عن معتز أبو صفية وإليه

عن معتز أبو صفية وإليه
بقلم: محمد المدهون  

        معتز، طابت روحك. اختطفتك الأقدار مبكرًا، وهي التي لا تلتزم أصلاً بمواعيد نهائية محددة لخاتمة حياة أصحابها. تجمّدت ابتسامتك في منتصفها، وانسدل كلّ شيءٍ فيك إلا عينيك اللتين ظلتا مفتوحتين، وكأنّهما تعلنان دهشتهما مما حدث. غادرت حياتك في الوقت الذي كان من حولك يعتقدون أنّك تبدأها. لم تعطنا مساحة، ولا أدنى مساحة، للتدرج في تلقّي الخبر. محظوظون من تطول مدة تحسّسهم بقرب موت أحبابهم، إذ يتيح لهم ذلك توزيع الألم الكبير إلى آلام أصغر. ألمنا حاد ثقيل حفر فينا عميقًا معلنًا أنه دائمٌ لا يردمه الوقت. كلّنا صرنا مشغولين بقضية تحمل اسمك، لكن ليس لك الآن فيها شيء. موتك ليس قضيتك، وهذا هو المهم، ففي ذلك راحة لك، ربّما، من حيرتنا المفتوحة على كلّ مدى.

صفّى قاتلك كل ما في جسمك من دمٍ، فرصاصاته التي قالت رواية إنها إحدى عشرة، وزادت رواية أخرى العدد فقالت إنها سبع عشرة رصاصة توزّعت في جسدك، لم تبقِ فيك قطرة واحدة. الأمر لم يتوقّف عند قاتلك، فقد أخذت الألسن تلوك لحمك الميت، وتتناقل رواياتٍ تريد أن تضفي شيئًا من التبرير على فعلة القاتل. لا بأس، يحدث ذلك في زمن نشطاء الفيسبوك الذين لا ضابط لهم، ولا أخلاق تحكم ما ينشرونه. صار للقاتل أنصار، وللأنصار رواية يوزّعونها.  

تحولت أبو صفيّة من العائلة النموذجية، إلى العائلة النموذج. أبشع جريمة حدثت في أرقى مستوى: الدكتور قتل المحامي والصحفي. حين يغيب عقلك تمامًا، تصير مسيرًا بغرائزك الحيوانية التي تعيدك إلى شرعة قابيل وهابيل الأولى مرةً واحدة في لحظة غضب، ثم ترتدّ إلى زماننا هذا، فترى الفجيعة قد لحقت كلّ من حولك. يتّم القاتل أسرة أخيه، وأفقد أخاه الآخر ضناه، ومرشح أن تتيتّم أسرته إذا ما نُفّذ فيه حكم الإعدام.

بين غمضة عينٍ وانتباهها فقدناك. كنت قبل ساعتين من الغدر بك على رأس عملك، كعادتك دومًا، تصاحب قهوتك الباردة على مكتبك، تحرر خبرين في النشرة، وتتابع خبرًا آخر، ثم تلتفت إلى صفحة الفيسبوك، فتكتب بوستًا لحبيبتك تهديها فيه أغنية، لترد بدورها بعد دقائق بأغنية أخرى، في استعراضٍ رومانسي علني، وكأنّ مشاعر الحب التي كنت مملوءاً بها تفيض من حينٍ إلى آخر لتشركنا كلّنا فيها، شهودًا على رقيّك وحساسيّتك التي لا يخطئها إلا قلب أسود.

فقدت غرفة التحرير، الآن، ركنًا مفصليًا فيها. لن تطالعك، أول ما تدخلها، ابتسامة معتز التي كانت جزءًا أساسيًا من وجهه، كأنفه وحاجبيه. لم تعد مشاغباته الفيسبوكيّة وتعليقاته الموسومة بشيءٍ ما يخصّها، أمرًا يمكن أن نقرأه اليوم. صارت صفحته ضريحًا إلكترونيًا، يمرّ بها أصدقاؤه يوميًا، واضعين أدعيتهم ومشاعرهم، معبرين عن حزنهم بكلماتٍ كسيرة، لا تشبه أبدًا نوعية الكلمات الفرحة كأنها ترقص، التي كنّا نقرأها حين يكتب. لن تكتب بوستًا بعد اليوم يا أبو العز، كما كان شأنك في حياتك: تكتبه حرفًا حرفًا، نقطة نقطة، ثم تستشير من حولك في ما كتبت، فتأخذ بالملاحظات التي تقنعك وتترك ما لا يملأ رأسك، وبعد نشره تقرأ التعليقات عليه واحدًا واحدًا، وتنشغل بالرد عليها.  

عرفنا معتز صحفيًا مثابرًا يراكم كل يوم معرفة جديدة، ولا يحدّ طموحه المهني سقف، رغم أنّ عمله لم يكن شاغله الوحيد، ولا صاحب الحصة الأكبر من ساعات يومه. كان معتز ناشطًا، كثير النزول إلى الشارع، لا يترك مناسبةً وطنيةً أو حزبيةً من دون أن يلتحم بها، وهو يقصد المشاركة فيها أكثر مما يقصد تغطيتها لمؤسسته الصحفية. كان واحدًا من الناس، يبادرهم الود، ويبادلونه معزّتهم طواعيةً، فما أكثر ما استأذن في ساعات دوامه المسائية ليجبر خاطر رفيقٍ له في وفاة عزيز، أو ليشارك صاحبًا في فرحه.

كان منتميًا إلى أبعد حد، في صداقاته وعلاقاته، في حزبه ونشاطاته، في مؤسسته التي بدأ منها مشواره المهني أي إذاعة صوت الشعب، أو في تلك التي عمل من خلالها في المجال التلفزيوني مراسلاً لقناة الشروق الجزائرية. كان يظلّ متمسكًا بالأشياء، رغم إفلات بعض من حوله لها، معتزًا بخياراته، حاملاً من اسمه معناه.

في الأجندة (و"الأجندة" هو اسم برنامجٍ قدمه معتز في إحدى الدورات البرامجية)، صار يوم العشرين من أيّار يومًا لأسوأ خبرٍ تلقيناه في حياتنا، على الأقل نحن الذين شهدنا حضور معتز لسنواتٍ في حياتنا، قبل أن يشهد كل الناس موته. الفراغ الذي نشعر به في غرف الإذاعة الضيقة أوسعُ من أي وقتٍ مضى. نفتقدك يا معتز، وحين نتشاغل عنك بالطاريء من  مواضيعنا، ثم تأخذنا ضحكة عفوية، تكبحنا ذكراك عند أقرب لحظة. نفتقد سخريتك معنا من التعميمات الإدارية المعلّقة على جدار غرفة التحرير. نقلّب مواقف سخريتك النبيلة ومزحك اللطيف في ذاكرتنا، فنجدك عالقًا في كل زاوية ومطرح. لن يتجدد بيننا ذاك الحديث الصباحي في مطبخ الإذاعة، ونحن نقف متجاورين، أحدنا يطبخ ركوة القهوة بحرص، والآخر يغسل الفناجين. خسارتنا كبيرة.