طالب الدويك في معرض قوس قزح :عبقرية الدلالات الرمزية عن الإنسان في فلسطين

غزة - دنيا الوطن
ربما يكون معرض "قوس قزح" مثالا يدلل على ما أذهب إليه من ادعاء نظري وتطبيقي بأن المضمون الجاد والإنساني كفيل بأن يخلق شكله، لذا فهما يتكاملان معا، يسكن الفنان في معانيه وألوانه، وهو يدخل الروح في مادته الخام من جهة، وهو المادة الخام في الروح، منتصرا للقيم الجمالية والمهنية الفنية العالية وللقيم الإنسانية من جهة أخرى.

ارتقيا معا: الشكل الفني الجمالي بالمضمون الإنساني، والمضمون بالشكل؛ فقد كانت المعاني والمضامين النبيلة بحاجة لما يحملها من ألوان وخطوط، فكان أن ارتدت معاني طالب الدويك بما ينسجم معها من إبداع فني، وكل ذلك يتم بسلاسة وهدوء، بحيث لا يدري الزائر هل يدخل إلى المعرض أم أن المعرض هو الذي يتغلغل في حواسه ومشاعره، ومن ثم تأملاته.

لوحات جميلة انتشرت في جاليري دار الندوة مزدانة ببهجة ألوان الأرض ، وبهجة القدس والأطفال والناس، تسعد العين، ومن ثم تبدأ اكتشافات الفكر، حيث تكون القراءة الأولى للمتعة الفنية التي تحققها اللوحات، في حين تكون القراءة الثانية للمتعة الفكرية، حتى لكأن المشاهد للوحات طالب الدويك يهتف: وجدتها!

أي وجدت المعنى الذي لا تقل روعته في العقل والشعور عن متعة العين.

دلالات خاصة ورموز

ست دلالات تفرد طالب الدويك في انشغاله الساحر عليها، فكل لوحة تقدم نفسها كمشهد طبيعي، ما إن يحقق المتعة البصرية، حتى يتحول المشهد إلى مشهد لانفتاح الروح والفكر والشعور، فيحسّ الرائي بالصدمة والدهشة، وتتعمق لديه المعاني الإنسانية، بل ويزداد تقديرا لها، فيخرج من "قوس قزح" مبشرا بالإنسانية التي تتشبث بالحياة والأرض، فهما تستحقان الاحتفال بهما احتفالا لا ينتهي.

الدلالة الأولى كانت من خلال لوحة حصاد القمح، يظهر فيها انهماك الحصّادة (الحصادين) في حصاد القمح، رجلان وامرأتان، كل واحد منهم يحصد بفعالية ونشاط وهمة عالية، كأنه يقوم بالعبء وحده، غير معتمد على الآخرين، بل كأنه غير مهتم بوجودهم معه، فهو يحصد كأن المطلوب منه إنجاز كل العمل.

كانت ذلك هو المشهد، أما المشهد الدلالي، فهو اعتماد الفلسطيني على نفسه، كأنه وحده أمة، وأن عليه واجب النهوض وحده، فهو فقط يعمل بجد، ليس لديه وقت للنظر إلى إنجازات الآخرين حتى لا يضيع منه الوقت. وهذا يحدث فعلا في الحصاد وقطف الثمار، ويحصل في رعاية الأسرة، العمل الوطني الملتزم دون انتظار مديح أو غناء.

الدلالة الثانية كانت في حصاد آخر، هو قطف الزيتون، حيث ينفتح المشهد عن قاطفي الزيتون وقت المغيب، وهم ما زالوا بكامل نشاطهم وانهماكهم كأن الشمس تشرق لا تغرب!

إنها عبقرية الرمز الخفي النبيل البعيد عن التصنع والادعاء، وهي تلك التي تتجلى في المعنى العظيم في قيمة الصبر والتفاني في العمل دون الالتفات لحاجات الجسد بالراحة، لأن هناك روحا عظيمة، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم كما قال المتنبي، وإنها النفوس العظيمة التي تعبت في مراسها الأجسام...!

المعنى صار واضحا في الدلالة الاجتماعية على جلد الفلاحين، والدلالة الوطنية على جلد الشعب في التشبث بالأرض.

في الحصاد الثالث، وهو قطف البرتقال، تتجاوز المعاني الإنسانية باتجاهات صوفية، حيث يظهر القاطفون والقاطفات كأنهم في خشوع العبادة، حيث تمتد الأيادي بتؤدة لقطف الحبات البرتقالية، كان الأيادي تسبح، ثمة دعاء خفي ومحبة للأشجار، فينفتح المشهد الجمالي إلى داخل الروح، لتعكس القيمة الإنسانية للأرض وشجرها لا  الثمن المادي. وتشكل اللوحة بالتالي تفسيرا رائعا لعلاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه بعيدا عن جزئية تأمين الطعام ولقمة العيش، وهكذا يصبح الفرح الإنساني بالأرض وثمرها فرحا روحيا لا يقتصر على الفرح المادي.

أما في لوحة "حصاد" أخرى، فقد تجلت فيها معاني عميقة، ففي اللوحة يظهر انهماك بالحصاد، وفي جزء آخر منها يظهر انهماك في تجهيز الأرض للحراثة من جديد حتى قبل الخريف والشتاء!

إنها دورة الحياة، وموسم يسلمنا إلى موسم، فتكون الراحة هي في التحول من موسم إلى آخر، وليس في وقف الحياة. هل هي الصبر؟ أم دائرة نشطة لا تتوقف؟ هي كذلك، ويمكن فهم هذه الدلالة الوطنية والإنسانية فعلا من واقع عمل القرويين، الذين خلال قطاف ثمرهم لا ينسون ما عليهم من أعمال قادمة، فتراهم يقدمون للموسم القادم، كترتيب الأرض وتنظيفها، وتجهيزها للشتاء..فلا وقت للاسترخاء، حيث الأرض تفتح فمها للعمل والإنجاز. وتلك هي الدلالة الرابعة.

في لوحة يطل منها الغروب، تطل معها الدلالة الخامسة، وهي دلالة عظيمة تخص الأمل، حيث ينفتح مشهد شقيقة النعمان إلى داخل القلب، بأن الأمل لن ينطفئ مهما صار للأرض من ليل، ومهما غربت شموس ستظل شقائق النعمان شموسا مضيئة..

ولأجل ذلك كله يحتفل طالب الدويك الفنان المقدس بالحياة هنا على هذه الأرض، فمن خلال الزهرية يجد مكانا على إنائها الزجاجي ليرسم حركة الناس المحتفلين بحياتهم بكامل حيويتهم..وتلك هي الدلالة السادسة.

جاءت المعاني من خلال تفاعل الطبيعة مع نفسها ومع الإنسان، حيث يتشكل الوعي الإنساني والوطني من الطبيعة والأرض، بما ترمز من طقوس الفصول والقطاف وحركة الشمس..

مجموع الدلالات تشكل انعكاسا لألوان الطيف، فإذا ما كانت معا فإنها ستنير بشكل متكامل عن قصة الإنسان هنا على هذه الأرض الجميلة المليئة بالمعاني.

القدس مركز ومحيط
لقد تعامل الفنان التشكيلي المعروف طالب الدويك في "قوس قزح" مع القدس كمكان تعاملا عبقريا، حيث ظهرت القدس غير منعزلة عن محيطها المعماري والطبيعي، حيث يكتسب محيط القدس الطبيعي معنى قدسيا، حيث أن القدسية هنا للمكان للأرض، وليس فقط لأماكن العبادة، والتي هي رمز للأرض المقدسة.

لقد ظهر المشهد الطبيعي في غير لوحة واحدة، ظهرت الحقول والمراعي والأشجار، بل ظهرت خضرة ساحة المسجد الأقصى، كأرض لا كساحة صلاة وسجود. لذلك فإن هناك احتراما للأرض وما عليها من موجودات، بحيث ساوى بين الحجر والاخضرار، لقد عانق المعمار الديني والاجتماعي الأشجار والأزهار، وهي دلالة عميقة، تري معنى القدس الشامل، وعدم اختزالها كمكان للعبادة.

لقد زاوج الفنان بين ربط المعمار الديني بالمعمار الاجتماعي في تصويره للبلدة القديمة والأطفال والمقهى والأزقة، وتجريد القباب، والأطفال الذين يرسمون القدس واستدعاء الحرم المكي من خلال رسومات الاحتفال بقدوم الحجاج، والرقصة الصوفية (كسلوك ديني واجتماعي وفني)، وبين ربط المعمار العام للقدس بالمحيط الطبيعي.

أنسنة الأرض والأشجار
ولا ننسى عبقرية الفنان الدويك في أنسنة الشجر، وفي خلق علاقة تآلفية مع البشر، حدث ذلك في لوحة نخيل وفي لوحات القطاف، ففي مشهد النخيل يبدو الإنسان ساكنا في سيقان الشجر، كأنه يسمو أو تسمو به الأشجار، دلالة شموخ الإنسان، والمكان، حيث أنسن الفنان الشجر فصارت بشرا، تتآلف الأجساد بسيقان النخيل إلى أعلى. هو سمو للأرض من خلال الشجر الذي تضيء عناقيده كما أضيئت التراب بالأزهار.

كذلك وجدنا هذا التشكيل الجمالي والصوفي والتجريدي في تآلف أجساد قاطفي الزيتون مع الأغصان، وحيا ولمحا ورمزا، تعميقا لتسلق القاطفين الشجر أو تسلقها من خلال السلالم.
 
حلم وورق طائر
أخيرا صار من الطبيعي أن يتقزم جدار الفصل والضم العنصري في لوحة الطائرات الورقية التي اجتازته، وفي لوحة حلم التي عبّرت عن استحالة مصادرة الأحلام المشروعة؛ لقد وقفا شخصان خلف الجدار في حين سبحت روحهما نحو القدس، حيث ظهرا جسدان يسبحان في فضاء القدس. لوحة فانتازيا، تعبر عن حقيقة شعور الفلسطينيين تجاه مدينتهم.

لقد تجاوزت الطائرات الورقية السور، معبرة عن أحلام الطفولة والمستقبل المشرق لأهل القدس، الذين لا يرحلون عنها ولا ترحل عنهم. وقد تجاوزت أرواح الناس الجدار بسهولة..كما الطائرات الورقية..فالجدار ليس حصينا كما يظن من بناه..

هو سكون دائم بالقدس، وليس هذا غريبا عن فنان سكنته القدس طفلا وشابا وكهلا..

ولا نريد أن ننسى جوانب الإبداع لدى طالب الدويك في التشكيل واللعب بالاتجاهات، فله أن يستعرض بحب إبداعاته في اللون والحركة التي تظهر في عدد من اللوحات، كذلك في اختيار الألوان وأنواعها وملامس سطوح اللوحات.

التعليقات