عن انتشار المخدرات في العراق
تاريخ النشر : 2019-10-21
عن انتشار المخدرات في العراق


عن انتشار المخدرات في العراق

عبد الغني سلامة

بعد الاحتلال الأميركي، أخذت أحوال العراق تتدهور في كافة المجالات، حتى وصلت إلى مستويات بالغة الخطورة.. إذ انزلقت البلاد إلى فتنة طائفية غير مسبوقة، وشهدت موجات عنيفة من العمليات الإرهابية، وانتشرت العصابات الإجرامية، فضلا عن استفحال الفقر والبطالة والأمية، وانعدام الأمن، وتدهور القطاعين الصحي والتعليمي، وتفشي الفساد في كافة مرافق ومؤسسات الدولة.. بجملة واحدة: تراجع العراق قرونا إلى الخلف.

ولكن، ومن بين أخطر الظواهر السلبية، والتي هي موضوع المقال؛ انتشار المخدرات.. حيث تزودنا التقارير الشرطية بأرقام مرعبة عن نسبة المتعاطين والمدمنين والمهربين، حتى صار العراق من أهم الساحات لمافيات المخدرات الدولية.

بالنظر إلى كل تلك الظواهر سنجد رابطا خفيا بينها، أو سببا رئيسا وراء ظهورها وتفاقمها؛ وهو طبقة الفاسدين الذين يمسكون خيوط اللعبة كلها، ويتحكمون في كل شيء خفي وظاهر، بالقوة، والبلطجة، والرشاوى.. فمثلا، لا تنشط تجارة وتهريب المخدرات، ما لم يكن وراءها شبكة حماية مقتدرة ومسيطرة. وكذلك الحال فيما يتعلق بالعمليات الإرهابية؛ فالمتتبع لمواقيت وأماكن تنفيذها، سيجد أنها تأتي دائما في سياق موجة من موجات الصراع الداخلي، تنشب في صفوف الفاسدين، على خلفية الصراع على المصالح ومناطق النفوذ. حتى تحولت مدن العراق إلى ساحات دموية تحكمها شريعة الغاب، لكلِّ حزبٍ منطقة نفوذه، ولكل زعيم تجارة فاسدة يديرها. وبالمناسبة هؤلاء جميعا يتركزون في المنطقة الخضراء، ويعقدون صفقاتهم الفاسدة تحت قبة البرلمان، بحماية الدولة، باسم القانون حينا، وباسم الدين والطائفة أحيانا.

لنأخذ مثال المشروبات الكحولية، والتي كانت موجودة منذ تأسيس بغداد، ولم تنقطع يوما، في سنوات السلم والحرب، وفي مراحل الازدهار والانحطاط.. لم تكن سببا لمشكلة ما.. فجأة، صارت هي أسّ المشاكل، فشـنَّ رجال الدين عليها حربا ضروسا، حتى ظن الناسُ أنهم حريصون على الدين، وغيورون على المجتمع، فإذا بالموضوع كله مجرد حلقة من مسلسل الفساد، وأداة تستخدمها جهة فاسدة لتمرير تجارة فاسدة من نوع آخر.

في كبريات مدن العراق، وبالذات في بغداد، ازدهرت ثلاثة أنواع من الأنشطة غير المشروعة في السنوات الأخيرة (الملاهي الليلية، المخدرات، نوادي القمار).. وراء كل نوع من هذه الأنشطة المشبوهة جهة ما، تروج له، وتحميه، وتوفر له التسهيلات اللوجستية، وتجني من ورائه ثروات طائلة. وهناك أيضا تجارة الجنس والاتجار بالبشر.. وهذا موضوع يحتاج دراسة مفصلة.

غني عن القول، أن القوة الكبرى، التي تحمي كل هؤلاء اللصوص والفاسدين، والتي خربت العراق بمعنى الكلمة، هي إيران. وبالتالي كل من يتورط بأي نوع من التهريب أو في المشاريع المشبوهة، لا بد وأن يكون على علاقة ما بإيران.

كان نظام صدام حسين يحكم بالإعدام على كل من يتورط بتهريب المخدرات، لذلك لم تنتشر هذه الظاهرة لعقود طويلة في العراق، ولكن المشروبات الكحولية كانت مباحة، ومن يعتد على الكحول لا يحتاج المخدرات.. بعد انهيار النظام، لم تعد الدولة (بمفهومها الأمني) موجودة، فقامت بعض المليشيات بحرق محلات بيع الكحول، خاصة في البصرة، وقبل سنوات، سـنَّ ممثلو أحزاب الإسلام السياسي في البرلمان العراقي قانونا بتحريم الكحول، وتم إغلاق محلات بيعها في معظم المحافظات. في هذه الأثناء نشط تجار ومهربو المخدرات لتعويض النقص، وكانت تلك المخدرات تأتي من الجارة إيران، ومعلوم من يسيطر على المنافذ الحدودية ومن يدير عمليات الاستيراد والتصدير، جميعهم مسؤولون في الدولة، وقادة ميليشيات، وزعماء أحزاب دينية ممن أطلقوا دعوات تحريم بيع الكحول.. وتربطهم بإيران علاقات قوية.. وهنا يصعب استبعاد الدافع السياسي في إلهاء الشباب وتغييب عقولهم بالهلوسة والمخدرات.

وكشف النائب العراقي "فائق الشيخ"، عن وجود أحزاب دينية (شيعية وسنية، ولديها ميليشيات) تقوم بحماية الملاهي والبارات وصالات القمار (في بغداد وحدها 72 صالة قمار)، وارد صالات القمار اليومي 2 مليون دولار، أحد الأحزاب يحميها مقابل نصف مليون دولار يومياً، أحزاب أخرى تحمي الملاهي الليلية مقابل أموال طائلة، وأخرى تحمي البارات، وحتى تجارة الجنس، وراءها أحزاب تحميها.. وأكد النائب الشيخ، أن هذه الأحزاب تتغطى بالإسلام لتحقيق مصالحها، وأن هدفها من حظر الخمور هو تسهيل المتاجرة بالمخدرات، لافتا إلى علاقة النواب وقادة الأحزاب المتنفذة بإيران.

التظاهرات الغاضبة التي اجتاحت مدن العراق مؤخراً، والشعارات والهتافات التي نادى بها العراقيون تؤكد أن سمعة إيران وصلت إلى الحضيض فيما يتعلق بالمخدرات، وتشجيع الطقوس الغيبية، وإدامة الأحزان، والانشغال بها، عبر حوزات ومرجعيات دينية تابعة للولي الفقيه، خاصة في المناسبات الدينية.. وهنا يأتي دور أتباع إيران، في تلميع صورتها، فعادل عبد المهدي لم ينصَّب رئيساً للوزراء إلا بموافقتها ورضاها، شأنه شأن رئيس البرلمان، وشأن أعضاء الحكومة، ورؤساء الأحزاب وقادة الميليشيات.

وفي تصريحٍ غريب، زعم رئيس الوزراء بأن المخدرات تدخل العراق من الأرجنتين! الكاتب العراقي "رشيد الخيون" سخر من تصريحاته، وذكّرنا بتصريحات وزير النقل سابقاً؛ والتي قال فيها إن "سومر" كانت تبني مطارات في أرض أور قبل آلاف السنين، وتستقبل مركبات فضائية تأتي من كواكب مأهولة! وذكرنا أيضا بتصريحات وزير الخارجية، التي قال فيها إن دجلة والفرات ينبعان مِن إيران!!

وأضاف الخيون: المطلوب، تبرئة إيران من كل ما تفعله داخل العراق، حتى لو بالكذب، والاستخفاف بعقول الناس.. في تصريح آخر لعبد المهدي قال: «يريدوننا أن نترك ديننا، يريدوننا أن ترك مرجعيتنا»، ديننا على ما يبدو أصبح تبييض صفحة إيران، كلما تلوثت بتجارة المخدرات، وتجارة الجهل، وملء العراق بالميليشيات المسلحة.

لذلك، أكثر جهة غضبت من ثورة العراق الشعبية، هي إيران؛ إمام جامع طهران قال بصراحة: "اقتلوا عملاء أميركا الذين يتظاهرون في العراق ضد الدولة".

لن يصلح حال العراق قبل القضاء على تجارة المخدرات، وهذا يتطلب القضاء أولاً على الاتجار بالدين، وعلى تجار الدين، الذين يبيعون الوهم والخرافة والغيبيات، لتغييب العقول، تماما كما تفعل المخدرات.