بماذا وعده الرئيس قبل وفاته؟ شقيق ناصر البحيصي يكشف الكثير من المفاجآت ودقائقه الأخيرة
تاريخ النشر : 2019-06-22
بماذا وعده الرئيس قبل وفاته؟ شقيق ناصر البحيصي يكشف الكثير من المفاجآت ودقائقه الأخيرة


خاص دنيا الوطن - رفيف عزيز

غالباً ما يرمز "آخر العنقود" أو "صغير البيت" إلى الاهتمام والدلال، فهو العنصر الأبرز في العائلة الذي يستحوذ على اهتمام الجميع، فيغار الإخوة من الشقيق الأصغر وتكثر المشاكل في ما بينهم، فهو المدلل، المُتواجد دائماً، صاحب الخبرة الأكبر الذي اكتسبها من أشقائه قبله، لكن الشاب ناصر البحيصي (22 عاماً)، لم يعش هذه الأمور، ولم يعِ ماذا يعني أن تكون آخر العنقود.

فرغم أنه أصغر فرد في أسرته، إلا أنه عاش في العناية المركزة في مستشفى شهداء الأقصى، أكثر ما عاش في منزله، وأصبح لديه بدل العائلة، عائلتين، كلاهما انهار حزناً اليوم على فراقه.

وبدل أن يحتفل بتخرجه في الجامعة وسط زغاريد والدته، وباقات ورود أصدقائه وأشقائه، وتهنئات مُعلميه، احتفل به في غرفة "العناية المكثفة".

كان ناصر طفلاً في الثامنة من عمره، لا يعرف عن هذا العالم سوى اللعب، والركض، والضحك، قبل أن تغتال سيارة مُسرعة طفولته إلى الأبد، وأراد القدر أن يجعل الأمر درامياً أكثر، فكان ذلك أثناء خروجه من صالة "أفراح"، حولت حياة عائلته إلى "أحزان" إلى الأبد.

يقول زكي شقيق ناصر الأكبر: "في يوم 26 كانون الثاني / يناير عام 2006، صدمت ناصر سيارة تابعة للاستخبارات العسكرية أثناء خروجه من صالة للأفراح، نُقل على وجه السرعة إلى المستشفى، واتضح إصابته في الحبل الشوكي في الفقرات العنقية، ووصل إلى المسشفى غير قادر على التنفس، فالعصب الذي يغذي الحجاب الحاجز أُصيب بتلف كامل".

تم تحويل ناصر إلى أراضي الـ 48 المحُتلة في مستشفى هداسا، ومكث أسبوعين، وعاد بجهاز تنفس صناعي بقي ملازماً له 13 عاماً بدلاً من ألعابه ودراجته وكُرته الخاصة، وأُعلن عن إصابته بشلل رباعي، أي لا يستطيع سوى تحريك رقبته ورأسه من كل جسده.

يقول زكي: "التزمنا منذ ذلك الحين بجدول عائلي لمرافقته في المستشفى، فوالدتي تذهب له صباحاً لتُطعمه وجبات الإفطار والغداء، ثم نذهب أنا وأشقائي مساءً لإكمال رعايته".

وأضاف زكي: "مكث 13 عاماً في غرفة العناية المكثفة بالمستشفى، كنا نُحضره قليلاً جداً إلى المنزل، لمدة نصف ساعة، في المناسبات الهامة، وكان يُصاحبه طاقم أطباء وإسعاف وممرضين، فلم يكن أمراً سهلاً أن يخرج من العناية".

لم تتوقف تضحية عائلة ناصر إلى هنا، فقد قرر زكي الذي يكبره بخمس سنوات فقط أن يتخصص في مجال العلاج الطبيعي ليُساهم في تخفيف أعراض الحادث عن شقيقه.

يستطرد زكي الذي عاد تواً من دفنه، ويكسو صوته الكثير من الحزن والذكريات: "لم يعد ناصر إلى البيت أبداً منذ ذلك الحين، كان يدرس في الصف الثالث الإبتدائي، وأصر على إكمال دراسته، وهو قرار صدمنا جميعاً آنذاك، لكننا رحبنا به، وفعلاً أكمل دراسته".

وأضاف زكي: "كان يقول أن التعليم هو الحياة بالنسبة له، ولأنه كان عاجزاً عن تحريك يده وإمساك القلم، قمنا باختيار تخصص الشريعة له، لأن به نظام الاستماع والمشاركة، ولم يكن يعتمد على التلقين، وعلى مدار السنوات الماضية، كان هناك أساتذة يأتون لتدريسه".

حصل ناصر على معدل 85% في توجيهي بالفرع الشرعي، والتحق بجامعة الأزهر في كلية الشريعة، واحتفل أول أمس بتخرجه منها، حين زاره رئيس الجامعة د.عبد الخالق الفرا، وسلمه شهادة التخرج.

وكشف زكي: "كان معدل تخرج ناصر التراكمي بالجامعة 82%، وألبسناه ثوب التخرج وكان بقمة سعادته، وكان مُصراً على إكمال الماجستير والدكتوراة، وقد رصدت له الجامعة مِنَحاً لذلك، كذلك الرئيس عباس رصد له منحة تعليمية لإستكمال دراسات عليا، ولكن قدر الله وماشاء فعل".

توفي ناصر بسكتة قلبية مُفاجئة أثناء حديثه مع شقيقه وعمه، وأكد زكي: "كان يضحك ويمزح مع شقيقي الآخر الذي تزوج منذ عام فقط، وكان يُمازحه حول الزواج، وحين شعر بالتعب قليلاً اتصل بوالدي وأخبره أنه يريد أن يراه، لكنه توفي قبل وصول والدي".

أما المفاجأة التي كشفها زكي، أنها ليست المرة الأولى التي يتوقف بها قلب ناصر، وقال: "المرضى الملازمين للسرير معرضين لسكتات قلبية دائماً، وعضلة القلب لديهم ضعيفة، وناصر خاصة لأنه يُعاني من مشاكل في التنفس، وقد توقف قلبه سابقاً ثلاث مرات، ولكنه كان ينجو في كل مرة، ومنذ 5 سنوات لم يتوقف قلبه، لكنه توقف اليوم إلى الأبد".

أما آخر كلماته، يقول زكي: "كان دائماً يطلب منا السماح، ويُقبل يد والداي، ويتوسل إليهم أن يرضوا عنه، وأن يُسامحوه لأنه يعتقد أنه أرهقنا معه".

وقال زكي أن والدته منهارة تماماً: "هو آخر العنقود، والجميع يعلم ماذا يعني ذلك".

وأضاف: "عائلته الأخرى بمستشفى شهداء الأقصى أيضاً منهارين، من أطباء وممرضين، فقد عاش 13 عاماً معهم، وجميعهم محطمين نفسياً مثلنا وكأنهم عائلته الحقيقية".

وختم زكي: "كان يضحك قبل وفاته، وكان مُستيقظاً قبل أن يتوقف قلبه فجأة، لكنه لم يتعذب، فقد رحل بكل هدوء دون معاناة، ليُحلق بعيداً عن معاناته في الدنيا، ويتخلص من عذاباته إلى الأبد".

الكلمات الأخيرة لناصر بعد استلامه شهادته:



مراسم وداع ودفن ناصر: