إسرائيل أعادت للحمار مكانته التاريخية

إسرائيل أعادت للحمار مكانته التاريخية
غزة-دنيا الوطن
قلب الاحتلال الاسرائيلي كل المقاييس على مستوى حياة الفلسطينيين ولم يسلم الحمار من هذا التغيير فقد أعاد له مكانته التاريخية في الحياة الفلسطينية بفعل الحواجز والطرق الوعرة التي اجبر الناس على قطعها يوميا.
فقد كان صلاح الحصني على عجلة من أمره وهو يشق طريقه نحو عين الدير في أقصى شمال شرق الضفة الغربية، بعد أن سمع عن "حمار" يود صاحبه بيعه مستغلاً ارتفاع الأسعار بشكل لم يسبق له مثيل منذ العام 1967، حيث كانت الحاجة إليها آنذاك ماسة.
حاجة هذا المزارع لــ"حمار" قوي البنية تفوق حد حاجته إلى سيارة حديثة الصنع، كون وجود السيارة بات بلا جدوى بعد أن أغلقت قوات الاحتلال كافة الطرق إلى مسكنه، فهو الآن في أشد الحاجة لحمار ينقل بواسطته كيسين من الطحين من مدينة طوباس إلى قرية بردلة التي يبعد عنها عشرين كيلو متراً بعد أن انتظر أكثر من ثلاثة أسابيع ليعيد جيش الاحتلال فتح الطريق لكن دون جدوى.
وعلى مدى الأسبوعين كان هذا المزارع يبحث عن"حمار" دون كلل أو ملل إلى درجة أنه كان يترك فيها عمله في المزرعة جانباً ليمضي يوماً بأكمله في البحث عن حمار يشتريه من السكان الذين يعيشون على أطراف القرى الزراعية أو في التجمعات الرعوية القريبة هناك.
ويعود هذا المزارع بذاكرته إلى ستة وثلاثين عاماً مستذكراً قصة الحمار الذي عمل على حمل الناس أثناء اجتيازهم لنهر الأردن أثناء اجتياح الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، مما حال دون غرق البعض منهم.
ويقول الحصني إنه تعامل مع الحمير منذ نعومة أظفاره حين كانت عائلته تقتني العديد منها عاقداً النية على اقتنائها توفيراً للجهد والطاقة حيث تقوم بأعمال لا يستطيع الإنسان القيام بها خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها داخل مناطق مغلقة ومعزولة بفعل سياسة حكومة الاحتلال الإسرائيلي.

وقد ارتفعت أسعار الحمير خلال الأسابيع الأربعة الماضية إلى حدودها القصوى فيما شح العرض من قبل البائعين الذين يرون أن الأيام القادمة أكثر صعوبة بسبب تصاعد إجراءات جيش الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية التي تشهد عزلاً تاماً، حيث تحول إجراءات الاحتلال دون سير المركبات على الطرقات.
وتجلت حاجة المواطن الذي يتحرك باستمرار على الطرقات لوجود حمار يسوقه أمامه أو يعتليه منذ بداية الانتفاضة حتى أنه استخدم كبديل عن سيارات الإسعاف أحياناً، خاصة على الطرقات التي تخترق سلسلة الجبال الوسطى كطرقات نابلس التي تتصف بجغرافيتها الصعبة.
واستخدم البعض حميراً مدربة لإرشاد المواطنين على اتجاهات الطرق خاصة في المناطق الشرقية من الضفة الغربية حيث طول المسافة والجغرافية الصعبة فيعتلي المسافر حماراً ويتركه على وجهته ليوصله الحمار إلى منطقة معروفة لحمير المنطقة وهي عادة تكون قريبة من المكان المقصود.
ويعرف عن الحمير أنها لا تضيع طريقها أبداً فبعد أول رحلة تقوم بها في طريق معينة برفقة صاحبها تعاود الكرة في المرات المقبلة دون رفقة أو مرشد إلى الهدف المقصود وهو ما جعلها أهلاً للثقة في الوصول إلى الهدف المقصود دون أي مجال للخطأ.
بيد أن الأسابيع الماضية شهدت تهافتاً منقطع النظير من قبل سكان قرى وتجمعات معزولة لشراء الحمير أو المتاجرة فيها في عودة لتجارة انقرضت منذ نصف قرن تقريباً بعد أن شلت حركة السيارات تماماً في بعض المناطق البعيدة إلى حد كبير عن مراكز الخدمات في المدن.
ولم يعد سكان الضفة الغربية يعملون على تربية الحمير في قطعان كبيرة كما في السابق بل حمار أو اثنان يعمل البعض على تربيتها للخدمة المنزلية نظراً للدور الكبير الذي أخذته السيارات والجرارات الزراعية في تسيير الأعمال بفاعلية تفوق الحمير آلاف المرات.

وشغل الحمار مساحة واسعة وخاصة في تفاصيل حياة الإنسان الفلسطيني قبل منتصف القرن الماضي حيث كان يصنف عند البعض في الدرجة الثانية بعد الحصان من حيث أهميته في قضاء حاجات مقتنيه حتى وصل الأمر أن بعض الحمير كانت مضرباً للأمثال ومفخرة لأصحابها.
والفلاح الفلسطيني اعتمد على الحمار بشكل أساسي في حياته اليومية أكثر من حاجته لغيره من الحيوانات، خاصة في العمل في حقول الشعير والقمح والذرة وبساتين التين وكروم الزيتون حيث شكل الحمار ركيزة أساسية في تسيير أمور مزارعي الزيتون، خاصة في الكروم التي تزرع في الجبال والمناطق الوعرة.
لكن ثمة تغير جوهري حصل على خدمات الحمار التي لا تعد وتحصى في مساعدة صاحبة خلال السنوات الثلاث المنصرمة حين تحول من أداة مساعدة في العمل إلى أداة رئيسة في نقل المواطنين وحاجاتهم من مكان إلى آخر في ظل إغلاق معظم الشوارع والطرقات في الضفة الغربية وغزة مما حدا بصاحب الحاجة إلى البحث عن ركوبة جيدة ومطيعة بأسعار خيالية لم تحظ بها الحمير من قبل.
والمعروف عن "الحمار" عند الفلاحين أنه حيوان مطيع لا يعرف الخديعة ولا يتمرد على صحابه كبعض الحيوانات، عدى أنه يتحرك بهدوء وسلاسة فيمكن للحمار أن يتصرف كما يوجهه صاحبه بكلمة أو مصطلح ما مثل "حا" للحركة والإسراع و"هيش" للتأني والتوقف خاصة في عملية النقل أو حراثة الأرض وتثليمها و"شو شو" للشرب.

التعليقات