جعجع "ينتقم" والعونيّون لقائد الجيش: تصرَّف وإلّا
تاريخ النشر : 2019-10-23
جعجع "ينتقم" والعونيّون لقائد الجيش: تصرَّف وإلّا


أكثرُ من نقطةٍ ساخنةٍ اختبَر فيها الجيش اللبناني، مع انفلاشِ ايّامِ الانتفاضةِ، مواجهات ساخنة تتساوى في خطورتها مع خطوطِ التماسِ في مواجهةِ اسرائيل والمجموعات الارهابية ومهامِ الجيش الصعبة في الداخل وعلى الحدود.

لكن القرار المُتَّخذ مؤخرًا من قبل قيادة الجيش بفتحِ الطرق ومحاذرة الاصطدام مع الشّارعِ وتأمين أمنِ المتظاهرين لا يزال يحيّد الجيش عن "لغم" التصادم مع الأرض.

قرارٌ مغطَّى سياسيًّا حتى الآن، لكن بالتأكيد ما حدَثَ منذ ليل الاثنين في نقطة الشفروليه ونقاط أخرى طُبِعَت بالحضور القواتي والكتائبي، خصوصًا في الطرقِ الفرعيّةِ، يعكس جزءًا من "ظواهرٍ شاذّةٍ" أفرزتها "الانتفاضة" منها إعادة الحرب القواتيّة - العونيّة الى الاذهان.

يصعب كثيرًا تجاهل واقع أنّ رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع يحاول على الارض استغلال ما عجز عن فعله بالسياسة: إسقاط ميشال عون بالضربة القاضية.

باكرًا جدًّا شَعر "الحكيم"، أنّه "أكلَ الضرب" يوم أوصَل بيده "الجنرال" الى قصر بعبدا ثمّ جلسَ يعدّ العصي التي تنهال عليه. هذا هو الرأي القواتي الذي قابله دومًا رأيًا عونيًّا بأنّ أوّل من انقلب على "تفاهمِ معراب" هو عون وجبران باسيل.

بالمحصّلةِ، وفي أقصى درجات ضعفه واستخفاف حلفائه به، وجدَ جعجع نفسه أمام شارعٍ منتفضٍ يكاد يختنق وينادي بقبعِ التركيبةِ الحاكمة من "شلوشها"، فقرَّر المعارض من ضمن الحكومة "ركب الموجة" ليس فقط انسجامًا مع جزءٍ من المطالبِ التي كان يرفعها يوم كان الوزراء القواتيّون داخل الحكومة بل لأنّ إزاحة عون تتقدَّم على كلّ الاولويات.

من البترون وشكا والكورة وصولاً الى تقاطع الشفروليه ومرورًا بالذوق وجل الديب لم تكن "القوات" هي قائدةُ التحرِّك طالما أنّ صرخاتَ التمرّدِ على فشلِ السّلطة تطغى على كلّ شئٍ، لكن بالتأكيد تمكَّن جعجع من "التسلّلِ" الى بعض "الجبهاتِ المطلبيّة" فارضًا أجندته خصوصًا في ما يعتبره نقاط نفوذه والشفروليه، جارة عين الرمانة وفرن الشباك، نموذجًا.

قبالة تمثال الرصاص في عين الرمانة، سُمِعَت في الساعات الماضية هتافات غير اعتياديةٍ، "هذه الارض قواتية وهون راح 500 قتيلًا إلنا. ومن هنا نطالب بإسقاطِ رئيس الجمهورية والقضاء على الدويلة".

تمثالُ الرصاصِ هي النقطةُ التي اضطرت الجموع الى قطعِ الطريق فيها صباح الثلاثاء، بمن فيها مجموعات قواتيّة معروفة من أهالي المناطق المجاورة، وذلك بعد إصرار الجيش على فتحِ طريق الشفروليه البعيدة أمتارًا قليلة عنها. فكان "القرار القواتي" طوال يوم أمس بمحاولة الانتقال مجددًا الى الشفروليه وقبول فتحِ مسلكَيْن أمام المارّة لكن الجيش رفض.

الكثير من الوجوهِ القواتيّةِ المعروفةِ التي شاركت في التحرّك، كانت تردِّد عبارة "الجيش لديه أوامر بمواجهتنا. الشفروليه لديها رمزيتها وسنعود اليها. وهي نقطةُ التحركِ الوحيدة في بعبدا، فلماذا قمعنا؟ نحن مش مكسر عصا".

في نقاطٍ عدّةٍ، كان يمكن بسهولةِ رصد مؤيّدين لـ"القوات" بلباسهم الزيتي و"الرينجر". ثمة صور باتت بحوزة الاجهزة الامنية توثق هذا التمدّد مع أجهزة ظاهرة باليد. وثمة شهادات لعسكريين ومدنيين تمّ اعتراضهم من جانبِ "قاطعي الطرق" مشترطين تفحّص بطاقات الهوية للتأكّد من هويتهم قبل السماح لهم بالوصول الى مراكز خدمتهم بما في ذلك وزارة الدفاع.

وفي الوقت الذي كان الجيش ينجح فيه بفتحِ الطريق في عدّة مناطق كان ثمّة إصرار غير مفهوم على الانتقال من تمثال الرصاص الى تقاطع الشفروليه النقطة الأقرب الى القصر الجمهوري والكفيلة بشلِّ الحركة بين المناطق ما يعني ضغطًا متزايدًا على الحكومة ورئيس الجمهورية، في وقتٍ كانت الساحات الكبرى المركزية في وسط بيروت وطرابلس وصور والذوق تحضن المزيد من المتظاهرين.

لكن لحظة "انتقام" جعجع من العهد ورموزه قوبلت عونيًّا بفتحِ جبهتَيْن: الاولى ضدّ رئيس حزب "القوات" والثانية... ضد قائد الجيش!

هكذا وبعد سُبات طوال الايام الاولى للانتفاضة هبّ "العونيون" بوجه "التمدّد القواتي" متّهمين مناصري جعجع بـ "الميليشيات وزعران الحواجز"، فيما يتوجّه النائب زياد اسود الى "مستر سمير" الذي ذكّره "بأوَّل يومٍ التقينا في محاور وخطوط تماس عام 90"، مؤكِّدًا، أنّه "نموذج عن تخريب وتكليف وليس ثورة وحقوق"، ووصل الامر الى حدِّ "تطيير" مديرة الوكالة الوطنية للاعلام لور سليمان وسط أزمة سياسية لا سابق لها منذ 2005.

لكن في مقابل الهجوم العوني المضاد على "أصحاب السوابق وقطاع الطرق"، كما وصفوهم، كان "هواء" الوسائل الاعلامية المحسوبة على التيار الوطني الحر مفتوحًا لمناشدة الجيش للتدخل "وردّ العدوان عنا ولو بالقوة" في ظلّ قرارٍ من قيادة الجيش بفتح الطريق سلميًّا.

وبدت قمة المفارقات، أن تتلقى إذاعة "صوت المدى"، التي يملك وزير الدفاع الياس بو صعب الحصة الأكبر فيها، اتصالات من مواطنين "محصورة" بالتوجه الى الجيش وقيادته لفتح الطرقات "وإلا سنبدأ الشك بالعماد جوزاف عون بأن له أجندته السياسية الخاصة".

ويتساءَل أحد المتصلين "لماذا يتفرَّج قائد الجيش على الزعران فيما عسكره يتعرَّض للاهانات... تصرّف وإلا سننزل بأنفسنا ونفتح الطريق!". كما استقبل "الهواء العوني" اتصالات تبرز فيها دعوات لرئيس الجمهورية "لإقالة قائد الجيش والاتيان بمن يستطيع فتح الطريق". أما المذيعة المكلّفة بإدارة "الهواء" وتلقي الاتصالات، فتردّ "صرخة من القلب نرجو أن يسمعها قائد الجيش"!

والجيش الذي ردَّ "هجوم" الدراجات النارية ليل الاثنين على مناطق الاشرفية ومونو في الوقت الذي تفادى فيه الاحتكاك مع المتظاهرين في كافة المناطق بالتزامن مع الضغط المنضبط لفتح الطرقات، وقف "بالنص" بين ميشال عون وسمير جعجع!

باتت القيادة العسكرية "المحسوبة" في المبدأ على العهد تَحمُل أثقالاً عدّة ليس أقلها منع الفتنة، ولجم التهوّر العوني - القواتي الذي يهدّد بالعودة 30 عامًا الى الوراء، ونزع فتيل أي صدام دموي محتمل على الارض التي شهدت في الساعات الماضية تحرّكًا منظمًا أيضًا باتجاه مصرف لبنان وبروز مطالبات مركزّة باستقالة "الحاكم" ومحاسبته.

ووفق المعلومات، لن تكون قيادة الجيش في واردِ تغيير تكتيكها بالتعاطي الدبلوماسي والحكيم مع المتظاهرين ومع "قاطعي الطرق" واقناعهم بفتحها ما لم يرد الامر السياسي بذلك في ظلّ قناعةٍ أولاً لدى قيادة الجيش أنّ ضبط الامن أولوية، ولدى الرئيس عون بأنّ قطع الطريق بالقوة يجب أن تتمّ مواجهته بالقوة، أما الرئيس سعد الحريري فقد دعا القوى الامنية لتأمين أمن التظاهرات المركزية وليس من يتسبّب بشلّ حركة التنقل ومنع وصول البنزين والمواد الغذائية والفيول الى المستشفيات والافران والمراكز العسكرية والقطاعات الحيوية والمحال التجارية... ومن يتسبّب بدفع الحكومة الى أسوأ الخيارات.

عمليًّا المشكلة الاساسية التي قد يصطدم بها الجيش هي في المناطق المسيحية، تحديدًا القواتية منها، فيما احتمالات التفاوض والحلحلة هي اكبر في المناطق الأخرى.

لكن صدور قرار سياسي بفتح الطرق بالقوة يطرح اكثر من علامةِ استفهامٍ حول تداعياته في ظلّ مناخات سياسية تشي بتصعيدٍ كبيرٍ، كما يفتح المجال أمام تساؤلات حول "صلاحية" سياسة ضبط النفس التي تعتمدها نسبيًّا قوى حزبية اليوم تحديدًا في الشارع الشيعي.