محمد عساف في حفل رام الله ومحمد هنيدي في فيلم " الخالة نوسة ": تقاطعات تفضي للحقيقة

محمد عساف في حفل رام الله ومحمد هنيدي في فيلم " الخالة نوسة ": تقاطعات تفضي للحقيقة
كتب : زياد مشهور مبسلط – حصريا لدنيا الوطن

ليس من باب التقليل من شأن إبداع هذا الشاب الفلسطيني الذي إتفق أهل الفن على مكانة وتأثير حنجرته الذهبية معتبرين خامة صوته مسطرة موسيقية ، ولا من قبيل الهجوم الشخصي على إبداعه ، لكن تأتي مقالتي هذه لتقدم قراءة سيكولوجية عن واقع فلسطيني معاش يتشبث بكل مايهرب به من مرارة عيشه وعذاباته ، ويحمله على أجنحة الخيال الوردي لعوالم أشبه ماتكون بالحلم المصنوع والجاهز مسبقا ً في لحظة اليقظة والجاهزية للنوم بهدف الربط مابين مرحلة الوعي والعقل الباطن في رحلة قصيرة جدا كلمح البصر في واقعهـــا وطويلة للغاية من حيث رواية تفاصيل الحلم بعد اليقظة .

محمد عساف تابع مشواره الفني لآيصال صوته الجميل والرائع وتقديم موهبته الأصيلة الى أكبر عدد ممكن من الشعب العربي من خلال برنامج المواهب العربية الأشهر Arab Idol بعد أن عاش سنين طويلة يشدو بأجمل وأروع الأغاني الفلسطينية الوطنية دون أن تعيره المؤسسة الرسمية أو شركات الإنتاج المحلية أو الإعلام الفلسطيني بكافة أشكاله أو جماهير شعبنا أي إهتمام ُيذكر ، ودون أن تنتشر صوره في شوارع وأحياء أية مدينة فلسطينية بما في ذلك خانيونس مسقط رأسه .
الفنان الموهوب عساف كان يغني من أجل حبيبته ( فلسطين ) لسنين طوال دون كلل أو ملل أو إحساس بالإحباط أو اليأس ، ودون أن يجني أية مبالغ مالية خلال هذه المسيرة ، ومع ذلك واصل دربه الفني بعزم وإصرار حاله حال عشرات لابل مئات المبدعين الفلسطينيين الذين ظلوا على قارعة الطريق دون إهتمام أو تكريم أو دعم .

أما الفنان المصري الكوميدي الشهير محمد هنيدي ، فقد عاش قصة حب صادق لحبيبته وكان على عفويته وتلقائيته ، لكن كل ذلك لم يشفع له أن يحظى بتلك الحبيبة لإعتبارات كثيرة إنتهت بالرفض القاطع لأي إرتباط مقدس بين العاشق المتيم الصادق وحبيبته .

الحلم الوحيد الذي يجمع المحمدين عساف وهنيدي هو تحقيق الهدف في إرتباط سعيد وصادق وأبدي ومقدس بالحبيبة مع إختلاف طبيعة كل حبيبة منهما ؛ فالأولى هي الوطن والأرض والثانية هي الأنثى ، علماً بأن الحبيبة الأولى يمثلها القيادة والمؤسسات والجماهير والثانية تمثلها أمّها فقط .

وفي مواجهة التحديات والصعاب والعراقيل ورغبة أكيدة في الوصول للهدف المنشود ، رأى محمد عساف أن يتجه للعالم العربي لإحتضان موهبته مع إحساسه الدائم بأنه لن يستمر في المنافسة أكثر من حلقتين أو ثلاثة ولم يكن يحلم يوما ً أن يحظى بلقب " محبوب العرب " ، وهذه تصريحات صحفية صادرة عنه ؛ والقراءة السيكولوجية لهذه الجزئية هي التراكمات الإحباطية في مخزون ذاكرته ؛ وأولها عدم رعاية وإهتمام المؤسسة الرسمية والإعلامية وشركات الإنتاج ، مرورا ً بعدم نجاحه في منافسة فنية محلية خرج منها في مراحلها الأولى .

أما الفنان هنيدي ، وتحقيقا ً لهدفه ، رأى أن يتجه لعالم تأثيري آخر بعيدا ً كل البعد عن واقعه الفعلي ليمارس دور ( الخالة نوسة ) ، ويستعرض طاقاته الجبارة الخارقة فيكشف المستور ويغيّر المفاهيم والمسارات الإعتيادية التي عاشها زمنا ً طويلا ً دون جدوى .

وخلال هذه المرحلة التأثيرية الجديدة ، عاش الطرفان حالة من التوتر والخوف والترقب مع إختلاف السبب ؛ فالأول لديه خوف ُمبرّر تعززه التراكمات النفسية السابقة والثاني يعود خوفه لإكتشاف أمره في يوم ما أو لحظة معينة ؛ لكن كليهما يعيش تحت تأثير تراكم إحساس معاناة ومرارة نتيجة الصدق والتلقائية الواقعية دون رتوش أو محسنات أو مؤثرات إصطناعية أو أضواء ساطعة .

نجح الطرفان في التأثير على العقل الجمعي المجتمعي ؛ فالأول حظي باللقب والآخر أكد على حضوره المؤثر فتخطى الإثنان الحواجز والقيود حتى وصلا للفعاليات الرسمية والإعلامية والجماهيرية ليصبحا حديث الشارع في كل صغيرة وكبيرة على حساب قضايا وأمور شعبية وإنسانية وإجتماعية ومصيرية أكثر أهمية .

إنتشرت العناوين والمانشيتات في مختلف وسائل الإعلام وأشغلت الملايين ؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر : محبوب العرب محمد عساف يلوح لجماهيره من شرفة الفندق في غزة ، الخالة نوسه تكشف المستور ، قوات الأمن في غزة ترى أهمية تغيير مسار موكب الفنان عساف حفاظا على حياته ، الخالة نوسة سرها باتع ، عساف يهاتف زهوة ياسر عرفات ، وسهى عرفات توصيه بكوفية الختيار أبو عمار ، الخالة نوسه تبارك فريق المنتخب وتقدم توصياتها وتوجيهاتها وتتفحص الكرة وتطلقها في السماء ، عساف يستقبل مجلس الأعمال الفلسطيني في فندق أطلس دبي والسفارة الفلسطينية في الإمارات في إستقبال عساف ، الخالة نوسة في الحرم الجامعي ، من هي محبوبة عساف وبمن سيرتبط ، الخالة نوسة متصلة .. سلام قول من رب رحيم ، الحرس الخاص لمحمد عساف من تونس ومصر ، الخالة نوسه في مديرية الأمن ، مدير أعمال عساف هو شقيق الفنانة اللبنانية نوال الزغبي .. الخ .

وفي ظل هذا الزخم الإعلامي والجماهيري غير المبرّر ، عاش المحمّدان لحظة دهشة وإستغراب لوصولهما لمرحلة خارج دائرة الإستيعاب العقلي لهما ؛ فالأول يعيش حالة من عدم الإستقرار النفسي بمزيج من التوتر والغرور اللامقصود والثاني يعاني من حالة ترقب للحظة ما في حين يجمعهما في هذه المرحلة إهتمام رسمي وشعبي وإعلامي ربما لايستحقانه بهذا الحجم والزخم لأن واقعهما الفعلي لايرقى لمثل هذا التبجيل والتعظيم ؛ فالأول مطرب لايملك أغنية سحرية تميزة عن ملايين المطربين والثاني لايتمتع بصفات كشف المستور وإختراق الحواجز وتخطي الحدود والقيود .

***
يوم الأثنين الماضي الموافق الأول من شهر يوليو 2013 م ، شاهدت في رام الله الاف المواطنين الفلسطينيين في زحام شديد ، قدرت وسائل الإعلام ، عددهم بأكثر من أربعين الف مواطن قدموا من كل حدب وصوب من أنحاء الضفة الغربية وأرض 48 لمشاهدة هذا الفنان والإستماع اليه والإستمتاع بغنائه ، لكن وبعد التقديم الإعلامي والغنائي وتكرار أغنية ( هلا بمحمد عساف يموشح بالكوفية ) ، ظهر عساف وغنى وغادر في وقت قصير : وكأني بهذه الجموع الزاحفة والجماهير الحاشدة تتساءل بداخلها وفي حيرة من أمرها : كيف حدث هذا ، و لماذا كل هذا ؟؟؟؟؟؟

أعتقد - بعد مرور زمن ليس بالطويل - أن تنتهي الظاهرة العسافية التي بدأت تتلاشى من ساحات وميادين رام الله ، ويختفي محبوب العرب كما كان غائيا ً عن الساحة الرسمية والإعلامية الفلسطينية خلال السنين الماضية بإستثناء أغنية علي الكوفية ، ليعلن في يوم ما وربما من دبي أنه مجرد مطرب يشق طريقه الفني بكل الوان الغناء التي يريدها السوق المحكوم بذوق الجماهير العربية .. وماأدراك ماذوقها ، ويصارحنا : مشان الله ماتحملوني فوق طاقي .. أنا مجرد مطرب .. ارحموني .

هي مصارحة ومكاشفة سبقه اليها وأعلنها محمد هنيدي على مرأى ومسمع ملايين المشاهدين خلال لقائه مـــع د . هالة سرحان في الفيلم ذاته ( الخالة نوسة ) بعد أن قدمته للعالم كقوة اسطورية خارقة ، فصدمها وصدم الملايين ، لكن هذه الملايين بحاجة للخالة نوسة من جديد كي تهرب به من واقعه ؛ فظهرت الخالة نوسة من جديد ، لكن الحاضرين غادروا المكان ، والملايين إتجهوا لقنوات أخرى ؛ فلكل منهم رغبته وهدفه وشأنه وإهتماماته بعد أن جمع هذه الملايين خبر واحد وحدث واحد ومشهد واحد ولعبة واحدة .

زياد مشهور مبسلط

كاتب وشاعر وروائي وباحث فلسطيني

مؤسس مبادرة المثقفين العرب لنصرة فلسطين وفاق

التعليقات