تنظيم القاعدة في لبنان:عمليات التجنيد وارسال الانتحاريين للعراق
تاريخ النشر : 2006-01-27
تنظيم القاعدة في لبنان:عمليات التجنيد وارسال الانتحاريين للعراق


غزة-دنيا الوطن

قبل نحو اسبوعين أعلنت السلطات اللبنانية كشف شبكة إرهابية في لبنان قالت مصادر صحافية في حينه انها تنتمي الى تنظيم القاعدة، فيما رجحت الأجهزة الأمنية اللبنانية ان يكون عناصر هذه الشبكة قدموا من سورية. وأعضاء هذه الشبكة من جنسيات سورية ولبنانية وأردنية وسعودية. طرحت هذه القضية مسألة وجود شبكات لتنظيم القاعدة في لبنان.

ويبدو ان قضية الذهاب الى العراق هي واحدة من القضايا التي تلقي أضواء فعلية على هذه المسألة، اذ شهد لبنان على نحو واسع ظاهرة «الخروج» الى العراق. وقتل عشرات من هؤلاء الشباب في المناطق العراقية المختلفة. تنظيم «عصبة الأنصار» المتمركز في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين. وهنا الحلقة الأولى من هذا التحقيق:

كان مقر حركة «فتح» المحاذي لمستشفى القدس في مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان يعج بأعضاء اللجان الشعبية في المخيم، وكانت الهواتف الخليوية لهؤلاء، لا تتوقف عن الرنين في ذلك اليوم الماطر من الشهر الجاري. القضية كانت تعرّض ابنة غاندي السحمراني الى تحرشات اثناء مرورها في منطقة التعمير التحتاني التي تفصل المخيم عن السكن اللبناني، والتي يختلط فيها السكن اللبناني بالفلسطيني، وهي ايضاً المنطقة التي تفصل نفوذ المنظمات الفلسطينية عن نفوذ الجيش اللبناني الموجود على مداخل المخيم. ومنطقة التعمير التحتاني التي يتقاطع فيها النفوذان الأمنيان، اللبناني والفلسطيني، تمتد مسافة تبلغ نحو 400 متر، تتكاثف فيها المباني والمنازل والمحال التجارية. ويطل من مداخل صغيرة تفضي الى أزقة وردهات، شبان مسلحون على نحو حذر وقلق.

ولكن ان تستنفر اللجان الشعبية إثر حادث عادي لطالما شهدته تلك المناطق، ففي الأمر ما يستدعي التساؤل! والجواب ان غاندي السحمراني، اي والد الفتاة هو أحد أعضاء تنظيم «جند الشام»، وهو من اللبنانيين الذين فروا من مدينة طرابلس ولجأوا الى المخيم بعد أحداث منطقة الضنية في شمال لبنان عام 2000. والتنظيم انشق عن «عصبة الأنصار» التي يترأسها المحكوم بالإعدام غيابياً احمد عبدالكريم السعدي، وهو يتشكل من مجموعة صغيرة معظم أفرادها من اللبنانيين المنشقين عن «العصبة» احتجاجاً على تسليمها المدعو بديع حمادة الى الجيش اللبناني بعدما قتل ثلاثة من جنوده.

أما إقامة السحمراني في منطقة التعمير التحتاني وهي المنطقة الضائعة النفوذ أو المنعدمته، فتعود الى رغبة أمنية فلسطينية ولبنانية في عدم التخلص من هذه الجماعة، وفي عدم إيوائها في آن. فالسحمراني ومعه بقية مطلوبي الضنية من اللبنانيين، ومعه ايضاً عدد من الفلسطينيين، كانوا يقيمون في الأحياء الداخلية للمخيم، الى ان راحت الوقائع تزجر بهم الى حدوده الخارجية. ومنطقة التعمير التحتاني عامرة بالوقائع والمفارقات الناجمة عن انعدام السلطة وضياعها. فالمخيم الفلسطيني الذي لم يعد يحتمل الشبهات، قذف بكثيرين من مسببيها الى هذه المنطقة والى جوارها. والجيش اللبناني أفسح في المجال لنشوء منطقة عازلة بينه وبين المخيم من الجهة الغربية، علماً ان التعمير التحتاني هو امتداد لأحياء الزيب وبستان اليهودي والصفصاف التي تسيطر عليها «عصبة الأنصار». والى منطقة التعمير تصل أصوات مآذن مساجد «العصبة» في المخيم زافة «الشهداء» من أبناء المخيم الذين يسقطون في العراق.

ويبدو ان المخيم لفظ الى ضفافه الكثير من الأخلاط التي تجمعت فيه، فهذا حي السكة او ما يسمى «بستان اليهودي» الواقع في الجهة الغربية من المخيم، وله اسم شعبي ثالث هو «منطقة التناكيات»، في إشارة الى منازله المبنية من «التنك»، اي بقايا المعادن الرخيصة. ويتشكل سكانه من أخلاط لبنانية وفلسطينية وسورية وعراقية وكردية، وينشط فيه تنظيم «جند الشام» كواحد من تجليات انعدام التجانس. هذا الحي يشبه من الناحية الأمنية والاجتماعية حي التعمير، وهو يجاوره ويحاذيه أصلاً، ويقيم فيه عدد من المطلوبين الذين تقول اللجان الشعبية انهم خارج المخيم ولا سلطة لها في المنطقة التي يقيمون فيها لتسليمهم الى الجيش اللبناني، في حين ينكفئ الأخير الى نقطة في آخر الحي، مما يتيح لهؤلاء الإقامة والتنقل في هذه المسافة الضيقة.

إنها واحات النشاطات الملتبسة وغير الملتزمة بالقانون. فيها تُصِّرف الأجهزة الأمنية المختلفة، والجماعات الأهلية حاجاتها غير الشرعية، وفيها أيضاً تنكشف بعضها على بعض، وتتبادل الخدمات والضربات. حين ينفي المخيم عن نفسه تهمة إيوائه مطلوبين وتحوّله بؤرة أمنية، يقول ان هؤلاء موجودون في منطقة التعمير التحتاني او في «التناكيات». وعندما تُسأل الأجهزة اللبنانية عن هؤلاء تقول انهم في المخيم. وحين تطلب الفصائل الفلسطينية من «عصبة الأنصار» عدم استقبال أحد المطلوبين او تسليم آخر، ترسل الأخيرة هؤلاء الى تلك المناطق. ويبدو ان ثمة وظائف أخرى أضحت مرتبطة بمناطق انعدام النفوذ حول مخيم عين الحلوة. فأولئك الغرباء الذين يصلون في مواسم محددة الى المخيم، لاصطحاب متطوعين الى العراق بعيداً من أعين التنظيمات الفلسطينية، صاروا بحسب مصدر أمني فلسطيني، يصلون الى هذه الجزر على ضفاف المخيم، ومنها يشرعون في بحثهم واتصالاتهم. وفي حين يقول المصدر الفلسطيني انهم يختارون هذه المناطق لتفادي الخضوع للرقابة، يشعر زائر حي التعمير التحتاني انه تحت رقابة مضاعفة العيون، مما يدفع الى الاعتقاد بأن التورط في هذه المسألة لا يقتصر على التنظيمات الأصولية الصغيرة المنتشرة في المخيم.

ولكن من هم هؤلاء الغرباء الذين تحدث عنهم اكثر من مسؤول في المخيم من دون أن يحددهم؟ قال الجميع ان تحديد هويتهم مسألة مستحيلة، مشيرين الى إمكانات مالية كبيرة يتمتعون بها والى حمايات غير منظورة تؤمن لهم الدخول والخروج من معابر الحدود. مصدر رسمي لبناني قال لـ «الحياة» ان الشبكة التي ألقي القبض على أفرادها قبل نحو اسبوعين في بيروت وتضم ستة سوريين وثلاثة فلسطينيين وأردنياً ولبنانياً، كان من احدى مهماتها توفير متطوعين من لبنان الى العراق. ولفت الى ان كل الوثائق التي ضبطت في حوزة هؤلاء مزورة، وانهم استأجروا أربعة منازل في بيروت راحوا يتحركون بينها، مما يشير الى قدرات مادية ولوجستية كبيرة. وأشار المصدر الى ان هؤلاء جاؤوا الى لبنان من طريق سورية، ومن المرجح ان يكونوا أعضاء في تنظيم ابي مصعب الزرقاوي. وأعلن ان كشف الشبكة جاء من خلال القبض على المتهم اللبناني حسن عبدالله حلاق في مدينة صيدا المحاذية لمخيم عين الحلوة.

ما كشفه المصدر اللبناني يلقي بعض الأضواء على ظاهرة الزوار الغرباء لمخيم عين الحلوة. وكشف اسم الحلاق، وهو نجل رجل دين صيداوي، يلقي أضواء أخرى. فالمخيم ليس وحده من يرسل أبناءه الى العراق، بل ثمة منطقة يتقاطع فيها اللبناني بالفلسطيني ويذوبان في هويات أوسع، تشكل التنظيمات الإسلامية من الطرفين قنواتها. هذا ما يفسر ورود اسماء لبنانية بين المُرسلين الى العراق من أبناء العائلات الصيداوية، مثل القبلاوي والكردي والعارفي والحلاق، ومن بين هؤلاء أبناء رجال دين ترجح المصادر ان يكونوا ذهبوا الى العراق من دون علم آبائهم.

يجزم مسؤولو التنظيمات العسكرية في مخيم عين الحلوة أن لا اثر لتنظيم «القاعدة» ولأصوله وفروعه في المخيم. والذهاب لـ «الجهاد» في العراق، وإن كان ناشطاً، لا يشكل كما يؤكدون دليلاً على وجود «القاعدة» في المخيم. عشرات من أبناء المخيم من المنتمين الى «عصبة الأنصار» والى تنظيمات أخرى ذهبوا الى العراق. كثيرون منهم نفذوا عمليات انتحارية ونعتهم «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» على مواقعها على الانترنت، وفي المخيم تولى مسجد الطوارئ التابع لـ «عصبة الأنصار» اذاعة خبر «استشهادهم» في العراق، من دون ان تتولى العصبة التي ينتمي إليها معظمهم تبنيهم كعناصر منها. خرج على هذه القاعدة استثناء واحد، إذ عندما وصل خبر مقتل صالح الشايب، وهو فلسطيني من أبناء المخيم، سارعت العصبة الى تأكيد انتمائه اليها، لكنها تراجعت لاحقاً وسحبت بيان تبنيه، وقيل ان التراجع تلى ضغوطاً مارستها القوى الفلسطينية التي لا ترغب في إعلان وجود طرف يرسل ناشطيه من المخيم الى العراق.

تضاعفت كثافة الشعارات والصور المنتشرة والملصقة على الجدران والمباني في المخيم. ثمة تجاور مخيف للشعارات المرفوعة. صور ياسر عرفات صارت صوراً لرئيس ميتٍ. ثمة أمر في هذه الصور يشعرك بهذه الحقيقة. أما اللافتات فاشتعلت بالقضايا التي تشغل المخيم، من دعم المقاومة في لبنان والعراق الى إدانة الاحتلال الإسرائيلي. وفيما اللافتات على هذا النحو بدا ان كثيراً منها لم يعد يقتصر على الكلمات وإنما أضيفت إليه صور ورسوم، وكأن ماكينة التعبير والشعارات في المخيم اضخم من ماكينات العيش الأخرى. فالمدارس على حالها منذ سنوات وكذلك المتاجر، اما الطرق فقد زادت بؤساً وضيقاً، وكذلك المنازل التي ازداد عدد سكانها، ومن غير الممكن زيادة عدد غرفها.

أسماء كثيرة أذاعتها مساجد «العصبة» وغيرها لشبان قضوا في العراق كان آخرهم احمد محمود الكردي، وهو لبناني أصلاً ينتمي الى «عصبة الأنصار»، ومن بينهم ايضاً من العصبة عماد الحايك ونضال حسن المصطفى (شقيق أبو عبيدة الناطق باسم العصبة) وصالح الشايب وعمر ديب السعيد وأحمد ياسين، وثمة شابان آخران ينتميان الى تنظيم «أنصار الله» القريب من «حزب الله» اللبناني، ويتزعمه المنشق عن حركة «فتح» جمال سليمان، وهما نجله حسن ومحمد عبدالله زيدان. ويؤكد مسؤول في التنظيم ان الشابين ذهبا الى العراق من دون علم «أنصار الله»، وكذلك حال الشابين أحمد الفران، وهو لبناني كان قريباً من حركة «حماس»، وإبراهيم الخليل الذي ينتمي الى «جبهة التحرير العربية» الموالية للنظام العراقي السابق.

الطريق من المخيم الى العراق نشط وزاخر بالوقائع التي يرويها ابناء المخيم وإن بصوت خافت. فإلى هؤلاء الذين قتلوا هناك ونعاهم تنظيم الزرقاوي ببيانات تضمنت ظروف «استشهادهم» التي لا تمت الى واقعهم في المخيم بصلات وأسماء متينة، ثمة اسماء أخرى لشبان ذهبوا الى العراق ولم يعودوا بعد، من بينهم سبعة عناصر من «عصبة الأنصار»، ويتصل معظم هؤلاء بأهلهم على نحو دوري، ولهذه الاتصالات وظائف كثيرة بينها «ربط الأهل بقضية الجهاد» كما قال مقرب من العصبة، وكذلك تحديد المصائر. فقد سبق مثلاً ان أعلن عن «استشهاد» الشاب شحادة شحادة توفيق جوهر في العراق، ولكن «تم الاتصال به وأُكّد عدم صحة الخبر». وقال قريب لأحد هؤلاء المتصلين من بغداد ان الأهالي يشعرون عندما يتصل بهم أبناؤهم من العراق بأن تغييراً أو تحولاً أصاب أبناءهم هناك، فتدخل في لهجاتهم عبارات «الجهاد» القاعدية.

عماد الحايك (الى اليمين) ومحمد خليفة من ابناء عين الحلوة وأفاد بيان لـ «القاعدة» انهما نفذا عمليتين انتحاريتين في كربلاء والقائم .

ويبدو ان المخيم يعيد إنتاج اللهجات الجديدة لمقاتليه وانتحارييه في العراق، فيُدخل الكثير منها الى قاموسه الشفهي والكتابي. ويتسرب المعجم «القاعدي» الى اللافتات والصور المزدحمة في أنحائه. وهكذا يمكنك ان تقرأ عبارة «بلاد الشام» او «ارض الرافدين» في اللافتات المعلقة في أنحائه، او ان تسمع شيخاً يعطي درساً في مسجد عن مسألة «الولاء والبراء».

أمر آخر لا بد من رصده في هذا السياق، هو ان الذاهبين الى العراق من المخيم يخلفون وراءهم ثقافة كلامية و «شعاراتية» مرتبطة بما يمكن ان نسميه «مجتمع الثورة الفلسطينية» حيث للكلام مفاتيحه المحددة، وكذلك التخاطب وربما التزاوج والتراحم. لكنهم يعيدون صوغ هذه الثقافة وفق ما كسبوه في مجتمعات «الجهاد» و «الهجرة». فما حصل في السنوات القليلة الماضية هو دخول عناصر جديدة الى تشكيلة الرموز الاجتماعية. صار للشيوخ دور اكبر في تحديد اتجاهات السلوك اليومي. مثلاً عبارة «الشهيد» كانت سائدة ورائجة في المخيم، اما اليوم فمن الممكن ملاحظة تغير في العبارة في بعض مناطق المخيم، فصارت «الشهيد إن شاء الله». المواقع الإلكترونية التابعة لتنظيم «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» التي تبث بيانات تنعى مَن تسميهم «أُسود الشام في بلاد الرافدين» تساهم الى حدٍ كبير في تعديل منظومة الرموز اليومية في عين الحلوة. فيظهر بيان نعي عماد الحايك مثلاً على هذا النحو: «الشهيد عماد الحايك (أبو بكر). من بلاد الشام مخيم عين الحلوة. استشهد في عملية على المرتدين في كربلاء. رحمك الله يا أبو بكر وأسكنك فسيح جناته».

لا ينعى سكان المخيم شهداءهم عادة على هذا النحو، ولا يزعمون كجماعة الزرقاوي ان اهل كربلاء من «المرتدين»، لكنه «وعي» جديد بدأ يتسرب الى المخيم من العراق نواته الأولى عائلات «شهداء العراق»، ويملك مقومات التوسع. فلطالما ارتبطت مثلاً صورة المخيم بمشهد امرأة مفجوعة على ابنها الذي سقط في مواجهة ما مع الإسرائيليين. اما اليوم فيروي شاب فلسطيني زار عائلات قتل أبناؤها في العراق، ان ثمة من يطلب من العائلات عدم اظهار الحزن، ومن الأمهات ان «يشكرن الله على تحقيقه أمنيات أبنائهن بالشهادة». ومن أولى إشارات قدرة هذا «الوعي» الجديد على النفاذ عدم إخضاع «شهادة» هؤلاء الشبان في العراق الى اي مساءلة او تشكيك. انهم «شهداء» او هم «شهداء إن شاء الله». ولا تقتصر هذه القناعة على أهلهم، وإنما يتحدث بها الجميع. محمد خليفة من أبناء المخيم، نفذ عملية انتحارية في منطقة القائم، لا يكترث أحد في المخيم للذي استهدفته العملية، المهم انه سقط «شهيداً».

حين يتحدث سكان من المخيم عن الذاهبين منهم الى العراق يشيرون الى ان معظم هؤلاء من فقراء المخيم، علماً ان غير الفقراء فيه عددهم قليل جداً. بعضهم من باعة القهوة المتجولين، وآخرون يملكون زوايا صغيرة يبيعون فيها الفول. فنضال حسن المصطفى، وهو من فوج «الشهداء» الأخير في العراق، من أبناء المخيم، كان يعمل بائعاً للفلافل في منطقة التعمير التحتاني، في ذلك الحزام الرقيق والغامض الذي يفصل المخيم عن نقطة الجيش اللبناني. نضال كان مطلوباً لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية، وعلى رغم ذلك تمكن من «التسرب» الى العراق. ويؤكد جاره انه باع متجره الصغير ليتمكن من توفير كلفة الرحلة، علماً ان الشاب عضو في جماعة «عصبة الأنصار».

ثمة ما تمكن ملاحظته في سياق الكلام على ظروف الناشطين الأصوليين في مخيم عين الحلوة. فأعضاء تلك التنظيمات الصغيرة، التي يجهل كثيرون من السكان قدراتها ومدى انتشارها، نظراً الى طبيعة نشاطاتها «السرية»، مختلفون عن الناشطين في التنظيمات الفلسطينية التقليدية. فالانتماء الى حركة «فتح» مثلاً هو مهنة في حد ذاتها. الناشط في «فتح» يكون هذا عمله تقريباً، او انه يربط عمله بصفته هذه، فيتردد في أوقات كثيرة الى مراكز «فتح»، ويقول انه يعمل في «الثورة»، وغالباً ما يصحو متأخراً. اما الناشط العادي في «عصبة الأنصار» فغالباً ما يكون بائع قهوة متجولاً، او صاحب دكان صغير مثابراً على دكانه. ويرجح كثيرون من أبناء عين الحلوة ان لهذه المهن المتواضعة أهدافاً تتعدى تأمين لقمة العيش. ويشيرون أيضاً الى دائرة تعامل داخلية مقفلة، فالتاجر منهم مثلاً يعتمد على زبائن من بينهم بالدرجة الأولى، ويعمل لديه «أخ» في الجماعة، وكذلك الحرفي وبائع الفلافل والفول، مع الإشارة الى تمتع هؤلاء الأصوليين بسمعة جيدة في مهنهم وعلاقاتهم. أسامة الشهابي مثلاً، كان عضواً مؤسساً في تنظيم «جند الشام» وانشق عنه وفتح محلاً لبيع الفول. علماً ان الشهابي ورد اسمه في لائحة اتهام أصدرتها محكمة أردنية أفادت أنه ضمن شبكة كانت تخطط لاستهداف مصالح أميركية في الأردن، وانه شكل مع مجموعة من الأردنيين جماعة إرهابية أطلقت على نفسها اسم «سرايا خطاب».

لا يقوى كثيرون من سكان مخيم عين الحلوة على تقدير حجم انتشار جماعة «عصبة الأنصار» في المخيم، خلافاً لقدرتهم الدقيقة على تحديد حجم انتشار القوى الأخرى. ففي النهار يتحول ناشطو «العصبة» سكاناً عاديين من الممكن تمييز بعضهم من اللحية او اللباس الشرعي. ولكن في الليل، في الأوقات التي تستنفر فيها «العصبة» في حي الطوارئ والأحياء المحاذية له، يظهر عدد مسلحيها الملثمين اكبر بكثير من العدد المتوقع. ويقول أحد ابناء المخيم ان تقدير أعدادهم من خلال اللحى والملابس غير مجدٍ، فأعداد هؤلاء لا تتعدى عشرات، لكنهم في الليل مئات من الملثمين.

ما زال قائد «العصبة» احمد عبدالكريم السعدي «أبو محجن» متوارياً. الحسم بوجوده في المخيم تضعضع، فمن كانوا يقولون انهم صادفوه ليلاً يعبر الى منزل أو مسجد لم يروه منذ سنوات. مسؤول في المخيم أكد انه ما زال موجوداً، لكنه ضاعف تخفيه. آخرون قالوا انه ذهب بدوره الى العراق، مشيرين الى سهولة هذا الاحتمال نظراً الى السهولة التي ذهب بها عشرات من المطلوبين الأعضاء في العصبة الى العراق، متخطين حواجز الجيش اللبناني عند حدود المخيم ومعظم الحدود الأخرى.

أما اليوم فلـ «العصبة» قيادة ثلاثية علنية هي أبو شريف (وفيق عقل) وأبو عبيدة وأبو طارق (شقيق أبو محجن). ولها ممثل في اللجنة الأمنية في المخيم، اي تلك المنبثقة عن لقاء القوى والفصائل الفلسطينية.

ويرى أحد أعضاء اللجنة ان دخول «العصبة» اليها يشكل إنجازاً أمنياً كبيراً، إذ أخضعت هذه الجماعة في نهاية الأمر الى قرارات تلتقي حولها الفصائل الفلسطينية في المخيم، وتتولى هذه اللجنة التنسيق مع القوى الأمنية اللبنانية. وأدى هذا التنسيق وانخراط «العصبة» فيه ذات يوم الى تسليم بديع حمادة الذي التجأ اليها بعد ان قتل عناصر من الجيش اللبناني. وربما كان من نتائج تمثيل «العصبة» في اللجنة الأمنية عدم إقدامها على تبني «شهداء العراق» من عناصرها لعدم «إحراج» الفصائل الفلسطينية، في مقابل تبني المخيم كله هؤلاء «الشهداء». فنزع انتمائهم الى «العصبة» او اضماره يعيدهم «شهداء» أهلهم وأحيائهم الصغيرة في المخيم، ويضاعف القدرة على تسريب ثقافة أو أذواق أو لهجات «المهاجر الجهادية» الى مجتمعات النزوح الفلسطيني. فمتلقو هذه التسريبات في الحـــالة هذه، ليسوا جــماعة مقــفلة وانـــما اهـــل واقـــارب ومجتمع.

ليس تنظيم «جند الشام» اكثر من انشقاق صغير وهش عن «عصبة الأنصار». ربما كان اقل فلسطينية منها وأكثر راديكالية نظراً الى انعدام صلته الاجتماعية بالمخيم، اذ إن لـ «العصبة» ملامح محلية تتمثل في غلبة أهالي طيطبا والصفصاف وصفوري عليها. وهذه أسماء لأحياء في المخيم ولبلدات في الجليل الأعلى. في المقابل يبدو ان معظم الذاهبين الى العراق من عناصرها، لا ينتمي الى هذا المتن المحلي والجغرافي في المخيم. كثيرون منهم يعيشون في منطقة التعمير التحتاني، وآخرون انتقلوا من «العصبة» الى «جند الشام»، وبعض منهم لبناني الجنسية.

ربما كان لعدم الانسجام الاجتماعي على ضفاف المخيم، وفي تلك الرقعة الضيقة، وظيفة ما في قرار الذهاب الى العراق. لكن للانسجام الاجتماعي في عمق المخيم وفي متنه، وظيفة أخرى لا تقل حماسة لـ «عصبة الأنصار» وللعراق. انه ذلك الركود العصي على الاهتزاز. فالمخيم على حاله منذ عقود، ويشعر زائره المنقطع عنه منذ سنوات انه في عين الحلوة اكثر من اي وقت مضى. الأحياء والعشائر والقرى ما زالت في أماكنها لم تتزحزح، الوجوه هي نفسها مضاف اليها مزيد من الفقر والشيخوخة، وأعضاء اللجان الشعبية الذين يمثلون التنظيمات ما زالوا هم أنفسهم، ولم تقم أحزابهم بتبديلهم او ترقيتهم. «الأونروا» ما زالت تقدم الخدمات ذاتها بل تناقصت تقديماتها. ذلك الشاب الذي كان قبل سنوات فتى ناجحاً في مدرسته، جلس اليوم أمام دكان جاره منتظراً فرصة للهجرة الى كندا قد يبدلها لاحقاً بهجرة الى العراق.

ها هو المخيم اكثر من اي وقت مضى. تضاعف الشعارات لا يبدله وإنما يكثفه، وكذلك التقدم في الزمن والعمر. امر واحد فقط يمكن رصده في سياق رصد ما طرأ عليه، هو ذلك التسرب الهادئ والمتين لثقافة «المهاجر الجهادية».

يصر مسؤول ميليشيا حركة «فتح» في لبنان منير المقدح على ان ليس لتنظيم «القاعدة» وجود في مخيم عين الحلوة، ويقول ان الساحة الفلسطينية خالية من التنظيمات السلفية الجهادية. وعن «عصبة الأنصار» يقول انها ليست تنظيماً سلفياً، ويشير الى أصول مؤسسها هشام شريدي الذي تأثر بأفكار حزب التحرير الإسلامي قبل ان ينشئ تنظيمه الصغير. «الخروج» الى العراق لا يعني بحسب كثير من فعاليات المخيم انتماء الى «القاعدة»، فالتنظيمات التي ترسل ناشطيها الى ذلك البلد معروفة وعلى رأسها «عصبة الأنصار». لكن السؤال يكمن في أساليب الذهاب والشبكات التي تتولى تأمين الطرق والجماعات التي تستقبل المتطوعين في العراق، والسؤال الأهم طبعاً مرتبط بوظيفة العائدين من هناك وهم كثر ومرشحون لأن يصبحوا اكثر. فمن المعروف تقليدياً ان الشبكات «القاعدية» الناشطة في معظم الدول تتشكل من أفراد خاضوا تجربة «الهجرة» وعادوا الى بلادهم محملين بأفكار وميول مختلفة عن تلك التي كانوا يحملونها قبل «هجرتهم»، وتحولوا في بلادهم الى خلايا نائمة مرتبطة الى حد كبير بالجماعات التي عملوا معها في بلاد «الجهاد». انها تجربة «الأفغان العرب» في كل من مصر والسعودية والأردن والجزائر والمغرب واليمن وغيرها من البلدان التي أرسلت بعض ابنائها الى افغانستان وعادوا اليها على نحو لا تشتهيه. ولبنان والمخيمات الفلسطينية فيه، لن تشكل استثناء.

للبنان تجارب طفيفة على هذا الصعيد، فالمجموعات التكفيرية الصغيرة التي ظهرت فيه، او تلك التي لعبت ادواراً امنية في حقبات سابقة لطالما تشكلت قياداتها من شبان خاضوا التجربة الأفغانية. هذه هي حال بسام كنج (ابو عائشة) الذي قاد مجموعة الضنية عام 2000 والتي تألفت من مجموعة شبان اضطهدتهم الأجهزة الأمنية اللبنانية، وأنشأ كنج معسكراً لهم في جرود الضنية، وخاضوا مواجهات مع الجيش اللبناني أدت الى سقوط قتلى من الطرفين على رأسهم «أبو عائشة» نفسه. علماً ان الأخير وشخصاً آخر من هذه المجموعة كانا الوحيدين من بين أفرادها اللذين ذهبا الى افغانستان. وكذلك حال احمد الكسم الذي كان على رأس المجموعة التي اغتالت رئيس «جمعية المشاريع الإسلامية» الشيخ نزار الحلبي، فأحمد هو من اللبنانيين القلائل الذين «هاجروا» الى افغانستان.

وربما يكون أحد أسباب ضعف نشاط «القاعدة» في لبنان ندرة الذين «هاجروا» من اللبنانيين الى افغانستان، وسبق للشيخ عبدالله عزام (الملقب بشيخ الأفغان العرب الذي اغتيل أواخر 1989 في مدينة بيشاور الباكستانية) ان اشار الى هذه «الندرة» أثناء تشييع شاب فلسطيني من مخيم صبرا في مدينة بيشاور، وشرح عزام في حينها ان الإغراءات التي يمثلها لبنان للشباب، هي التي تعيق اندفاعهم الى «الجهاد».

لماذا لا تكون «الهجرة» الى العراق هذه الأيام موازية لـ «الهجرة» الى افغانستان في ثمانينات القرن الفائت وتسعيناته؟ فالشروط متشابهة في «الهجرتين»، وربما تجمعت في «الهجرة» الى العراق شروط أكثر تدفع الى تشكل العائدين منها في جماعات، وارتباطهم بشبكات تتعدى أوطانهم. الأرجح ان لبنان لم يرسل أعداداً تذكر الى افغانستان، لكنه في المقابل أرسل عشرات وربما مئات الى العراق. هناك، من الذي استقبلهم وأعاد تشكيلهم؟ الإشارات التي أطلقها أهل بعضهم عن تبدل في أحوالهم وأذهانهم لمسها الأهل من الاتصالات الهاتفية الدورية التي يجرونها معهم، وهي تفيد ان هؤلاء انخرطوا في سياقات وضائقات غير «محلية». وهنا يصبح القول إن لبنان أو مخيم عين الحلوة خالٍ من اي وجود لتنظيم «القاعدة»، أمراً يحتاج الى تدقيق. ناهيك عن أن الإقامة في مخيم عين الحلوة إقامة في «هجرة» أصلاً، اذ تتوافر فيها الشروط «الجهادية» التي يؤمنها الألتحاق ببلاد الجهاد.

يقول منير المقدح ان «عصبة الأنصار» ليست جماعة سلفية، وهذه إشارة أولى الى كونها ليست فرعاً لتنظيم «القاعدة» في لبنان أو في المخيم. ينفي هذا الافتراض أحد الناشطين «الجهاديين» اللبنانيين، اذ يؤكد «ان الأخوة في العصبة في طريقهم الى إكمال سلفيتهم الجهادية. قد تنتشر بينهم بعض العادات المخالفة، كالتدخين مثلاً، وبعضهم الآخر ولأسباب امنية لم يطلق لحية يتجاوز طولها قبضة الكف، لكن هذه اشارات خارجية وربما املتها الضرورات».

المخيم بيئة أمنية نموذجية لتوطن شبكات وأشخاص منقطعين عن سياقات أمنية وسياسية محلية. ثمة لاجئون عراقيون وسوريون، وهناك أفراد جاؤوا من بلاد بعيدة وأقاموا في المخيم أو عند أطرافه. هذه حال أبو محمد المصري، وهو إسلامي مصري جاء الى المخيم أواخر العقد الفائت وأقام فيه وافتتح محلاً لبيع الفول قرب مسجد الطوارئ الى ان اغتيل على نحو غامض عندما انفجرت سيارة قرب محله. ويتردد في المخيم ان المصري كان عضواً في تنظيم «القاعدة».

المخيم، وعلى رغم الإجراءات الأمنية التي تتخذها السلطات اللبنانية في محيطه، ليس جزيرة معزولة عن بيئة نشاطات «الجهاديين» اللبنانيين. فلجوؤهم اليه بعد كل حادثة مع الجيش اللبناني ليس العلامة الوحيدة على امتداد «الشبكات الجهادية» وتواصلها. إذ اثبت التحقيقات في ملفات كثيرة ان المخيم حلقة متصلة بسلسلة من الحلقات الممتدة الى خارجه وفي كثير من الأحيان الى خارج لبنان. وربما كان موضوع الذهاب الى العراق احدى القضايا التي تختبر فيه هذه الحقيقة، فتختلط الوظائف وتتشعب المهمات. الشبكة الأخيرة التي فككت في بيروت وتضم ناشطين لبنانيين وسوريين إضافة الى أردني وسعودي، والتي ترجح الأجهزة الأمنية اللبنانية ان تكون وظيفتها الأساسية تجنيد متطوعين الى العراق، جاء أفرادها من سورية بحسب معلومات رسمية لبنانية. وألقي القبض على أفرادها أثناء التحقيق في قضية احمد ابو عدس، اذ تعتقد سلطات التحقيق اللبنانية والدولية بأن ناشطاً «جهادياً» فلسطينياً يدعى خالد طه هو من اصطحب ابو عدس الى سورية قبل أسبوعين من جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

اذاً، نحن أمام شبكة تعمل لتجنيد متطوعين الى العراق، جاءت من سورية ومن بين أفرادها ستة سوريين، ويُعتقد بوجود خيوط بين نشاطها وجريمة اغتيال الحريري، وتتداخل انتماءات ناشطيها بين بؤر «جهادية» لبنانية وفلسطينية، إضافة الى قدرات مالية ولوجستية كبيرة لوحظ تمتع عناصرها بها. وترجح مصادر امنية لبنانية ضعف علاقة هذه الجماعة بتنظيم «القاعدة»، وتؤكد لـ «الحياة» انها تميل الى الاعتقاد بعلاقة ما تربط هذه المجموعة بالسلطات السورية وبأبي مصعب الزرقاوي من دون ان يعني ذلك «قاعديتها». لكن تشعب الوظائف وتداخل المنابت وأداء الخدمات لجهات مختلفة، تدفع الى السؤال عن جدوى المقصود في ما اذا كانت هذه الشبكة «قاعدية» ام لا طالما ان الوظيفة واحدة، علماً ان بين الموقوفين بتهمة الانتماء الى الشبكة ثلاثة أشقاء لبنانيين كان ثالثهم يعيش خارج لبنان وفوجئ أهله باعتقاله في لبنان، إذ كانوا يعتقدون بأنه يعمل في الخارج.

حين يسأل أهالي بلدة لبنانية او مخيم فلسطيني في لبنان عن جماعة أصولية «جهادية» في البلدة او المخيم، يبادرون الى نفي اي علاقة لهذه الجماعة بتنظيم «القاعدة» مشيرين الى ان هؤلاء الشباب يعملون في «الموضوع العراقي». في العراق ربما تعاونوا مع «القاعدة» او عملوا معها، اما في لبنان فهم «مقاومة عراقية». ويشير الجميع الى ان الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية كانت على علم بنشاط هؤلاء، وشجعته في أحيان كثيرة. هذا ما قاله عدد من سكان مخيم عين الحلوة وكثيرون من أهالي بلدة مجدل عنجر البقاعية المعروفة بإرسال أبناء منها الى العراق. وقد يصح بعض هذا الكلام قبل انطلاق هؤلاء الناشطين الى العراق، خصوصاً ان هذا الانطلاق كان برعاية أهلية وسياسية تمثلت الأولى بموافقة اجتماعية ضمنية على هذه «الهجرة»، وتمثلت الثانية بالرعاية الأمنية شبه الرسمية التي أمنتها السلطات اللبنانية في حقبة الوجود العسكري السوري في لبنان. ولكن هذا الكلام يفقد معناه ما ان يعود من يبقى حياً من هؤلاء في العراق الى لبنان، اذ ان اقامته في «جماعة جهادية» تجعل احتمال تجنيده وإرساله «نائماً» الى بلده في انتظار إيقاظه في مهمة أخرى، امراً راجحاً، وهذا ما أثبتته مئات التجارب على هذا الصعيد.


النموذج الثاني

تعتبر بلدة مجدل عنجر اللبنانية المحاذية للحدود مع سورية نموذجاً لبنانياً ثانياً من الممكن ان يبحث من خلاله مدى تغلغل تنظيم «القاعدة» او الشبكات المتماهية معه في لبنان. كما يكشف هذا النموذج طبيعة العلاقة التي كانت تربط أجهزة في لبنان وسورية بهذه الجماعات في أطوار تشكلها الأولى. فقد قتل من ابناء البلدة في العراق ثلاثة شبان هم حسن صوان وعلي الخطيب ومحمد ابو نوح، كما قتل مصطفى رمضان ونجله محمد هناك ايضاً، ومصطفى كردي بيروتي متزوج من سيدة من مجدل عنجر، وله دور كبير في مسألة تجنيد شبان من البلدة وإرسالهم الى العراق.

بدأت قصة مجدل عنجر مع «السلفية الجهادية» وفق منطق مجيئها الى كثير من المناطق التي حلت بها، اذ تزاوج ميل تقليدي وإيماني محلي مع شحنات عنف آتية من الخارج وتولّد منها فكر تكفيري. فمجدل عنجر تقليدياً من البلدات التي تشهد ميولاً تدينية ووصلتها السلفية الدعوية الهادئة منذ عقود. اختيرت البلدة كمقرٍ لأزهر لبنان، وذهب من البلدة مشايخ كثر الى الجامعات الإسلامية في مصر والسعودية للدراسة، وعادوا أئمة لمساجد توزعت في أنحاء البلدة التي يبلغ عدد سكانها نحو عشرين الف مواطن.

وقبل نحو ثلاث سنوات وصل الى البلدة من الدنمارك مصطفى رمضان الذي اصبح يسمى في الوسط «الجهادي» ابو محمد اللبناني. وهو بيروتي من اصل كردي تزوج من سيدة من البلدة أواخر ثمانينات القرن الفائت وذهب بزوجته الى الدنمارك ثم عاد قبل ثلاثة اعوام تقريباً وقرر الإقامة في البلدة. لكن مجيئه في المرة الثانية ترافق مع تبدل في هيئته وطباعه، فقد لاحظ ابناء البلدة ان الآتي اليهم من الغرب صار يرتدي ثوباً «شرعياً» ويطلق لحية طويلة. وكالعديد من سير الناشطين التكفيريين يبدأ السكان بسيرة مصطفى شارحين بداياته غير الدينية واهتداءه بعد سنوات أمضاها في اللهو وشرب الخمر.

بدأ مصطفى العمل في أوساط الشباب المتدينين من ابناء البلدة، لا سيما من وصلتهم أطراف الدعوة السلفية التي جاء بها الى البلدة دعاة تقليديون. ويبدو ان مصطفى تمكن من الوصول الى عقول عدد من هؤلاء. وكانت الخطوة الأولى تكفير هؤلاء المتأثرين بمصطفى، كل من يخالفهم في الدعوة من أبناء البلدة. لذلك نشبت خلافات أدت الى إبعاد مصطفى وعائلته الى بلدة كفر زبد القريبة، لكن الشاب الكردي الدنماركي كان تمكن من تشكيل مجموعة مناصرين له من ابناء مجدل عنجر يؤمنون بـ»الفكر الجهادي التكفيري».

لم يكن مصطفى وحده متصدياً لـ «الدعوة» في اوساط «جهاديي» مجدل عنجر، بل ساعدته على ذلك مواقع الكترونية صارت في متناول هؤلاء الفتية الذين يجمع سكان البلدة على ان معظمهم من غير المتعلمين، ويعمل معظمهم سائقي سيارات عمومية كانت تقل ركاباً الى سورية. شرع هؤلاء الشباب بملاحقة فتاوى مشايخ خارج لبنان من خلال الانترنت يستمدون منها احكاماً تتعلق بحياتهم في البلدة. وفي هذا الوقت كان النظام في العراق سقط على أيدي الأميركيين، وكان اول المبادرين لـ «الخروج» مصطفى رمضان الذي اصطحب معه ابنه الذي لم يكن بلغ في حينها سن السادسة عشرة. ويروي ابناء البلدة حكاية رجل يمني يدعى «ابو معاذ» جاء صيف 2003 الى المنطقة عبر الحدود السورية والتقى رمضان، وتولى بعد سفر الأخير الى العراق نقل شبان منها الى هناك.

في العراق تحول مصطفى رمضان الى «ابو محمد اللبناني» وهو اسم ذاع صيته لدى دوائر الأمن العراقية والأميركية. وأكدت مصادر كردية عراقية لـ «الحياة» ان «ابو محمد» اصبح من المقربين جداً الى الزرقاوي ولاحقاً قتل في غارة أميركية على موقع كان يتحصن فيه، وان ابنه محمد قتل قبله بأشهر في احدى مناطق العراق. وأفادت مصادر أخرى ان «أبو محمد» الذي جُنِد في الدنمارك كان قريباً من أصوليين اكراد، وان علاقته بالزرقاوي نشأت من خلال نشاطه مع جماعة «انصار السنة» التي يتزعمها الملا كريكار المقيم في النروج.

في هذا الوقت كانت السلطات اللبنانية، وفي خطوة وصفت بأنها «متسرعة»، اعلنت كشفها شبكة لتنظيم «القاعدة» في لبنان تخطط لأعمال من بينها تفجير السفارة الإيطالية في بيروت، ومعظم اعضاء هذه الشبكة هم من بلدة مجدل عنجر. التسرع الذي وُصفت به الخطوة مرده افتراقٍ في رغبات أجهزة أمنية لبنانية وسورية. هذا الافتراق لا يبدو ان الطرف اللبناني اجاد تقديره. فهدف الإعلان اللبناني كان السعي الى ملاقاة الجهود الأميركية في «مكافحة الإرهاب»، وهو امر لم تكن لترفضه سورية لولا ان على رأس المتهمين هذه المرة، اسماعيل الخطيب الذي توفي أو «قُتِل» في السجن، وكان ناشطاً في الموضوع العراقي الذي ترعاه سورية أو لا تحاربه على الأقل. واعلان «الشبكة القاعدية» كان سيملي على السلطات اللبنانية فتح محاضر التحقيق امام اجهزة امنية غربية قد تتمكن من تحديد نشاط هذه الشبكة في العراق بالعلاقة مع اطراف محلية. فكان ان «توفي» اسماعيل الخطيب في السجن.

يعتقد معظم سكان مجدل عنجر بأن قضية السفارة الإيطالية مختلقة، وان افراد الشبكة التي تحدث عنها وزير الداخلية آنذاك الياس المر كانوا يعملون في تهريب السلاح والمقاتلين الى العراق، وان السلاح والمتفجرات التي ضبطت في منازل عدد من أفرادها كانت ستنقل الى هذا البلد الذي سبق ان دخله معظم افرادها وعادوا منه. ويشير عدد من السكان الى ان نشاط هؤلاء الشباب كانت تعرفه الأجهزة الأمنية اللبنانية، وانها أوقفت اسماعيل الخطيب نفسه ثم أفرجت عنه بعدما اكتشفت ان نشاطه مقتصر على العراق.

اليوم يعيش معظم افراد هذه الجماعة، او من بقي حياً منهم في مجدل عنجر، بعدما شملهم قانون العفو. اما مسألة «الهجرة» الى العراق فتضاعفت صعوباتها بعد تأزم العلاقات اللبنانية - السورية، لكنها لم تصبح مستحيلة. اذ تمكن أحد شباب تلك المجموعة من التسلل مجدداً الى العراق منذ نحو شهر، علماً ان المنطقة التي يتسللون منها هي منطقة نبع شمسين التي لا تبعد اكثر من كيلومتر واحد عن المقر السابق للاستخبارات السورية في لبنان في بلدة عنجر.

ويرفض احد الذين التقتهم «الحياة» من شباب مجدل عنجر ممن ذهبوا الى العراق وعادوا، الإفصاح عن الجهة التي كانت تستقبل المتطوعين هناك، مشيراً الى ان هناك اكثر من جهة ، وكل جماعة تقصد جهة تربطها بأعضاء فيها علاقات سابقة. وقد يُفهم من هذه الإشارة ارتباط شباب مجدل عنجر بجماعة «ابو محمد اللبناني» ابن بلدتهم او «صهرها».

يؤكد بهاء وهو احد شباب «الدعوة السلفية» في لبنان ان «الخروج» الى العراق من لبنان يكاد يكون مقتصراً اليوم على شباب «عصبة الأنصار»، مع بعض الاستثناءات. لكنه يضيف ان ليس هناك شاب ملتحٍ في لبنان الا وجاءه عرض في الفترة السابقة للالتحاق بمجموعات «جهادية» في العراق. ويلفت الى ان هذه المسألة متفاوتة بين جماعة واخرى، وان أجهزة أمنية لعبت ادواراً في هذه القضية. ويشير الى ان سماسرة طرق كثر سلموا مجموعات من هؤلاء الشباب الى القوات الأميركية والعراقية. ويؤكد مصدر امني عراقي لـ «الحياة» ان لدى اجهزة الأمن العراقية نحو 20 موقوفاً لبنانياً ونحو خمسين فلسطينياً بعضهم من مخيمات لبنان. وينبه الى ان لدى الأميركيين اعداداً اخرى لم يفصحوا عنها نظراً الى عدم اكتمال التحقيقات مع كثيرين منهم. ويشير الى ان القوات العراقية اعتقلت أخيراً ثلاثة لبنانيين في مدينة الرمادي (غرب) حيث تكثر الجماعات المسلحة التي تضم متطوعين عرباً.

الشيخ محمد الزغبي، احد مشايخ الدعوة السلفية في لبنان أكد لـ «الحياة» وجود تيار تكفيري في لبنان، وان عدداً من اعضائه يقصدون المساجد ويدعون فيها ويحاولون تحريض الشباب. ولفت الى ان ائمة مساجد لاحظوا ذلك، مشيراً الى انه تصدى معهم لهذه الممارسات في كثير من الأحيان.

يبدو ان محاولات تفسير مدى اختراق الشبكات «القاعدية» لبنان مرتبطة بتعريفنا لـ «تنظيم» القاعدة. اذ لم تعد هذه الجماعة هيكلاً تنظيمياً واحداً ومنسجماً... انها فكرة وأسلوب عمل وصلة بشبكة خارجية، ويرجح ان تكون هذه الشروط متوافرة لدى الكثير من الجماعات اللبنانية والفلسطينية، ناهيك عن شروط اخرى كالـ «هجرة» الى العراق وتسرب الأفكار التكفيرية من مغتربات اوروبية وعربية، إضافة الى ضعف الدولة وأجهزتها. وقبل هذا كله بنية اجتماعية جاذبة لهذه الأفكار او ضعيفة المناعة حيالها. وهذا الشرط الأخير ناجز في لبنان وان على نحو ضعيف وفي هوامش البنية الاجتماعية. ولكن من قال ان «القاعدة» تعمل في المتن؟