21 سنة من الحفاظ على وحدة الثقافة.. وتنوع الأفكار والآراء

رام الله - دنيا الوطن
في 17 ديسمبر/كانون الأول 1994، بدأت تجربة ثقافية عربية جديدة في الولايات المتحدة الأميركية، لم يكن أحد يتوقع أبداً أن تستمر 21 عاماً. وقد حصلت في هذه السنوات الماضية حروب عربية/عربية، وحروب أجنبية وإسرائيلية على بلاد العرب، وترويج لفكرة انتهاء عصر "الهوية العربية" ودعوة للهوية "الشرق أوسطية" وتصعيد للهويات الطائفية والإثنية، ونمو متصاعد للتيارات الدينية العُنفية وللإنقسامات الطائفية والمذهبية.. ففي هذه المناخات والظروف كان "مركز الحوار العربي"، ومازال، ينشط لتأكيد أهمية "الهُوية العربية" ولضرورة الحفاظ على الثقافة العربية، وذلك من خلال كتابات وندوات يشارك فيها مثقفون عرب من بلدانٍ عربية متعدّدة، وينتمون فكرياً ودينياً إلى أكثر من عقيدة، لكنهم يدركون عملياً فوائد هذا المنتدى الفكري الثقافي العربي المتميز عن تجارب عربية أخرى من حيث طبيعة وأسلوب الندوات، ومن حيث نوعية حضورها ومواضيعها، ودوريتها الأسبوعية حيث بلغ عدد ندوات "مركز الحوار العربي" حتى الآن أكثر من 980 ندوة شملت قضايا فكرية وثقافية وسياسية واقتصادية ترتبط بالشأن العربي عموماً وبالعلاقات العربية-الأميركية وبدور الجالية العربية في المجتمع الأميركي.

وقد دعت تجربة "الحوار" منذ بدايتها إلى التمييز المهم بين الحفاظ على وحدة "الهوية العربية" ووحدة الثقافة العربية، وبين ضرورة التعدّد والتنوّع المطلوب في الأفكار والانتماءات والآراء. فكانت تجربة "الحوار"، وما زالت، تُشجّع على التمسّك بالهوية العربية للعرب أينما كان، لكن في إطار من التفاعل الخلاق والحوار الجاد والمثمر بين الآراء والأفكار المختلفة... كما أوجدت تجربة "الحوار" مناخاً حوارياً عربياً في واشنطن يخاطب العقل لا الغرائز، ويحثّ العرب في كل مكان على نبذ العنف وعلى اعتماد أسلوب الحوار لحسم خلافاتهم، وإلى تفهّم الرأي الآخر (وليس بالضرورة التفاهم معه) عوضاً عن تخوينه وإدانته لمجرّد أنّه رأي آخر!

ورغم أنّ "مركز الحوار العربي" ليس بجمعية حركية سياسية، بل تأسّس كمنتدى فكري وثقافي عربي في منطقة واشنطن، رغم ذلك، فإنّه كان دائماً في مقدّمة المؤسسات والجمعيات العربية الأميركية التي تعمل وتنشط دفاعاً عن قضايا عربية هامّة داخل المجتمع الأميركي. ف"مركز الحوار العربي"، منذ تأسيسه، كان في مقدّمة من يعملون من أجل توعية الأميركيين عموماً بحقوق الشعب الفلسطيني وبعدالة المسألة الفلسطينية. كما خصّص المركز على موقعه على الإنترنت صفحة هامة جداً باللغة الأنجليزية عن حقوق الشعب الفلسطيني وعن مخاطر استمرار الدعم الأميركي المفتوح لإسرائيل، إضافة إلى العديد من المواضيع والكتابات التي تساهم في تصحيح الصورة المشوّهة عن العرب في الغرب، وفي الردّ على الحملات العنصرية داخل المجتمع الأميركي ضدّ العرب والمسلمين، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر من العام 2001.

لكن كيف يمكن مخاطبة الآخر غير العربي ومحاورته بالقضايا العربية العادلة إذا كان الإنسان العربي نفسه لا يملك المعرفة الصحيحة عن هذه القضايا ولا يجد لديه أي التزام تجاهها؟!

وهل يمكن بناء جالية عربية واحدة في أي مجتمع غربي إذا كان أفراد هذه الجالية رافضين لهويّتهم العربية؟!

وكيف يمكن للعرب أن يخرجوا ممّا هم فيه من انقسامات وأن يواجهوا ما أمامهم من تحدّيات إذا كانت هويّتهم الثقافية المشتركة موضع شكٍّ أصلاً، يصل إلى حدِّ الرفض لها أحياناً والاستعاضة عنها بهويّات ضيّقة تسمح للقوى الأجنبية بالتدخّل في شؤونها وباستباحة أوطانها؟!

هذه هي أهمية تجربة "مركز الحوار العربي" للعرب في أميركا وأينما كان. لكن تجربة "مركز الحوار"، ككل عمل فكري وثقافي، له من يرفضه ويتضرر منه، كما له من يؤيده ويستفيد منه..

فمن يرفض "الهوية العربية" ولا يمانع في بقاء العرب والجالية العربية بحال التشرذم والأنقسام، لن يدعم سعي "مركز الحوار" لتعزيز الهُوية العربية المشتركة...

ومن هو، عن قناعة أو جهل، مع أولوية الانتماءات الطائفية والمذهبية الفئوية الضيقة، لن يكون مساهماً إيجابياً في "مركز الحوار"...

ومن يعتقد أنّه هو دائماً على حق ولا يرغب بسماع رأي مخالف، لن يستطع الحوار في "مركز الحوار"...

ومن يعتبر نفسه خزان معرفة ممتلئ ولا يحتاج لأيّة إضافة فكرية أو ثقافية أو سياسية، لن يرُحب بالرأي الآخر في "مركز الحوار"...

ومن لا يهمّه أصلاً إلاّ نفسه ولا يعير اهتماماً لأي شأن عام ويُفضّل العزلة على التفاعل الاجتماعي والفكري مع الآخرين، لن يلمس أهمية "مركز الحوار"...

ومن لا يثق بنتيجة أي عمل فكري وثقافي جاد ويكتفي بمساهمات حركية موسمية هنا أو هناك، أو بأنشطة وسهرات ترفيهية يعقتد أنها كافية لمعنى الخدمة العامة، لن يُشجّع "مركز الحوار"...

ومن يضع مقياساً لعلاقته مع الآخرين، التوافق الكامل معه فكرياً وسياسياً ودينياً، لن يدعم "مركز الحوار"...

ومن يرغب أن يكون "مركز الحوار" صوتاً أو منبراً له فقط، لن يدعم "مركز الحوار"...

فهؤلاء، لن يدعموا "مركز الحوار".. لكن نأمل منكم أنتم هذا الدعم

إنّ "مركز الحوار العربي" حقق ويحقق الكثير من الفوائد العامة لكل من يتفاعل معه، وللعمل الثقافي العربي، وللقضايا العربية بشكل عام. ورغم ضعف الأمكانات المالية، يستمر المركز في عمله وأنشطته، ونأمل أيضاً أن يستمر عطاء ودعم المشتركين، بل وتوسيع دائرة المشتركين فيه.

إنّ "مركز الحوار العربي" يُحافظ منذ تأسيسه في 18/12/1994، على منطلقه كمنتدى فكري ثقافي عربي مستقل، لا يميز على أساس خصوصيات وطنية أو دينية أو إثنية، وعلى أسلوبه كساحة حوار عربي تتفاعل فيها الآراء وتختلف دون خلاف بين الأشخاص، وعلى هدفه المتجسد في تعزيز الهوية العربية وفي تحسين المشاركة العربية - فكراً وأسلوباً- داخل المجتمع الأميركي.

كما يواصل "مركز الحوار العربي" خدماته العديدة على شبكة الأنترنت لعشرات الآلاف من العرب في أمكنة كثيرة من العالم، وتشمل هذه الخدمات الاعلامية المجانية موقعاً هاماً في محتوياته باللغتين العربية والأنجليزية إضافة إلى نشرات دورية ألكترونية تتضمن مقالات ودراسات تشمل مختلف المجالات الفكرية والسياسية والإقتصادية والثقافية. وهناك المئات من الجمعيات والمؤسسات والأكاديميين والإعلاميين الذين يستفيدون مباشرة في أعمالهم من هذه الخدمة المجانية التي يقدمها "مركز الحوار العربي" على شبكة الأنترنت.

إنّ تجربة "مركز الحوار" تعتمد في ميزانيتها منذ تأسيسها على الاشتراكات المالية السنوية، وهذه الاشتراكات هي غالباً محدودة العدد وقليلة القيمة المادية، ولا تتناسب مع حجم التأثير الإيجابي الذي تحدثه هذه التجربة على مرّ السنين، كما لا توفّر المدخول اللازم لتغطية الحدّ الأدنى من المصاريف المتوجّبة.

التعليقات