأرضها، وجاء بعد صك الانتداب وقرار التقسيم قرار الأمم المتحدة بقبول (إسرائيل) دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة كتجسيد للشرعية الدولية التي سُخِرّت لخدمة المشروع الصهيوني منذ ولادته وحتى إقامة دولته، فرعت المشروع الصهيوني منذ أن كان حُلماً بعيد المنال في أذهان قادة الحركة الصهيونية، حتى أصبح حقيقة واقعية تتمتع بـ (الشرعية الدولية). 

أما قرارات (الشرعية الدولية) التي جاءت نصوصها لصالح القضية الفلسطينية، فقد كانت لإصلاح جزء من الخلل الذي أحدثته قراراتها التي ساهمت في إلحاق الظلم التاريخي بالشعب الفلسطيني، وكانت  في إطار الحرب الباردة وحفظ التوازن بين المعسكرين الغربي والشرقي، وظلت حبراً على ورق لم تستعد الحق الفلسطيني أو أي جزء منه، وأهم هذه القرارات: قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هُجّروا منها في النكبة، وقرار انسحاب (إسرائيل) من الأراضي التي احتلتها في النكسة، وسلسلة القرارات الأخرى منها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وعدم شرعية الاحتلال والاستيطان، ورفض حلم القدس الشرقية للكيان... وجميعها قرارات لم تُطبق بخلاف القرارات التي خدمت المشروع الصهوني فجميعها طُبقت. وقد لعبت هذه القرارات دوراً مهماً في استدراج  منظمة التحرير الفلسطينية إلى الوقوع في كمين (الشرعية الدولية) والتخلّي عن الخطاب الثوري المستند إلى الشرعية الطبيعية والتاريخية والدينية في المطالبة بالحقوق الوطنية الفلسطينية، والارتكاز على الشرعية الثورية في مقاومة الاحتلال والنضال الوطني للعودة إلى الوطن السليب. 

استدراج الثورة الفلسطينية للقبول بـ (الشرعية الدولية)، أدى إلى القبول بفكرة تقاسم فلسطين بين أصحاب الأرض ومغتصبيها، ومحورها تقسيم فلسطين إلى دولتين لشعبين، وقد استمر الانحراف في الفكر السياسي الفلسطيني للمنظمة يسير في زاوية منفرجة حتى وصل إلى نقطة التحوّل في تبني البرنامج المرحلي المعروف بالنقاط العشر عام 1974، الذي حط رحاله بعد عشرين عاماً تقريباً في اتفاقية أوسلو، وإقامة سلطة فلسطينية تحت الاحتلال، وليست دولة إلى جانب الاحتلال، حتى إذا ما مر ربع قرن آخر من تاريخ الشعب الفلسطيني الذي هُدر عبثاً بحثاً عن شرعية دولية ظالمة وعاجزة، جاءت (صفقة القرن) كخطة أمريكية – إسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية، والتخلّص من ما تبقى من (الشرعية الدولية) والانقلاب عليها بعد ما انتهى دورها وأدت وظيفتها في ترويض العرب وتدجين الثوار فكان الاعتراف بقرارات ( الشرعية الدولية) مجرد فخ نُصب للفلسطينيين لاستدراجهم لتتخلي عن معظم حقوقهم الوطنية. 

بناء على هذه الرؤية لمفهوم الشرعية الدولية، يمكن القول أنها جاءت ترجمة لموازين قوى دولية ظالمة ومنحازة للمشروع الصهيوني، ومساهمة في إنشاء دولته (إسرائيل)، ومانحة الشرعية لها بحماية القوى الكبرى وغطاء القانون الدولي، وبعد ذلك جاءت قراراتها المؤيدة جزئياً للحقوق الفلسطينية، بدون قيمة عملية أو تطبيق فعلي؛ لانعدام الارادة الدولية لإنصاف الشعب الفلسطيني وإعادة حقوقه المسلوبة، حتى إذا ما انتهت إدارة الصراع وفق الاستراتيجية الأمريكية- الإسرائيلية، بدأت مرحلة إنهاء الصراع بضربة صفقة القرن التي انقلبت علي الشرعية الدولية من أساسها بعد ان استنفذت أغراضها في خدمة المشروع الصهيوني والكيان الصهيوني، واستُبدلت باستراتيجية شرعية الأمر الواقع المفروض إسرائيلياً بدعم القوة الأمريكية. 

أخيراً إذا كان المشروع الوطني بالحد الأدنى الهادف إلى إقامة دولة في الضفة والقطاع قد فشل، وإذا كانت (الشرعية الدولية) التي استند إليها هذا المشروع قد انتهى بها المطاف إلى صفقة القرن بدون شرعية دولية فإن العودة إلى المشروع الوطني بحده الأقصى الهادف إلى تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر هو الأكثر واقعية، وبالتالي العودة من مفهوم الشرعية الدولية القائمة على فكرة تقسيم فلسطين إلى مفهوم الشرعية الثورية المستندة إلى الحقوق الطبيعية والتاريخية والدينية والقومية والوطنية في تحرير كامل الأرض الفلسطينية، وإن كان لا بد من (الشرعية الدولية) فلتكن شرعية حقيقية قائمة على العدل، ومستندة على القانون الدولي، المؤيد لحقوق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وحق سكان الأراضي المحتلة في الثورة على المُحتل، وحق الدفاع عن النفس، وحق تقرير المصير، ورفض احتلال أراضي الغير بالقوة.