صفقة شرم الشيخ : الانظمة العربية تنفتح على شارون مقابل اضفاء الشرعية عليها

صفقة شرم الشيخ : الانظمة العربية تنفتح على شارون مقابل اضفاء الشرعية عليها



بقلم: الوف بن

يحاول نتان شارانسكي في كتابه الجديد "بفضل الديمقراطية"، ان يُحدث القراء عما حدث عندما حاول بيع أفكاره حول عملية السلام لرئيس الوزراء ارئيل شارون، عندما ترتكز على الحرية والديمقراطية في العالم العربي. "شارون قال لي: أنا أدرك ان أفكارك كانت مهمة في الاتحاد السوفييتي، ولكن ليس لها مكان في الشرق الاوسط، لشدة الأسف".

شارانسكي ينادي منذ سنوات بتوطيد العلاقات الدولية على الشفافية الاخلاقية التي تميز بين "صداقة الحرية" و"صداقة الخوف". الدول الطاغية الديكتاتورية تقوم حسب رأيه، بتصدير العنف والحرب و"الارهاب" حتى تعزز سيطرتها داخل بيتها، بينما لا تقوم الدول الديمقراطية بمحاربة بعضها. لذلك من المهم بث روح الديمقراطية وتدمير الأنظمة المركزية في كل مكان في العالم بما في ذلك العالم العربي. عملية اوسلو فشلت حسب رأي شارانسكي لانها زرعت في المناطق ديكتاتورية جديدة بثت التحريض والعمليات ضد اسرائيل. الادعاء بأن العرب "ليسوا جاهزين بنيويا" للديمقراطية، ليس مقبولا عليه.

في واشنطن وجد شارانسكي قارئَيْن متحمسين: جورج بوش وكونداليزا رايس اللذين يقومان باقتباس أقواله في كل مناسبة وفرصة. كتابه يصيب قلب الجدل التاريخي حول السياسة الخارجية الاميركية بين الايديولوجيين الذين يعتقدون بضرورة نشر الحرية حتى بالقوة وبين الواقعيين على الطراز الاوروبي الذين يسعون الى "الاستقرار" ويفضلون التحالفات مع الحكام الأقوياء. بوش الأب كان واقعيا في نظرته، أما ابنه فأيديولوجي، هو ووزيرة خارجيته حوّلا فرض الديمقراطية في الشرق الاوسط الى ركن جوهري لسياستهما.

ليست هناك أصداء تقريبا لهذا الاختلاف في المواقف على المستوى الاسرائيلي. شارانسكي وبنيامين نتنياهو، الصقران البارزان في المعسكر الايديولوجي، يجدان صعوبة في الإقناع. الجميع هنا واقعيون. شارون لا يعتقد ولا يهتم بالديمقراطية العربية. خطابات بوش التي طرح فيها رؤيته لا تخاطب عقله، وانتخابات السلطة تبدو له وسيلة لتعزيز سيطرة محمود عباس وليس كفجر لعهد جديد آتٍ. شمعون بيريس يعتقد ان المال والتنمية الاقتصادية سيكبحان جماح العنف الفلسطيني، وهو يفضل تدبر أمره مع الحكام الموجودين. "الديمقراطية الاقتصادية لا تقل أهمية عن الديمقراطية السياسية"، قال لرايس، اول من أمس. اليسار ينادي بحقوق الانسان في اسرائيل ويغلق عينيه عما يحدث خلف الحدود. إذا كان العرب يريدون ديكتاتورية فهذا شأنهم. أفكار نتنياهو وشارانسكي تبدو لليسار ذريعة للسيطرة على "المناطق".

قمة شرم الشيخ استعراض قوة للواقعيين. حسني مبارك الذي يوشك على تجديد رئاسته للمرة الخامسة في مصر، عقد هذه القمة استجابة لنداء بوش إذ قال "إن مصر التي أشارت الى طريق السلام، ستظهر ايضا طريق الديمقراطية في الشرق الاوسط". الصفقة بسيطة: شارون يضفي شرعية على النظام المصري والنظام الاقليمي القائم في مواجهة "تسونامي" الانتخابات العراقية والنداءات الاميركية للدمقرطة. في المقابل سيحصل شارون على اعتراف علني في العالم العربي الذي قوبل فيه بالرفض حتى يومنا هذا باعتباره قامعاً للفلسطينيين.

المحللون الاميركيون يخطئون أحيانا في تشخيص سياسة بوش ورفاقه من المحافظين الجدد على أنها "تأييد لليكود"، هم لا يميزون بين نتنياهو وشارون. نتنياهو يتحدث بحماسة عن الانقلاب السياسي الذي يُحدثه بوش من خلال دعوته الى تغيير الانظمة في المنطقة. أما شارون فيلتحق برجال الأمس الذين يلائمونه في العمر والخلفية العسكرية.

توجد هنا نافذة لعدم الفهم بين شارون من جهة وبوش ورايس من جهة اخرى، كما يبدو للوهلة الاولى. ولكن ليس هناك سبب يدعو شارون للقلق. بوش المسيحي الذي وُلد من جديد يدرك هو ايضا ان هناك حدودا للحملة التبشيرية. هو يتحدث عن تغيرات في مصر والسعودية، ويواصل معانقة حكامهما، وهو يقتبس عبارات شارانسكي، أحد رؤساء معسكر "المتمردين" داخل الليكود، ويؤيد فك الارتباط الشاروني بدلا من ان يقترح على شارون ان يبقى في قطاع غزة إلى ان تضرب الديمقراطية جذورها فيه.

عن "هآرتس"

التعليقات