تسريب الوثائق الرسمية بين قوسين
تاريخ النشر : 2019-08-21
تسريب الوثائق الرسمية بين قوسين


دنيا عيسى

يبدو أن قضية رفع رواتب الوزراء في حكومة الدكتور رامي الحمد الله تتصاعد على نحو واضح، بعد قرار الرئيس محمود عباس باستعادة مستحقات الوزراء التي سبقت تأشيرته، في خطوة اقترنت باستغناء الرئيس عن كافة مستشاريه، والتي نظر إليها على أنها خطوة إصلاحية سيتبعها خطوات أخرى، إلا أن دوافع تصعيد قضية رواتب الوزراء لا يمكن أن نسقط عنها يد السياسة بحال من الأحوال.

المتابع لأحوال وهموم الناس اليومية، يُدرك بصورة ما أن هموماً كبيرة تجثم على صدور المواطنين، قد يكون التحقيق في رواتب الوزراء السابقين آخرها، لكن التعقيب الثاني الذي أصدره رئيس الحكومة السابق د. رامي الحمد الله، يثير علامات استفهام كبيرة حول الحقائق والوثائق التي طالب الحمد الله وزير المالية د. شكري بشارة بالإفصاح عنها علناً ولأكثر من مرة.

وبعد إبداء الاستغراب من صمت وزير المالية تجاه مطالبات الحمد الله، لابد من تسجيل نقطتين مهمتين، الأولى: التأكيد على دعوة ائتلاف (أمان) للنزاهة والشفافية، بضرورة تشكيل لجنة محايدة للتحقيق في هذه القضية، والثانية: التأكيد على احترامنا لموقف الدكتور رامي الحمد الله والتزامه المهنية تجاه هذه المعلومات والوثائق، والتصرف بشكل مسؤول تجاهها كرجل دولة، وعدم الانجرار خلف لعبة تسريب الوثائق الرسمية.

والحقيقة.. أن النقطة الأخيرة لابد أن تدفعنا للمطالبة بإجراء مراجعات حقيقية، وإلقاء ضوء ساطع على قضية تسريب الوثائق والمراسلات الرسمية الداخلية، والتي استهدفت الحكومة السابعة عشرة مؤخراً بصورة ظهرت وكأنها مقصودة وموجهة على نحو انتقامي، قد يندرج تحت عملية اغتيال سياسي.

ومهما كانت النوايا- والتي لا يمكننا الجزم بها- فلا أرى في تسريب الوثائق الرسمية طبعاً محموداً ولا غاية نبيلة، ذلك أنها ملك للدولة بشكل رئيسي،  وتسريبها يعد اختراقاً لخصوصيات العمل الرسمي، وجزءاَ من إفشاء أسرار الدولة التي من المفترض أن الاطلاع عليها يقع في نطاق محدود، كما أنها تُظهر جزءاً من الحقيقة التي يتحكم صاحب المصلحة من عملية التسريب في توجيهها في الاتجاه الذي يتوافق مع مصلحته الخاصة، وهذا يتنافى مع الشفافية والنزاهة التي نتطلع إليها، ورغبتنا في الحصول على المعلومات "كافة"، لا المعلومات التي يتم توظيفها في سياق يخدم مصلحة "بعض" الأفراد والمسؤولين، ومايدعم هذا الرأي هو عملية الملاحقة التي تعرض لها الناشط فايز السويطي عقب نشره مجموعة من الوثائق تتعلق بأحد المسؤولين الحاليين أصحاب النفوذ الواسع، والتناقض الواضح الذي أظهره التعاطي الرسمي مع القضيتين، وهنا تحتم علينا الأمانة والمهنية الوقوف طويلاً أمام مفاهيمنا وتعريفاتنا وأهدافنا ومحددات التزامنا الأخلاقي في قضايا النشر وتسريبات الوثائق الرسمية، كي لا نصبح مجرد عرائس في مسرح صغير، يتم تحريكها وفق سيناريو مقرر بأيادٍ خفية تسعى لمصالحها الخاصة.