الشعب اللبناني يريد إنهاء الطائفية ونظامها الفاسد
تاريخ النشر : 2019-10-22
الشعب اللبناني يريد إنهاء الطائفية ونظامها الفاسد


الشعب اللبناني يريد إنهاء الطائفية ونظامها الفاسد

مهند عبد الحميد

استمعت خلال الأيام السابقة الى عشرات اللبنانيين واللبنانيات على الهواء مباشرة بالصوت والصورة، هؤلاء كانوا يعبرون صراحة عن حالة الإذلال والقهر والإحباط جراء النهب والسرقة والخنق التي تعرضوا لها حيث اصبحوا بلا كهرباء وخدمات تقريبا، وأصبحت نسبة البطالة أعلى بشكل غير مسبوق، وحال الدواء والعلاج ليس بأحسن.

لا احد ينكر حقيقة ان السواد الأعظم يعيش ضائقة معيشية خانقة، وينطبق عليهم أهم مخرجات التوحش الرأسمالي الذي يتلخص في مقولة الفقراء يزدادون فقرا والأغنياء يزدادون غنى. من يصدق ان لبنان يفتقد الى دفاع مدني لإطفاء الحرائق التي اندلعت مؤخرا.

جراء ذلك، نضبت قدرة اللبنانيين على الاحتمال والصبر، ولم يعد لدى الطبقات الشعبية في بيروت وطرابلس وصور وصيدا والنبطية والبقاع وكل المناطق ما يخسرونه، كذلك لم يعد للطبقة الوسطى في كل المدن ما تخسره، الخسائر الكبيرة قادت الأمور الى الانفجار بمستوى غير مسبوق، في صيغة انتفاضة شعبية عارمة، ضد النظام الطائفي ونخبه المتعفنة والفاسدة، المسؤول وحده عن الأزمة الطاحنة والخراب الذي لحق بوظائف الدولة ومسؤولياتها تجاه شعبها.

خرج مئات آلاف اللبنانيين – بعض المصادر تحدثت عن أكثر من مليون لبناني ولبنانية - وبخاصة الفئات الشابة، خرجوا ليلا ونهارا وطوال الأيام الخمسة الماضية واعتصموا في الميادين والساحات، ليفكوا الارتباط عن النظام الطائفي الفاسد، وقد توحدوا على وصمه بحكم الحرامية واللصوص، نازعين عنه التفويض والشرعية وأي درجة من درجات الثقة. ولأول مرة تمرد اللبنانيون على أحزابهم وطوائفهم وقياداتهم ووضعوهم في موقع الاتهام والمسؤولية (كلّن يعني كلّن) بلا استثناء، هكذا انضافت قيادات وزعماء الأحزاب الى رئيس الجمهورية والحكومة ورئيسها ومجلس النواب ورئيسه كمتهمين جرى نزع التفويض عنهم ودعوا الى محاسبتهم، والى إعادة الأموال المنهوبة.  لأول مرة يتمرد اللبنانيون على سلطات طوائفهم وينتقلون من الهوية الطائفية والعائلية الفئوية الضيقة، الى الهوية الوطنية اللبنانية الجامعة التي تجمع كل اللبنانيين على أساس المواطنة والحقوق المدنية المتساوية.

السؤال المهم الذي طرح نفسه بقوة داخل لبنان وخارجه، هل يمكن استثناء «حزب الله» من الأزمة، ومن المسؤولية عن تفاقم أحوال اللبنانيين؟ أكثرية المنتفضين تعاملوا مع «حزب الله» كجهة مسؤولة عن الأزمة وبخاصة الأصوات الناقدة التي خرجت في صور والنبطية والبقاع فضلا عن بيروت وطرابلس وصيدا والجبل. كما جرى الإصغاء للمنتفضين في رفض الطائفية وإدانة الحكومة والمطالبة بإسقاطها، من المنطقي الإصغاء للتهم الموجهة لـ»حزب الله» من قبل المواطنين اللبنانيين، بعيدا عن مواقف أطراف سياسية وتحديدا جعجع كعنوان للفساد ولعلاقات التبعية، والمطروح إسقاطه قبل غيره من رموز الفساد كما يطالب المنتفضون، ولا ينفعه وينفع غيره محاولاتهم ركوب الموجة ورفع الشعارات واستقالة وزراء في سعيهم المحموم للبقاء في موقع السلطة.

«حزب الله» شريك قوي في الحكومة وفي مجلس النواب وله بصمات قوية على قرار رئيس الجمهورية وله تحالفات مع باسيل جبران وتياره. بهذا المعنى هو في موقع النظام وضمن محاصصته الطائفية. ولكن عندما يقول الشعب كلمته في النظام الطائفي وفي العهد والحكومة وينزع ثقته الكاملة منهم ويدعو الى محاسبتهم، يأتي «حزب الله» ليدافع عن بقاء العهد وبقاء الحكومة وبقاء المحاصصة الطائفية كتحصيل حاصل. انه يذهب الى موقع الحكومة والعهد الغابر ضد التغيير وفي مواجهة الشعب المنتفض. هذا الموقف لم يكن خطأ فنيا او عابرا، بل له مدلولات كبيرة. في مقدمتها ان الحزب يريد الحفاظ على الوضع القائم بذريعة ان البلد سيخرب، علما ان البلد «خربان» والحكومة والعهد هم خربوا ونهبوا البلد وأذلوا شعبه. هؤلاء الآن ومعهم «حزب الله» يتقدمون بورقة إصلاح بعد الخراب. من قال، ان هؤلاء يملكون قدرة على الإصلاح، من قال، ان المتهمين الذين يحاكمون الآن من شعبهم في الشوارع والميادين بتهم النهب والسرقة، هم الذين سيتحولون الى مصلحين عفيفين. هؤلاء بحسب الشعب من المفترض ان يخضعوا للمحاكمة فقط لا غير، وأضعف الإيمان ان يختفوا من المشهد السياسي. من قال، انه لا يوجد بديل لهم من بين اكثر من مليون لبناني يواصلون الليل بالنهار في انتفاضتهم العظيمة، ومن بينهم الكثير من الكفاءات التي تبعث على الثقة، حيث يمكن تشكيل حكومة مدنية غير طائفية مدعومة من انتفاضة شعبية مرشحة لتوحيد كل اللبنانيين. لماذا لا يريد «حزب الله» الخروج من براثن الطائفية التي حولت لبنان من اكثر البلدان العربية تقدما الى اكثر البلدان تأخرا، لماذا لا يريد الخروج من براثن الطائفية التي ساهمت في تفكيك لبنان ودفعت نسبة كبيرة من اللبنانيين الى الهجرة خارج وطنهم؟ لا توجد إلا إجابة واحدة على رفض التغيير الذي يضع لبنان وشعبه في طريق الخلاص من حكم المافيات غير مصالح وأجندة ودور وهوية الحزب التي تأتي الآن في مواجهة السواد الأعظم من اللبنانيين. بدلا من الدور الافتراضي لحزب المقاومة في الانحياز للشعب وللديمقراطية، ينحاز الحزب للنظام وللطائفية وللعهد لأنهم يتوافقون على أجندة واحدة تتناسب مع مصالح ومطامع فئوية وخارجية، ولا يهم إذا ما تناقضت مع مصالح الشعب اللبناني. الموقف السلبي من انتفاضة الشعب اللبناني، يفسر لماذا انحاز «حزب الله» ضد انتفاضة الشعب السوري.

أثناء انتفاضة الشعب السوداني، وأثناء انتفاضة الشعب الجزائري، قالوا، ان الشعبين سيجلبان الفوضى والخراب لبلديهما، وكانت النتيجة عكس ذلك فقد احرز الشعبان إنجازات ديمقراطية شديدة الأهمية. أركان الحكم اللبناني يكررون وضع الخطوط الحمراء والمستحيلات التي تؤبد النظام الطائفي ورموزه، يتحدثون عن الفوضى والخراب وانعدام بدائل للوزراء والزعماء وأبناء العائلات، يتحدثون عن مؤامرة تستهدف «حزب الله» ورئيس الجمهورية، البعض يقول، ان الانتفاضة من تدبير خارجي، كل هذا سمعناه وليس له إلا وظيفة واحدة هي بقاء الحكم الطائفي الفاسد.

الشعب اللبناني الذي استبدل الهوية الطائفية بهوية وطنية لبنانية جامعة، استبدل في الوقت نفسه العنصرية ضد السوريين والفلسطينيين بالانفتاح والدعم والتأييد المتبادلين. ما يؤكد ان المشكلة كل المشكلة في النظام الطائفي ونخبه. اليوم، الشعب اللبناني وبالأمس، الشعب العراقي ومن قبله السوداني والجزائري، وما أحوج نظامنا الفلسطيني للتغيير.
[email protected]