عطاف عليان رائدة العمليات الاستشهادية الفلسطينية
تاريخ النشر : 2003-09-14
غزة-دنيا الوطن


خلال وجودها في السجون الإسرائيلية عاشت تجربة غريبة,بزواجها من سجين فلسطيني,زواجا بموجب عقد شرعي, و ما تزال قضبان السجن تحول دون لقاء الزوجين في بيت الزوجية المنتظر, و كان هذا الحوار مع عطاف عليان قبل اعتقالها الأخير:
*كيف بدأت فكرة العمليات الاستشهادية بفلسطين؟
-لقد كنت عضوا بحركة" سرايا الجهاد الإسلامي" و عمري 17 عاما, فقد ولدت في عام 1962,و في عام 1980 غادرت الأراضي المحتلة إلى لبنان في رحلة سرية للتدريب على السلاح, و تدربت فعلا في معسكرات حركة" فتح ",و كانت سرايا الجهاد الإسلامي قد أسسها حمدي سلطان التميمي و منير شفيق و الفكرة من تأسيس هذه الحركة آنذاك هو إيجاد تحول إسلامي و نشاط إسلامي عسكري مقاوم للاحتلال الإسرائيلي, و بعد رحلة التدريب في لبنان عدت الأراضي المحتلة, و في عام 1984 بدأت أطالب قيادة سرايا الجهاد الإسلامي بتنفيذ عمليات استشهادية, حيث أن تنفيذ مثل هذه العمليات نجح آنذاك في لبنان, و لدى هذا النوع من العمليات تأثير قوي, و تمت الموافقة في عام 1985 ,حيث سافرت لدولة عربية و اجتمعت مع مسؤولين في سرايا الجهاد الإسلامي, و أبلغوني بموافقتهم على أن انفذ عملية استشهادية,و بدأت الاستعدادات للعملية الأولى التي كان يفترض أن تنفذ في فلسطين, و تحدد الهدف في مبنى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في القدس و كان رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق شامير عند موعد التنفيذ في عام 1987.
استمر الإعداد للعملية لمدة عامين, و كان معي شاب فلسطيني من طولكرم, و مهمته تجهيز السيارة الملغومة بالمتفجرات, و في 2 آب 1987 اعتقل الشاب و اعتقلت طبعا, قبل أن انطلق بالسيارة بنفسي للقدس لتفجيرها.
*هل كان اغتيال الموساد الإسرائيلي لقادة الجهاد الثلاثة في قبرص بسبب التخطيط لهذه العملية؟
-حسب ما علمت و قرأت, بان أحد الأسباب الرئيسة لقيام الموساد الإسرائيلي باغتيال أبو حسن القاسم و مروان الكيالي و حمدي سلطان التميمي في قبرص في 14 شباط 1988 يعود للعملية الانتحارية الفاشلة التي أوشكت على تنفيذها, كما أن مؤشرات عديدة اتضحت بان اغتيال الشيخ عبد الله عزام في أفغانستان يعود لنفس الأسباب, لان الشيخ عزام كان قد نظم للشاب المشارك في العملية رحلة لأفغانستان حيث تم تدريبه هناك على السلاح و المتفجرات و إعداد السيارات الملغومة.
*ما هي الأحكام التي صدرت ضدك في السجن الإسرائيلي؟
-لقد صدرت أحكام ضدي مجموعها 15 سنة سجن,منها عشر سنوات بتهمة التخطيط لتنفيذ عملية انتحارية, ثم تبعها خمس سنوات بتهمة محاولتي خنق سجانة يهودية,و كانت إدارة السجن قد خصتني بمعاملة سيئة للغاية, و ذات يوم جاءت سجانة إسرائيلية مجندة, و بدأت تشتمني, حتى فقدت أعصابي,فادعت إدارة السجن بأنني اختطفت السجانة داخل الزنزانة و حاولت خنقها بمنديل,و كانت السجانة قد نقلت للمستشفى و انكسرت فقرة في رقبتها.
*كيف تم الإفراج عنك؟
-لقد كنت ضمن مجموعة السجينات الفلسطينيات اللواتي افرج عنهن رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نتنياهو,و قد افرج في شباط 1997عن فتاة فلسطينية كنت إحداهن,بعد أن قضيت عشرة سنوات في السجن.
*كيف تعرفت على خطيبك في السجن؟
-لقد تمت الخطوبة و عقد القران في السجن , و لم اكن اعرف الشاب مطلقا, فقد كان سجينا في قسم الرجال, و أنا كنت سجينة في قسم النساء, و كان خطيبي حافظ نمر قندس, و هو من سكان مناطق 1948, و اعتقل في عام 1984 على قضيتين, الأولى إلقاء قنبلة على عميل في يافا باع أراض الوقف الإسلامي في يافا, و القضية الثانية تنظيم خلية مسلحة لحركة " فتح ", و كان قد هرب في السجن فحصل على أحكام مجموعها 28,5 سنة قضى منها حتى الآن 17 سنة و ما يزال سجينا, يفترض أن يقضي 11 عاما في السجن ما لم يتم الإفراج عنه بموجب الإفراج السياسي و كانت إدارة السجون الإسرائيلية في السابق قد عزلت السجناء في مناطق 1948 و الجولان في سجن خاص, إلى أن وضعتهم في قسم مع السجناء الفلسطينيين الآخرين.
و في البداية أثار فضولي وجود سجناء أمنيين من مناطق 1948,و اصبح لدي حب استطلاع, و بدأت رحلة التعارف ثم الخطوبة و الزواج عبر " الشباك" أي نافذة السجن.
في السجن لم يكن هنالك طبعا اختلاط بين السجناء, و كانت نوافذ قسم النساء بعيدة عن نوافذ قسم الرجال بعيدة و متقابلة أيضا, لمسافات تتراوح ما بين 3-10 أمتار, و كنا نتحدث مع بعض بالصوت العالي, و هذا حديث بين كل السجناء و السجينات, و خلال تلك الفترة كانت إدارة السجن قد منعت عنا الزيارة و بقيت مسموحة لهؤلاء السجناء, فاصبحوا يرسلوا لنا بعض المأكولات التي تصلهم خلال الزيارة, و الوسيلة كانت بربط الأغراض و المأكولات بخيط و رميها نحو نوافذنا.
و لفت انتباهي " حافظ", حيث انه كان الأقل حديثا بين زملائه,و الأكثر اهتماما بالآخرين,فعندما كانت تمرض فتاة في قسمنا كان يسال عنها باستمرار و يرسل لها مأكولات و كان كل حديثه في كلمات قليلة..
و لك تكن الأحاديث شخصية في اغلب الأوقات نقاشات,و أطلقنا تسمية على المسافة ما بين النافذتين بـ"واحة الأسرى ",فنحن نعيش في ذلك المكان سنوات طويلة, و قد أعجبتني تصرفات " حافظ" الذي كان خجولا,قليل الكلام, حتى انه عندما كان يرغب بالحديث معي عبر النافذة, كان يجلب معه أحد السجناء من حركة الجهاد الإسلامي ليقف قربه , حتى لا يساء الفهم.
*هل تمكنت من مشاهدته قبل الزواج؟
-كلا , فلم اكن استطع تمييز ملامحه عن بعد و في خلف القضبان و عبر نافذتين بعيدتين, كما انه لم يستطع مشاهدتي لأنني ارتدي الخمار على وجهي أيضا, و لكن بدأنا بالشعور بالارتياح, و لم اكن أتخيل أن يفكر بالزواج مني في مثل تلك الظروف, ففكرة كهذه لم تخطر على بالي, و في إحدى الزيارات, قال لاهله خلال الزيارة في السجن,بأنه يوجد فتاة في السجن و انه يدعو الله بان تكون من نصيبه,و استفسر أهله عني و عن أهلي, و ذهبوا لزيارة أهلي في بيت لحم, و عرضوا موضوع الخطبة على أسرتي و كانت مفاجأة غريبة لهم, و لكنهم لم يعترضوا أيضا و اشترطوا موافقتي على ذلك فقط.لم اكن اعلم شيئا, حتى قال لي " حافظ " في تلك الفترة و عبر النافذة بأنه تقدم لخطبتي, و كان وقع المفاجأة على كبير,لم ارفض ووافقت,رغم أننا لم نشاهد بعضنا البعض حتى ذلك الوقت, و كان التعارف عبر الأذن,و انطبق علينا القول الأذن تعشق قبل العين أحيانا.و لكن زميلاتي رفضن الفكرة و قالت إحدى زميلاتي أنني ارفض هذا الموضوع جملة و تفصيلا, "أنت قديسة و لست للزواج".
*هل طرا تغيير إيجابي على حالتك المعنوية بعد هذا الحدث؟
-إنني رغم ما عانيت فأنا راضية بأمر الله, و لا أقول أنني صابرة فقط و لكن راضية و هذا سر قوتي و تحملي لكل ما واجهته حتى الآن. و لكن بلا شك فهذا الموضوع استطاع أن يخرجني من دائرة السجن, و لم اعد اهتم بوضعي بأنني سجينة أو حرة طليقة خارج السجن ,فقد ارتبطت بشخص يفوقني في العطاء و التضحية و الإيثار,و في تلك الفترة تمت الإجراءات العائلية المتعارف عليها, و لكن المسالة ليست سهلة و يسيرة فهي معقدة للغاية, حيث أن إدارة السجن لا توافق على إجراء عقد القران في السجن, و هو مسموح في إسرائيل للسجناء الجنائيين و ليس للأمنيين أمثالنا, و كانت حادثة عقد القران الأولى من نوعها في تاريخ السجون الإسرائيلية, بعقد فران بين سجين وسجينة و حتى الآن لم تتكرر.
فطلبني مدير السجن,و نقل إلى موافقته على إجراء مراسم الزواج و عقد القران في مكتبه,بعد تدخلات واسعة النطاق من أعضاء الكنيست هاشم محاميد و عبد الوهاب دراوشة,و محامية إسرائيلية و منظمات نسائية يهودية, حتى تمت الموافقة.
*كيف تمت إجراءات عقد القران؟
-كان حدثا سعيدا شهده السجن, و السعادة غمرت كافة السجينات و السجناء, رغم أن إدارة السجن رفضت مشاركة أي سجين أو سجينة في حفل عقد القران بمكتب مدير السجن, بعد موافقة على حضور خمسة سجينات و خمس سجناء للحفل البسيط, ثم تراجعت إدارة السجن و سمحت فقط بمشاركة 11 شخصا من أهلي و11 شخصا من أهل حافظ.
لقد استغرق الحفل البسيط ساعتين , وواجهت موقفا صعبا و تحت ضغط و إلحاح الأهل تنازلت لمدة ساعتين و خلعت النقاب خلال وجود الأهل. لقد كانت فرحة كبيرة في السجن أنارت ظلام السجن الكئيب, و جاءت أسرة حافظ بمأذون شرعي من " يافا " و عقد القران في " آب 1995 " بمهر رمزي ما يعادل 2.5 دولار مقدم و 2.5 دولار مؤجل أي "10 شيكل بالعملة الإسرائيلية".
و لكن قبل هذه الإجراءات الرسمية, تطوع شيخ من السجناء بعقد القران, و هو عقد مستوفي الشروط الشرعية,و كتبه و ما يزال موجودا,يتضمن الإيجاب و القبول و الشهود,و قد أجرى ذلك عبر " الهاتف".
*كيف توصلتم لاستخدام " الهاتف"؟
-بعد أن شاع خبر اتفاقي على الزواج مع " حافظ ", و قيام الأهل بإجراءات الخطوبة وفق العادات و التقاليد,تطوع بعض الزملاء من السجناء باختراع وسيلة للحديث بيني و بين " حافظ", و هي اختراع بسيط مكون من أجهزة الراديو مع سلك تم توصيله بين نافذتي و نافذة حافظ حتى نتحدث معا, دون اللجوء لاستخدام الصوت العالي و الصراخ على مسمع السجناء كلهم..و بهذه الطريقة تم عقد القران للمرة الأولى قبل الإجراءات الرسمية على يد مأذون شرعي في إدارة السجن.
*خلال تلك الفترة و بعد عقد القران , هل سمحت إدارة السجن لكما باللقاء؟
-لقد سمحت إدارة السجن بلقاء مع " حافظ " مرة لمدة نصف ساعة بوجود سجانة طبعا,و مرة أخرى لمدة ساعتين. و المرة الثالثة قامت إدارة السجن بجلب" حافظ " لي و كنا قد افترقنا في سجنين مختلفين,لاقناعي بالتراجع عن الإضراب عن الطعام.
*ما هي أسباب إعادة اعتقالك من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعد الإفراج عنك؟
-كان قد تم الإفراج عني في شباط ذ997 ثم أعيد اعتقالي في شهر أكتوبر 1998, وكنت ضمن مجموعة في حافلة متوجهين من بيت لحم إلى جامعة بيرزيت,للاحتفال بذكرى استشهاد د.فتحي الشقاقي, و في الطريق و كان هنالك حاجز للجيش الإسرائيلي و قوات عسكرية كبيرة , قامت بإغلاق الطريق و أوقفت الحافلة, و دخل الجنود إلى الحافلة, و قاموا باعتقالي من بين جميع ركاب الحافلة,و أخذوني إلى سجن المسكوبية في القدس,و لم يسألوني عن أي شيء,سوى إجراءات روتينية مثل الاسم و البيانات الشخصية, و جاء محامي و استفسر عن وضعي فابلغوه بأنني معتقلة إداريا لمدة ثلاث شهور, و هذه خدعة طبعا,فهنالك معتقلون إداريون منذ سنوات لم يفرج عنهم, و الشيء الوحيد الذي قيل لي" بأننا سنقوم بتدميرك", فقررت الإضراب عن الطعام,لان المقصود بالاعتقال الإداري هو النسيان, فأعلنت الإضراب عن الطعام, و بداوا بالحرب النفسية,فيقولون لي" موتي و لن يسال أحد عنك".
*ما الذي جرى في الإضراب الشهير عن الطعام؟
-لقد بقيت مواصلة للإضراب بدون انقطاع مدة 40 يوما,و اتخذوا لحل الإجراءات ضدي, بالعزل و السجن الانفرادي, ووضعوني في الزنزانة كي أتراجع و بدون جدوى, و رفضت أن احصل على المحلول في عيادة السجن, مما جعلهم يربطونني بالسرير و أرغموني على الحصول على حقنة المحلول,و مع تواصل الإضراب عن الطعام, قام الإعلام بدوره الإيجابي,في هذه القضية, و كان هنالك ألف معتقل في إسرائيل إداريا,فتشكلت هيئة من عشرة قضاة في إسرائيل,لاعادة النظر في قانون الاعتقال الإداري, و لا سيما بعد أن نظمت مظاهرات في إسرائيل حول هذه القضية الخطيرة,و مع هذا بقيت مستمرة في الإضراب عن الطعام, فجاءت إدارة السجن تساومني بان أوقف الإضراب عن الطعام,و بالمقابل يجلبون لي " حافظ " لزيارتي و رفضت هذه العروض.
و لا سيما أن " حافظ " أعلن إضرابا عن الطعام تضامنا معي في سجنه, و استمر في إضرابه 20 يوما.
و بعد ذلك اضطرت إدارة السجن لجلب " حافظ " كي يحاول إقناعي بالتراجع عن الإضراب, فجاء لانه مهتم بان يراني, و جاء من سجنه تحت الحراسة, و عندما شاهدني فتأثر لحالتي الصحية التي كانت متدهورة, و فهمت أسباب جلب " حافظ " لزيارتي فقلت له " لا أريد أن يكون من احبهم نقطة ضعف لي" فبكى " حافظ" عندما سمع كلامي, و لم أوقف الإضراب , و عاد طبعا خطيبي إلى سجنه.
و يوما بعد يوم شعرت إدارة السجن بالخطر على حياتي بسبب الإضراب عن الطعام المتواصل, فبدأت المفاوضات من كل الاتجاهات,و جاء وزير شؤون الأسرى في السلطة الفلسطينية هشام عبد الرازق لزيارتي و معه عضو المجلس التشريعي قدورة فارس و قلا :"رسالتك وصلت للعالم".
و جاء د.عزمي بشارة عضو الكنيست الإسرائيلي لزيارتي إضافة لشخصيات من اليسار الإسرائيلي مثل حركة " ميرتس ", حتى أبلغتني إدارة السجن بان وزير الشرطة الإسرائيلي كهلاني يبلغني بان أوقف الإضراب و يعدك بعدم تجديد الاعتقال بعد انتهاء فترة الثلاثة اشهر.
و بعد مفاوضات طويلة أوقفت الإضراب الذي استغرق 40 يوما, و أعطيت فرصة للإفراج عني مدتها أسبوع, أو أن أعود للإضراب عن الطعام ثانية,ووافقت إدارة السجن,و لكنني رفضت تناول الطعام حتى تأتى إدارة السجن بخطيبي " حافظ " و أراه, فقد جلبوه على أمل إقناعي, ووفاء مني لخطيبي اشترطت ذلك, فاضطرت إدارة السجن للموافقة, و جاءوا بحافظ مجددا من سجنه تحت الحراسة, و جلس معي و تناولت الطعام, و فعلا بعد أسبوع تم الإفراج عني بمناسبة العيد آنذاك.
*بعد هذه الرحلة الشاقة,أين تجد عطاف عليان نفسها؟
-إنني انتظر الإفراج عن زوجي " حافظ ", رغم أن المدة المتبقية للإفراج عنه هي 10 سنوات, و لكن لدي أمل بإذن الله كي أراه قريبا, هذا الزواج الذي لم أره حتى الآن سوى داخل السجن وسط السجانين.
و بعد الإفراج عني أردت أن أقوم بخدمة اجتماعية إنسانية لاسر المعتقلين, فأشرفت على "جمعية النقاء الخيرية" في بيت لحم,و نقوم بتقديم العون و المساعدة ضمن الإمكانات الضئيلة للجمعية,لعائلات الأسرى, و الآن يوجد مائتي عائلة تشملهم خدمات الجمعية من ذوي الأسرى و شهداء و جرحى و حالات اجتماعية, و قد واجهنا صعوبات كبيرة في الجمعية خاصة في توفير الأموال اللازمة لنشاطاتها, و نأمل من أهل الخير و هم كثر و المؤسسات الخيرية تقديم الدعم اللازم.