عملية السلام الأمريكية!
تاريخ النشر : 2019-08-31
عملية السلام الأمريكية!


بقلم:د.ناجي صادق شراب

في موقفين متطابقين عن عملية السلام بين الفلسطينيين وألإسرائيليين رغم الفارق الزمنى الكبير بينهما تكشفان كيف تحولت عملية السلام إلى عملية هزلية وتخضع للتفكير السحرى.

والموقفان يعبران عن مرحلتين مصيرتين في عملية السلام، ألأولى تحدث عنها في مذكراته السفير المصرى المتميز عبد الرؤوف الريدى والذى شهد مباحثات كامب ديفيد ألأولى والتي كان يفترض ان تؤسس لعملية سلام قويه وناجحه. والثانية اليوم والتي تناولها الصحفى الأمريكي الكبير توماس فريدمان في مقالة له تحمل نفس العنوان.

والحديث عن صفقة القرن ، وهى أيضا فرصة قوية للدفع بالسلام. ، و ابدأ أولا بالموقف الأول للكاتب والصحفى المتميز توماس فريدمان والذى وصف عملية السلام في مقالته بمهزلةعملية السلام في أعقاب رفض إسرائيل للنائبتين الديموقراطيتين الإسلاميتين إلهان عمر ورشيده طليب لزيارة إسرائيل بناء على رغبة الرئيس الأمريكي ترامب ـ ابتزاز سياسى متبادل واضح بين الرئيس ترامب ونتانياهو.وكيف أنةهذه العملية تخضع للتفكير السحرى ولجمع التبرعات المالية السياسية ، وسعى الرئيس ترامب لتبرعات الملياردير اليهودى شيلدون أديلسون .

ونكران وتجاهل الواقع السياسى القائم، ويشير ان كوشنير خضع لهذا التفكير السحرى ولرغبات وإحتياجات نتانياهو، وما يريده نتانياهو هو الذى يتم،إذا أراد نتانياهو لصفقة القرن ان تعلن ستعلن، وإذا طلب التأجيل تؤجل. دون مراعان أن هناك شعب فلسطيني. صفقة القرن او عملية السلام التي تقودها إدارة ترامب اليوم ، هي نفسها التى أشار إليها السفير المصرى عبد الرؤوف الريدى في مذكراته عن مباحثات كامب ديفيد، وكيف ان اى مبادرة كان الوفد الأمريكي يطرحها أولا على الوفد الإسرائيلي ويأخذ مواقفتها دون خجل من هذا الموقف , وما يريده الإسرائيلون يحاول الأمريكيون أن يفرضوه. وأشار كيف تم تجاهل القدس والمستوطنات من البيان الختامي حسب رغبة إسرائيل يومها بقيادة بيجين، وكيف وعد الإسرائيلون بتجميد وليس وقف الإستيطان في الضفة الغربية التي أعتبروها أرضا لهم لخمس سنوات ثم تراجعوا عن هذا الوعد بعد ثلاثة أشهر ليتم إستئناف البناء الإستيطامى الذى ما زال قائما اليوم. هذا التفكير السحرى وخضوع الإدارة الأمريكية لما تريده إسرائيل افرغ العملية السياسية من كل مضامينها السياسية والحقوقية، وهى التى تفسر لنا لماذا فشلت العملية السلمية ، وتحولت لعملية هزلية وسحرية ، وكأننا أمام ساحر يلعب العابا بهلوانية يحاول من خلالها خداع البصر بألعابه السحرية غير الحقيقية ، فالتفكير السحرى يقوم على التخدير والخداع والإبتعاد عن الواقع والحقيقية .

وهو نقيض للواقع.منذ أن نشأت القضية الفلسطينية والولايات المتحده تحتكر وتحول دون أي دور لا للأمم المتحده ولا اى دولة في عملية التسوية السياسية.

ولعل هذا الإحتكار السياسى هو الذى يفسر لنا فشل عملية السلام، وتحولها لغطاء لما تريد إسرائيل، ولتغيير مكونات السلام لتحل محلها مكونات الصراع. ومع التسليم أن طرفى الصراع المباشرين الفلسطينيين والإسرائيليين غير قادرين وغير راغبين في سلام يحقق التوازن في الحقوق، ويقوم في مرتكزه على الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال مقابل قبول إسرائيل دولة عاديه كأى دولة في المنظومة العربية، وكان يمكن تصور هذا السيناريو منذ عقود طويله، وكان جنبنا حروبا كثيره، وأنقذ حياة مئات الآلاف من ألأبرياء المدنيين، وما كنا وصلنا لما آلت إليه حالة الصراع من فجوة واسعة من الكراهية والحقد والثأر وعدم القبول ولحروب كثيره لم تحقق السلام.هذا الفشل لا يشك يعزى للولايات المتحده التي ربطت بين اى سلام وبين الإعتبارات الداخلية لحسابات السياسة الأمريكية والرغبة في الفوز دائما بالإنتخابات الرئاسية سواء من قبل الجمهوريين او الديموقراطيين. الولايات المتحده رهنت عملية السلام لما تريد إسرائيل وإسرائيل دولة إحتلال ، وهى التى تحتل وتحول دون ممارسة الفلسطينيين لحقوقهم المشروعة التي أقرتها الأمم المتحده. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل ذهبت الولايات المتحده أبعد من ذلك بإلغاء كل قرارات الشرعية الدولية، وحالت دون أي وساطة دولية ، والغت اهم مبادرة للسلام تمنح إسرائيل ما لم تستطع الزلايات المتحده ذاتها من منحه لإسرائيل وهى المبادرة العربية التي مدت يد كل العرب للسلام والإعتراف بإسرائيل وقبولها كأى دولة مقابل إنهاء إحتلالها وقيام الدولة الفلسطينية. ولم تقتصر هزلية والإستخفاف بالعملية السلمية عند حود محاولة إلغاء الشرعية الدولية ، بل ذهبت إدارة الرئيس ترامب إلى شطب القدس من اى مفاوضات وسلختها عن جسدها الفلسطينيى لتعترف بها عاصمة أبدية لإسرائيل، وأوقفت كل مساعده لوكالة الغوث تمهيدا لشطب قضية اللاجئيين، والآن تمهد لشرعنة الاحتلال والإستيطان وتشجيع إسرائيل على ضم الضفة الغربية، وأخيرا بشطب إسم فلسطين من الخارطه السياسية للمنطقة. وعدم الإعتراف بالفلسطينيين كشعب وأمة محتله تطالب بالحد الأدنى وهو قيام الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي . هذه الهزلية جسدتها ووصلت ذروتها بصفقة القرن، وبسيطرة التفكير السحرى على كوشنير ، ورغبات وإحتياجات نتانياهو .

السلام كما يقول توماس فريدمان يحتاج إلى ديبلوماسية وزعامة شجاعتان وعادلتان وخلاقتان, وهذه لا تتوفر في جميع ألأطراف.فعلى الرغم من ان نتانياهو الأخير القادر على إتخاذ القرار لكنه منشغل بقضايا الفساد وتغليب مصلحته الخاصة ورغبته بالفوز بالإنتخابات، والرئيس عباس قد يكون آخر الرؤساء التاريخيين في جيله والقادر على إتخاذ القرار ولكن الإنقسام السياسى الفلسطيني يقتل كل خيار فلسطيني,، والرئيس الأمريكي أولويته الرئاسة على أي أولوية ، والدول العربية منشغلة بأولوياتها ومصادر التهديد الجديده، وأوروبا تواجه التفكك والإنقسام وروسيا مشغولة بتثبيت نفوذها ومصالحها ،والصين منشغلة بحروبها التجارية مع الولايات المتحده وفى هذه التحولات الإقليمية والدولية تبقى القضية الفلسطينية كالطائر الذى فقد ساقيه وسيهوى قويا على ألأرض.