بطريقة مبتكرة..قصائد على صحون الطعام لإنقاذ الشعر من عزلته
تاريخ النشر : 2013-09-23
بطريقة مبتكرة..قصائد على صحون الطعام لإنقاذ الشعر من عزلته


رام الله - دنيا الوطن
أبتكر الشاعر الانكليزي روجر ماغو طريقة لإيصال قصائده للقراء عبر طبعاتها على أطباق الطعام لتكون محور الكلام على المائدة، بدلا من الحديث المكرر حول نوعية الطعام.

وشرع الشاعر (75 عاما) بطابعة مجموعة من قصائده الموجهة للأطفال على 250 ألف طبق تباع في متاجر "سينسبري" و"موريسون"، في محاولة لإخراج الشعر من عزلته في متون الكتب.

وقال الشاعر الذي يعد من مؤسسي جماعة ليفربول الشعرية في ستينات القرن الماضي، انه استلهم فكرته بعد أن شاهد الأطفال يلهون باجهزة "أي باد" في المطاعم أكثر من التحدث مع أفراد أسرهم أثناء وبعد تناول الوجبات.

وتوقع ان يكون الحديث عن الشعر وطرح الأسئلة حول معانيه أثناء اجتماع الأسرة على مائدة الطعام أكثر جدوى من الكلام المكرر، وقد يساعد على جعل وجبات الطعام العائلية أكثر متعة لأن الأفراد يشتركون في شيء أخر غير تناول الطعام.

التحدث عن الشعر أفضل من اللهو على آي باد

وأختار روجر ماغو الذي سبق ان شارك في دعم حملة تشجيع القراءة التي قادتها صحيفة "ايفينيغ ستاندير" مع نخبة من المشاهير، سبع من قصائده الجديدة عن الطيور لتطبع على 250 ألف من أطباق الطعام مع لوحات تشكيلية.

ويعتقد ماغو أن قراءة الشعر يجب الا تقتصر على المدارس فقط، لأن تجربته الخاصة علمته أن الأشياء تصبح أجمل عندما تأتي بطريقة غير متوقعة.

ولا تشكل نسبة البرامج المهتمة بالشعر في التلفزيون أكثر من 1 الى خمسين بالمائة بالنسبة لبرامج الطبخ وإعداد الطعام.

وروجر المولود في ليفربول في التاسع من نوفمبر عام 1937، يعد من بين أكثر الشعراء الانكليز المهتمين بالترويج للقصيدة عبر الكتابات المسرحية وأدب الأطفال، ويعرض للقصائد في برنامج إذاعي من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي 4" وهو زميل فخري في جامعة ليفربول، وعضو في الجمعية الملكية للأدب ورئيس جمعية الشعر.

وبرزت أهميته الشعرية منذ أن نشر مختارات من قصائده مع أثنين من شعراء ليفربول هما براين باتن و أدريان هنري عام 1967، ووزعت المجموعة آنذاك 500 ألف نسخة من الكتاب.

وارتبطت قصائد الشعراء الثلاثة آنذاك بالموجة الصاخبة من الحياة وظهور فرقة البيتلز.

شعب شكسبير لا يقرأ

وتتزامن فكرة الشاعر الانكليزي مع تعالي أصوات أدباء وكتاب بريطانيون لحماية مئات الفروع من المكتبات المحلية المهددة بالإغلاق بسبب الضائقة المالية، في بلاد عرفت على مر تاريخها بولعها بالقراءة وأنجبت مئات المبدعين والمؤلفين.

وكشفت أرقام لمؤسسات تراقب عمليات الإغلاق في المدن البريطانية عن وجود 245 مكتبة محلية مهددة بالإغلاق من قبل المجالس المحلية من أصل 4000 مكتبة.

وتقود الروائية البريطانية زادي سميث حملة لمواجهة عملية الإغلاق المتصاعدة لفروع المكتبات المحلية، بمشاركة ناشطين ومتطوعين من آجل المحافظة على ارث أسهم في صنع معرفة أجيال من البريطانيين.

وقالت سميث الحاصلة على جائزة "اورانج" للرواية النسائية عن روايتها "عن الجمال" قبل تغير اسمها العام الماضي إلى جائزة المرأة للرواية "إنها تقاتل من أجل منع إغلاق مكتبة في البلدة التي تعيش فيها، بعد أن تم إغلاق ست مكتبات من قبل المجلس المحلي".

وأكدت على أهمية المكتبات المحلية خصوصاً لأبناء الطبقات المتوسطة في بريطانيا.

وقالت "إن لم يكن الآباء من المتعلمين، فأن أولادهم لا غنى لهم غير الذهاب إلى المكتبات المحلية القريبة من مناطق سكناهم".

طعام بطعم الشعر

وتعد المكتبات المكان الأكثر حيوية للمجتمع البريطاني المتعدد الأعراق، وطبيعتها لا تميز بين الفقراء والأغنياء من روادها، لذلك يسعى المؤتمر إلى بحث الخيارات لإنقاذ هذه المكتبات المهددة بالإغلاق في البلدات والقرى، بسبب الضائقة المالية.

ويرتبط غالبية الأدباء والكتاب الانكليز بوشيجة حسية ومعرفية مع المكتبات المحلية في مدنهم أو بلداتهم.

فالروائية جينيات وينترسون كانت قد سألت امها مرة "لماذا لا يكون لدينا بعض الكتب في البيت اسوة بغيرنا؟ فردت عليها بأنك لا يمكن أن تعرفي محتوى الكتاب إلا بعد قراءته، وعندها يكون قد فات الأوان".

وتذكر جينيات في كتابة سيرتها الذاتية "وبعد فوات الأوان، فعلا اكتشفت ذلك في وقت متأخر!". وهكذا كانت تقرأ في طفولتها في الخفاء.

ولما سُمح لها بالقراءة في مكتبة المدينة، كان يفرض عليها كتب التاريخ والدين وغير مسموح لها قراءة أي كتاب يقترن بالخيال.

وكان استطلاع لمؤسسة "ناشونال ليتراسي ترست" البريطانية الخيرية قد أظهر أن نحو 13 في المائة من الشباب البريطاني لم يتمكن من قراءة كتاب واحد في الشهر، ووضعت الشركة المسؤولية عن هذا الأمر على شبكات التواصل الالكتروني.

وتبين أن عددا كبيرا من الأطفال يفضل قراءة مجلات وجرائد وكتب الكترونية، كما يتخالطون عن طريق تبادل رسائل نصية عبر الهاتف الجوال ورسائل البريد الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي.

ويقرأ زهاء 60 في المائة الرسائل النصية، ويفحص 50 في المائة البريد الالكتروني، بينما يزور 49.3 في المائة مواقع مختلفة على شبكة الانترنت للاطلاع على المعلومات. ويقرأ حوالي 16 في المائة من الشباب المدونات.

وأظهر الاستطلاع أن أقل من نصف الشبان يقدم على قراءة كتاب من خارج المناهج الدراسية مرة واحدة على الأقل في الشهر، بينما يفضل أكثر من نصف الأطفال قراءة مجلة، ولا يزيد عدد الذين يقرأون كتبا علمية خارج المنهج التعليمي عن ثلث فقط.

وقال باحثون "أن أي نوع من القراءة خارج اطار الدراسة مفيد، شرط أن لا تقتصر مزاولة الطفل القراءة على مرة واحدة في الشهر".

تلاشي القراءة بين الشباب

وسبق وان دقت دراسة حديثة أجراس الخطر في تلاشي القراءة بين أجيال الشباب بعد إدمانهم على الرسائل النصية عبر الموبايل.

ووفق احدث استطلاع أجرته مؤسسة الصندوق الوطني للفنون الاميركية فأن نصف المراهقين اليوم لا يقرأون الكتب إلا إذا قدمت لهم.

وأشار الاستطلاع إلى 50.7 في المائة من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 24 عاماً لا يقرأون كتابا لا يشترط في المدرسة أو في العمل، وتنخفض النسبة بالنسبة للأعمار الأكبر ما بين سن 75 نزولا 59 عاماً.

ووصف تقرير الإخبار بالسارة عندما نتحدث عن تصاعد القراءة والكتابة بين المراهقين، لكن هذه الإخبار تصبح سيئة عندما نعرف أنهم لا يقرأون ولا يكتبون غير الرسائل النصية القصيرة المتبادلة عبر الموبايل.

ووصف الكاتب نيال فيرغسون الملايين من الشباب برشيقي الأصابع الذين يتبادلون رسالة "تافهة" عبر الموبايل لا تمت بصلة لطقوس الرسائل وحسها في الكتابة.

وقال "أن طقوس القراءة التي كانت (معشعشة) في عقول الصغار قبل شيوع الهواتف النقالة قد تلاشت تقريباً اليوم".

وأكد أن عادات القراءة في الجامعات قد انخفضت بنسبة واحد لكل ثلاثة طلاب منذ 13 عاماً، وان ثلث طلاب الجامعة لا يقرأون أكثر من ساعة أسبوعيا.

وعزا فيرغسون وهو أستاذ جامعي أسباب هذا العزوف إلى تصاعد فجوة القراءة في المجتمعات وفق نتائج دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي.

وقال "أن الأطفال اليوم يغادرون حضارة أجدادهم في الجلوس بالمنازل والقراءة، إلى الخروج واللهو خارج البيت".

وعرض نيال فيرغسون قائمة بمجموعة من أشهر الكتب الموجودة في رفوف جامعة كولومبيا وكيف أن استعارتها قد انخفضت بنسبة مخيفة.

من يعيد الاطفال إلى قصائدهم

وقال "أن من بين كتب الكوميديا اللإلهية لدانتي والملك لير لشكسبير ودون كيشوت لسرفانتس وفاوست لغوته والجريمة والعقاب لديستوفسكي والحرب والسلام لتولستوي، لم يتم الاستعارة إلا للكتاب الأخير ولعدد متواضع".

وسبق وان وضع الكاتب البريطاني سايمون جنكينز "تصورا" لمرحلة ما بعد الرقمية من دون ان يلغي قيم القراءة التقليدية وطقوس زيارة المتاحف ودور العرض والمكتبات.

وأشار في مقال تحليلي في صحيفة "الغارديان" ان العصر ما بعد الرقمي سيكون بمثابة معادل تاريخي لازمنة الراديو والتلفزيون والفاكس والصحيفة الورقية وبعدها الالكترونية، من دون ان يقلل من مستقبل قيم القراءة الشائعة والاستماع والمشاهدة الحية للحفلات الموسيقية والغنائية.

وطالب جنكينز الذي سبق وان اصدر مجموعة من المؤلفات التي تعالج الهندسة المعمارية والصحافة والسياسة، بعدم الوقوع في خطأ إلغاء القديم من أجل التجربة الحية التي يبثها العصر الرقمي.

وقاد عدد من المشاهير تجمعات أسبوعية لتشجيع القراءة في الأماكن العامة بمشاركة قراء من مختلف الأعمار، فيما تضاعف جمهور دور السينما والأوبرا والمتاحف.

وقال ان تصاعد جمهور المتاحف والصالات الفنية كما يحدث في متحف اللوفر والمتروبوليتان في نيويورك، يمكن أن يعوض عن نسب القراءة المتواضعة في المهرجانات الأدبية وانحسار القراءات الشعرية.

وتوصل جنكينز إلى أن احد أسباب هذه العودة يعود الى الملل والفرار من شاشة الكمبيوتر والتلفزيون مساء إلى أجواء طبيعية وفي عطلات نهاية الأسبوع.

يسعى الإنسان بطبعه إلى الرقي بذاته وعدم الوقع أسيرا في واقع افتراضي.

وتوصل الكاتب الذي يكتب عمودين اسبوعياً في صحيفتي "الغارديان" اليومية و"ايفنيغ ستاندر" المسائية، إلى أن العصر ما بعد الرقمي، لن يجعل من شبكة الانترنت مقصدا في حد ذاتها ولكنها ستكون خارطة طريق إليه.

وقال "كلما ازدهرت فرص التعامل الجماعي كلما خف الشعور بالوحدة، وهذا لا يقدمه الجلوس الدائم أمام شاشة الكمبيوتر".

وأوضح "ان الرسائل النصية الهاتفية تمثل نافذة على العالم وليس باباً".

واختتم مقاله بالقول "لست من أعداء التكنولوجيا فالانترنت يعد أكبر مكافأة مبتكرة في حياة الإنسان، إلا أن العودة إلى الكياسة تبدو مبهجة، ولن اقبل بالقول أن الانترنت سيدفع بأدمغتنا إلى الهرولة، بل هو يخسرنا فرصة القدرة على قراءة جمل طويلة أو التعامل مع المعلومات المعقدة للغاية، والكثير من التحديق في الشاشات تكون سيئة للعينين وللظهر".