كان المسلمون أقلية.."سوق الذهب" تراث متجذراً منذ ثلاثة آلاف سنة
تاريخ النشر : 2017-03-31
كان المسلمون أقلية.."سوق الذهب" تراث متجذراً منذ ثلاثة آلاف سنة
سوق الذهب في غزة


خاص دنيا الوطن- عمر اللوح
"سوق القيسارية" ويسميها الناس بـــ سوق الذهب وكلمة القيسارية تعني الملوك الذين كانوا يسكنوها"،يمثل نمطاً معماريًا وهندسيًا ويعود بناؤه للحكم المملوكي، وبلغ عدد المصانع( 140) مصنعاً قديماً والآن ثماني ورش صغيرة.

لم يبق أحد من سكان مدينة غزة إلا وقد حالفه الحظ بالمرور من أمامه سواء أكان قاصداً الشراء، أو البيع، أو قضاء حاجة من محيطها، ولكن ما لا يمكن أن يخطر بالبال كيف كانت بداياية ؟ ومن الذي كان يسكنه؟ ولماذا سمي بهذا الاسم؟ وما هو تاريخه وحاضره؟ وكيف أصبح معلماً تراثاً شامخاً حتى الآن؟ وكيف بقي صامداً على مدار العصور والحضارات؟ إنه سوق الذهب " القيسارية"

كان للخيل والجلود

عادل طبازة ذو الخمسين عامًا اصطحبنا في رحلة إلى داخل السوق ليخبرها عن تاريخ السوق قائلاً:" هو سوق  "القيسارية " ويسميها الناس بـــ سوق الذهب وكان في بدايته أقلية من التجار الذين يعملون على بيع، وشراء الذهب أمام بوابة الجامع العمري الكبير، وكان من أيام القيسارية وكلمة القيسارية بمعناها أن الذي كان يسكن محيط السوق وهم الملوك بالإضافة إلى أن شكل السوق مقوس ويمثل نمطاً معماريًا وهندسيًا فسمي بهذا الاسم.  

ويضيف كانت محلات الذهب الموجودة حالياً في بدايتها عبارة عن أماكن لمبيت الخيل بالإضافة إلى أنها كانت تستخدم للجلود وهي العمل "القشط "فلذلك تجد جميع المحلات على مقاس واحد عند دخولك السوق وكان ذلك في عهد الملكة (هيلانة) وهي مسيحية وبعدها تم تحويل المحلات من الجلود والخيل إلى محلات للذهب.

التجار المسلمين قلة ولكن

وأشار إلى أن الذي كان يعمل في الذهب والمعادن هم أصحاب الديانة اليهودية، والمسيحية بالإضافة إلى الأقلية من العرب والمسلمين، ويكمل ولكن وبعد عام 1948 م هاجرت الناس من أراضيهم المحتلة، فكان الذي يعمل في الذهب قبل الهجرة يأتي لهذا السوق.

وبدأ يبيع ويشتري بالذهب والذي كان يمتلك الأموال من المهاجرين أيضاً يحضر السوق وبدأ يتاجر في الذهب  وكان اليهود الموجودين في السوق قد ذهبوا إلى الداخل المحتل معتبراً أنها أراضيهم فترك السوق. 

وبعد عام 1957 م كان يوجد محلات للساعات والأحذية بالقرب من السوق فباع أصحاب الساعات المحلات لتجار الذهب، وكان ذلك بعد مجيء السلطة الفلسطينية وامتد السوق وأصبح على شكله الحالي، وأصبحت المسيحية أقلية لا تتجاوز 2 % من تجار الذهب والباقي من المسلمين.

ومضى قائلاً: كان السوق أعلى منطق بالقطاع ولكن مع مرور الزمن أصبح منخفض عن مساحة الأرض ثلاثة أمتار، وعن عمر سواق الذهب أفاد بأن عمره ثلاثة ألف ومئتان سنة.

وذكر طبازة بأن سوق الذهب أقدم تراث فلسطين بقي صامد، وامتد على مدار العصور والحضارات وتطور للأحسن، ويتابع أنه يعمل في السوق منذ أربعونا عاماً ، وقد ورث هذا المهنة عن أبيها.

الانفصال انعش السوق

فيما أكد موسى عياد أن السوق في البداية عبارة عن تجمع لتجار الذهب أمام مسجد العمري الكبير، وكانت بدايته يتم تسييح الذهب ثم سبكه ويتم بعده بيعه على الفور، وكان يعتبر السوق المركزي الوحيد في قطاع غزة آنذاك، وأصبح بعدها يذهب عدد من التجار السوق الثلاثاء في المنطقة الوسطى، والخميس في المجدل، والجمعة بغزة.

 ويواصل حديثه وبعد احتلال اليهود حصل انفصال وأصبحت غزة تحت حكم مصر، وكان تجار الذهب يحضرون عن طريق السكة الحديدية، ويستدرك بالقول: في عام 1956 م توقف العمل في الذهب بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة في ذلك الوقت، ولكن بعد عدة أعوام أصبحت مصر وغزة مفتوحة على بعضها فانتعش القطاع وصار الذهب يمتد لمحلات عديدة في القطاع وكان الإقبال عليها بشكل كبير.

كما أوضح ومع بدء عام 1967 م كان يتم تصنيع الذهب في (إسرائيل) وبعدها يتم إحضاره للسوق بغزة، ومضى عياد بالقول" خلال السنوات الأخيرة منعت (إسرائيل) تصدير الذهب لقطاع غزة من خلال تحكمها في حركة المعابر، وكان لا يسمح أيضاً من دخولها عبر مصر فبدأ عدد من التجار بشراء الذهب من الخارج وتهريبه عبر الأنفاق والبحر، وأحياناً يتم إحضاره عبر النساء القادمين من خارج القطاع من خلال ارتياده.

ويتطرق عياد لعدد المصانع التي كانت موجودة بالسابق قائلاً:" بلغ عدد المصانع 140 مصنع بالإضافة إلى الأيدي العاملة التي تقدر بأكثر من  ألف ومئتي عامل، وأفاد أنه مع الأوضاع الصعبة انقرضت المصانع وبقيت ثماني ورش صغيرة، وأعرب أنه رغم انقراض عشرات الأماكن الأثرية في فلسطين إلا أن السوق بقي متجذراً حتى وقتنا الحاضر ولا يمكن اندثاره.

تراث شامخ

وفي ذات السياق أكد الخبير في التراث الفلسطين سليم عرفات المبيض بأن سوق الذهب " القيسارية " يعتبر معلماً تاريخياً وتراثياً، ولا يزال شامخاً حتى يومناً هذا، وعن النشأة فقال: أمر قاضي غزة الشيخ شمس الدين زنكي الحمصي بناء سوق الذهب في عام 1476 م، إبان حكم المماليك في فلسطين، ويكمل في بدايته كان عبارة عن تجمع لعدد من التجار وكان يأتون إليه من كافة الأماكن عبر الخيل، وكان يضعون خيولهم في الأماكن التي أصبحت الآن مكان محلات الذهب.

ويلفت إلى أن محلات الذهب يبلغ طولها ثلاثة أمتار وعرضها متران تقريباً، مشيراً إلى أن موقع السوق يقع في قلب مدينة غزة القديمة، وتعتبر البؤرة الأساسية لوجود العديد من المعالم الأثرية في محيطها.

واستدرك المبيض قائلاً:" تم تدمير جزء منه في الحرب العالمية ولكن تم إعادة ترميمه، ويواصل ثم امتد السوق ليصبح محلاته على امتداد الشوارع الرئيسية كما هو موجود على شكله الحالي، ويضيف كل من يدخل السوق يلاحظ الشكل الذي بني في السوق مصبوب بقباب " أقواس " الذي يمثل نمطاً معمارياً وهندسياً يلائم الأجواء وظروف المناخ.