أغرب قضية تنظرها المحكمة العسكرية الإسرائيلية

أغرب قضية نظرتها المحكمة العسكرية الإسرائيلية

-فتاة يهودية روسية وشاب فلسطيني من جنين زرعا عبوات ناسفة في مطاعم وأماكن عامة إسرائيلية لحساب "حماس"

-زيد الكيلاني من سجنه في "مجدو"

-لست سفاحا ولكن الاحتلال قتل شقيقي "زكريا" في مظاهرة سلمية خلال انتفاضة الأقصى فأردت الانتقام

-لو كنت مجرما لقتلت صديقتي اليهودية التي ساعدتني

غزة – دنيا الوطن

صديقة يهودية في "حولون" وحقائب مليئة بالمواد المتفجرة، وسلسلة عمليات عسكرية نفذها "زيد الكيلاني"، ادت الى مقتل إسرائيلي وجرح عدد من الإسرائيليين من بينهم المقدم يعقوب بن ديان، وهذه العلميات أشرف عليها الجناح العسكري لحركة "حماس".. جزء فقط من قصة غريبة تشهدها السجون الإسرائيلية الان والمحاكم العسكرية الإسرائيلية، بدأت بحب وانتهت بانفجار وطعن بالسكاكين واعتقالات.

في عام 1990 وصل "زيد الكيلاني" من سكان قرية "سريس" قرب مدينة "جنين" في الضفة الغربية الى مدينة "تل ابيب".

ويقول زيد في اعترافاته لدى محققي جهاز "الشاباك" الإسرائيلي: "في البداية ذهبت لمدينة "نابلس" ودخلت السجن لمدة سنوات بعد ان حاولت اجتياز الحدود للأردن، ولكن بعد خروجي من السجن قررت تغيير الاتجاه والذهاب الى مدينة تل ابيب فعلمت في أعمال مياومة وبدأت أعرف السلوك التل أبيبي فأعجبني جدا، وفي تلك المرحلة لم أفكر بالعمليات العسكرية مطلقا وكل ما اجتذبني هو نمط الحياة في تل ابيب".

وفي موازاة العمل والحياة في تل ابيب بدأ "زيد" يتورط مع الشرطة الإسرائيلية فقد حكم عليه في العام 1995 بالسجن سنة بسبب مكوثه غير القانوني في إسرائيل وبعد خروجه من السجن تورط في مخالفات أخرى فسجن مرة ثانية وبعدها ترك "تل ابيب" وتوجه الى "بيسان" حيث اعتقل للاشتباه به في مخالفات قانونية، ولكن أخلى سبيله لعدم كفاية الأدلة.

وفي عام 1999 عاد "زيد الكيلاني" لمدينة "تل ابيب"، واعتقلته الشرطة الإسرائيلية مرة اخرى وهو يحمل سكينا، ولكن في هذه المرحلة أقام علاقات مع عرب ويهود في تل ابيب، حتى تعرف "زيد" على فتاة يهودية روسية الأصل "انجيليكا يوسيبوف" في 15 شباط 2000.

وتقول "انجليكا" في اعترافاتها لدى المخابرات الإسرائيلية: "لقد كنت اتصل هاتفيا مع صديقي في الشارع فتوجه الي شاب فجأة وحاول التحرش بي فداس على قدمي وهكذا بدانا نتبادل أطراف الحديث، الشاب أعجبني وقد كان شابا وسيما وجميلا، قال إن اسمه "رامي" وانه درزي يخدم في الجيش الإسرائيلي وفي اليوم التالي اتصل معي واتفقنا على اللقاء عند صديق يهودي في تل ابيب كان في الشقة عدد من العرب، وقال لي أنهم أصدقاؤه وكانوا يتحدثون باللغة العربية، فسألته مرة اخرى إن كان درزيا حقا، الشاب اعترف لي أنه من قرية قرب جنين، أصبت بالصدمة ولكنني قررت ان هذا الأمر لا يضر بعلاقتنا".

وفي نفس الفترة عمل "زيد" كعامل في سوق الكرمل وعززت العلاقة بينه وبين "انجليكا"، ومع الوقت تعززت العلاقة اكثر واخذ "انجليكا" في نزهة الى رام الله ونابلس، وتجولا باستمرار في تل ابيب وإسرائيل حتى بدأت والدة "انجليكا" تقلق.

ووالدة "انجليكا" نجحت في إقناع صديقات ابنتها للتأثير عليها حتى تقطع علاقتها مع "زيد"، وفي احد الأيام سافرت "انجليكا" مع صديقتها في نزهة الى "قيساريا" حيث أقنعوها خلالها بوضع حد للعلاقة مع "زيد". ولكن جهود صديقاتها ذهبت هباء، ففي منصف الليل اكتشفت "انجليكا" ان "زيد" بانتظارها على درج منزلها وقال لها بانه لم يتركها تصعد للبيت، واخذها فعلا الى شاطئ "باتيام"، ولم يدعها تتوجه الى بيتها.

الانضمام لحماس:

بعد ذلك بشهرين وفي أوائل تشرين الاول /اكتوبر 2000، تلقى "زيد" نبأ بان عليه يعود الى قريته فورا، ويقول"زيد": "قالوا لي بأن اخي "زكريا" قد استشهد خلال احداث انتفاضة الأقصى، وكان من بين الشهداء الأوائل في الانتفاضة خلال مشاركته في مظاهرة قرب نابلس، وتبين لي أنه كان احد نشطاء منظمة"الطلائع الإسلامية".

فقررت العودة الى البيت فورا حتى أكون مع العائلة.

استشهاد "زكريا" غير تفكيري كليا، في كل ليلة كنت أشاهده في أحلامي، وصورته كانت أمامي 24 ساعة.

والدتي عانت وتألمت جدا وعندما شاهدت كيف تتألم بدأت أشعر أنني أريد أن تتألم الأمهات اليهوديات أيضا مثلها".

واصل "زيد" الاتصال مع "انجليكا" خلال وجوده في القرية هاتفيا، وحدثها عما حصل لشقيقه، ولكنه لم يقل لها ما الذي يريد عمله. وخلال وجوده في القرية أيضا بدأ أعضاء حركة "حماس" يقيمون علاقة معه، وقال "زيد": "لقد أدركوا أنني غاضب وأنني أريد الانتقام وفي احد الأيام جاءوا الى منزلي وأقنعوني بالتوجه الى لقاءات في جامعة النجاح بنابلس فترددت عدة مرات ثم قررت الانضمام الى كتائب عز الدين القسام".

وغادر "زيد" قريته الى "تل ابيب" وفي هذه المرة كان قد قرر إلحاق الأذى باليهود والانتقام لموت أخيه، وفور وصوله الى "تلى ابيب" اتصل مع انجليكا حيث استأجر شقة لعدة أيام وفي 22 كانون الثاني 2001 شاهد "زيد" ضابط إسرائيلي برتبة مقدم "يعقوب ديان" في زيه الرسمي، وكان"زيد" يحمل سكينا كبيرا،فقرر ملاحقة الضابط في تل ابيب، حيث كان "يعقوب" يحمل عددا كبيرا من السلال وبها أغراض وخضراوات، وخلال قيامه بوضع الأكياس في صندوق السيارة قفز "زيد" عليه من الخلف وطعنه في عنقه بالسكين بطعنات قاتلة، وألقى بسكينه وهرب عائدا الى قريته، وأصيب الضابط الإسرائيلي بجروح بالغة ونقل الى المستشفى حيث أنقذت حياته بأعجوبة.

وبعد عودة "زيد" للقرية في الضفة الغربية، لم يحدث انجليكا عن حادث طعن الضابط الإسرائيلي بالسكين، واتصل بها هاتفيا بعد أيام من الحادث حيث اخبرها بأنه عاد لقريته.

وواصلت "انجليكا" الاتصال معه ولكن بلا جدوى، جتى اتصلت باحد أصدقائه وأبلغها بان زيد تزوج من ابنة عمه.

في 6 شباط 2001 يوم الانتخابات الإسرائيلية لرئاسة الحكومة، تزوج "زيد" من ابنة عمه "سهاد" واعلم أعضاء "حماس" في القرية أنه هو الذي هاجم ضابطا في الجيش الإسرائيلي في السوق بتل أبيب فقالوا له إنه الآن مكشوف في إسرائيل لن بصماته على السكين.

وقال "زيد" في اعترافاته: "قالوا لي من الأفضل ان أقوم من الآن بعمليات ناسفة لأنهم سيلقون القبض علي في نهاية المطاف ويلقون بي في السجن. هذا القول أقنعني وقررت التعاون معهم، وشرعوا في تدريبي على كيفية تفجير العبوات الناسفة من خلال الهاتف النقال وكيفية تنفيذ العمليات العسكرية".

وفي السابع والعشرين من شباط الماضي اتصل "زيد" مع "انجليكا" صديقته اليهودية الروسية، وقال لها بأنه في القرية، وفي نفس اليوم وعند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر أنهت "انجليكا" عملها وقررت الاتصال به ففاجأها انه موجود في "هرتسليا" وعرض عليها مقابلته فورا.

حقيبة متفجرات:

تقابلت "انجليكا" مع "زيد" وكان عصبيا ومتوترا جدا وسافرا معا في سيارة "تاكسي" باتجاه مدينة "حولون" الإسرائيلية، وأثناء ذلك أبرز "زيد" مسدسا بحوزته فسألته "انجليكا" وماذا يوجد في الحقيبة التي يحملها معه فقال لها بانها مفاجأة. كان "زيد" متوترا طوال الوقت ولم تسأله "انجليكا" عن الزفاف، وفي اليوم التالي استيقظ الاثنان عند الساعة الثانية عشرة ظهرا.

وفي ساعات الظهيرة سافر "زيد" و"انجليكا" في الحافلة رقم 5 في تل ابيب وهو يحمل حقيبته معه و"انجليكا" تحاول معرفة ماذا يوجد في داخلها. وسألته: ماذا يوجد في الحقيبة، قنبلة. فقال لها: اجل إنها قنبلة، فاعتقدت الفتاة الإسرائيلية بان "زيد" يداعبها، ونزلا من الحافلة في شارع "المونتيعنوري" ولم ترغب صديقته بالذهاب الى هناك لن ذلك الأكل لا يعجبها فأجبرها على الذهاب معه، حيث كان "زيد" يقرر كل ما يفعلانه.

وفي محل "الشاورما" طلبا الأكل، وتوجه "زيد" للمرحاض وغاب قليلا ثم عاد الى "انجليكا" وقال لها: هيا نذهب، فاعترضت صديقته لنهما لم يأكلا بعد إلا انه أصر على المغادرة وقال لها بانه سيطلب من المطعم تغليف الطعام لهما.

في هذه الأثناء ترك "زيد" عبوة ناسفة في مرحاض المطعم بانتظار التشغيل من خلال الهاتف النقال الذي يحمله. وتوجه "زيد" الى شاطئ "باتيام"، وعندما صعدا الى السيارة غير قراره وقرر التوجه الى "يافا". صديقته الإسرائيلية لم تجادله، وتوجه الاثنان الى "يافا" وهناك أكلا الشاورما التي يحملانها.

وفي مرحلة ما قرر "زيد" الاتصال بجهازه الهاتفي النقال لتشغيل القنبلة في مطعم الشاورما. واعتقدت صديقته بان زيد يتحدث مع زوجته. وهذا الأمر جعل "انجليكا" تشعر بإهانة كبيرة.

ولكن "زيد" لم يرد على صديقته، وبدأ الصديقان بالسير نحو بركة الدلافين وفي الطريق حدث صديقته الإسرائيلية بأنه ترك قنبلة ناسفة في مطعم الشاورما وانه يحاول تشغيل القنبلة، وفي تلك اللحظة اعتقدت بأنه جدي في كلامه. ثم عرض "زيد" عليها العبوات الناسفة الموجودة بحوزته، ولكنها لم تتعامل مع الأمر بجدية، ووصلا الى بركة "الدلافين" وهناك وضع قنبلة اخرى بين الصخور، وابتعد الصديقان عن المكان حيث حاول تشغيل القنبلة بواسطة الهاتف النقال ولم ينجح أيضا.

بعد ان فشل "زيد" في تشغيل القنبلة عاد الى المكان وأعادها الى الحقيبة وحاول أن يفحص سبب عدم انفجارها وحاول تشغيلها وهي في الحقيبة ولكن على الطريق التقيا مع أصدقاء لهما من "حولون" وتوجهوا جميعا الى الجلوس على الصخور بجانب بركة "الدلافين" حيث كان قد وضع القنبلة للانفجار ولم تنفجر.وبعد فترة من الوقت، توجه "زيد" وصديقته الإسرائيلية الى يافا لزيارة أحد أصدقائه من العرب، وعلى الطريق قدم "زيد" القنبلة لصديقته الإسرائيلية "انجليكا" وحاول فحص سبب عدم فعاليتها. ووصلا الى شقة الصديق في" يافا" وعند مغادرتهما لشقة الصديق لاحظت "انجليكا" ان "زيد" نسي الحقيبة وأعطتها لزيد، فنظرا إليها مبتسما وقال: "أوشكت ان أنساها".

في الصباح قرر "زيد" العودة الى قريته وطلب من صديقته الاسرائيلية مرافقته حتى مدينة "الناصرة" إلا انها رفضت، وصعد زيد للسيارة بمفرده وقبل ان تنطلق السيارة اتصلت به انجليكا وقالت له انها تجد صعوبة في الافتراق عنه وإنها تريد ان تكون معه.

انطلقت سيارة "التاكسي" وعندما وصلت الى مفترق "ماي عامي" توقفت السيارة عند حاجز عسكري إسرائيلي وبدأ رجال الشرطة الإسرائيلية بفحص ركاب السيارة فما كان من "زيد" إلا ان اخرج مسدسه واطلق النار على حقيبة المتفجرات التي يحملها فانفجرت على الفور وأصيب "زيد" بإصابات بالغة بفعل الانفجار وقال "زيد": "عندما غادرت تل ابيب كنت محبطا لأن القنابل لم تنفجر. وقررت العودة الى البيت وعدم تنفيذ المزيد من العمليات ولكن عندما شاهدت رجال الشرطة الإسرائيلية توترت وقررت تفجير العبوة الناسفة".

وقتل في عملية انفجار حقيبة "زيد" اسرائيلي واحد وجرح ثمانية آخرون.

"انجليكا" تلقت النبأ من إحدى صديقاتها بعد ساعات وحدثتها عن العملية في مفترق "ماي عامي" ففهمت انجليكا بان الحديث يدور حول السيارة التي سافر بها زيد، واعتقدت بان "زيد" قد قتل في العملية فاتصلت مع إحدى صديقاتها وأخذت انجليكا تبكي وتقول "قتلوا زيد". وفي مساء ذلك اليوم اعتقلت انجليكا.

واكتشفت الشرطة الإسرائيلية القنبلة التي وضعها زيد في مطعم الشاورما "ملتقى فايتمان" في تل أبيب وقام خبراء المتفجرات الإسرائيليون بتفجيرها مما أسفر عن وقوع أضرار مادية كبيرة في المطعم ولكن بدون إصابات بشرية.

سجن مجدو:

وسعت "دنيا الوطن" للاتصال بزيد الكيلاني في سجن "مجدو" الإسرائيلي، حيث قال عبر محاميته نائلة عطية: "إنني إنسان ولم أتصور بان أصل لهذه المرحلة، لكن الاحتلال الإسرائيلي قتل اخي "زكريا" وكان أغلى شيء في حياتي، وقتل الاحتلال بذلك حب الحياة بداخلي، إنني لست مجرما ولا قاتلا ولو أردت قتل أي إنسان يهودي لقتلت صديقتي اليهودية "انجليكا" لأنها كان أقرب إنسانة إلي ورافقتني في حياتي داخل إسرائيل".

وأضاف "زيد" لدنيا الوطن: "إنني لست مجرما ولا سفاحا ولا احب ان أرى دما القتلى ولكني اختنقت بالمعاناة، حيث قتل شقيقي بدم بارد لمجرد مشاركته في مظاهرة سلمية خلال احداث انتفاضة الأقصى، ولم يعاقب ولم يحاكم من قتله من الجيش الإسرائيلي وقتل شقيقي في منطقة فلسطينية وليس في منطقة إسرائيلية لقد تظاهر كأي طالب جامعي دون ان يحمل سلاحا يشكل خطرا على الجيش الإسرائيلي فقررت ان أثأر من الإسرائيليين الذين يرتدون البزة العسكرية ومن مظاهر الاحتلال الإسرائيلي لقد لقد عشت بين اليهود ولم يميزوني، واستطعت ان اعيش مثلهم وتعايشوا معي، واكبر دليل على ذلك تلك الصديقة اليهودية التي لم تتركني، وهذا دليل على أنني إنسان طبيعي أستطيع ان اعيش مع الإسرائيليين وبين الإسرائيليين دون ان يميزوني، ولكن تعرضت لضربة قاسية ومؤلمة، فشقيقي "زكريا" كان يدرس الهندسة في السنة الثالثة في الجامعة وكان محل طموح والدي وطموح العائلة بان يتخرج كمهندس وليس عاملا في إسرائيل، وفجأة انهار هذا الحلم كله، لأنه تظاهر مع طلاب الجامعة فسقط شهيدا دون ان يكلف أحد المسؤولين الإسرائيليين نفسه عناء متابعة هذه الجريمة فقررت الانتقام".

وحول أسباب تفجير الحقيبة بنفسه فقال: "لقد قررت العودة الى قريتي بالقنابل التي احملها في الحقيبة ولكن عندما بدا الحاجز العسكري الإسرائيلي بالتفتيش للركاب، أدركت أنني سأواجه حكما إسرائيليا مؤبدا فقررت تفجير القنابل بالمسدس الذي كنت أحمله وبقيت حيا ولا أعلم هل هذا لحسن حظي أو لسوء حظي. وأريد أن أقول عبر "الصدى" بان الحياة لا تطاق مع الاحتلال، ويوجد بين اليهود من يعاملوننا كالكلاب، وسيولد بعد كل شهيد ألف منتقم".

محامية الدفاع:

تقول المحامية الفلسطينية نائلة عطية الموكلة بالدفاع عن زيد الكيلاني لدنيا الوطن: "إن المفارقات الموجودة في قضية "زيد"، ام تحدث سابقا في أي لائحة اتهام إسرائيلية حول عمليات للمقاومة ضد الاحتلال فلأول مرة تتضمن لائحة الاتهام، اتهامات لمواطنة إسرائيلية يهودية روسية الأصل، مع فلسطيني من الأراضي المحتلة وبين الفلسطيني الشاب والفتاة اليهودية علاقة صداقة وحياة مشتركة في تل ابيب. والمفارقات تبدأ بعد استشهاد شقيقه "زكريا" في مظاهرة طلابية في جامعة النجاح بنابلس، حيث كان يدرس في السنة الثالثة "هندسة" وكان "زيد" متعلقا بشقيقه جدان وحياته كانت مرتبطة به من قريب وبعيد، والعلاقة بينهما عميقة وبالتالي كانت صدمته كبيرة جدا لأنه فهم من أصدقائه والقريبون منه ان شقيقه الشهيد "زكريا" لم يقم بأي عمل يستحق ان يطلق عليه النار ويقتل بدم بارد خلال أحداث انتفاضة الأقصى".

وأضافت المحامية نائلة عطية: "وهكذا تنتهي حياة "زكريا" دون ان يكمل دراسته ويتحطم حلم العائلة في هذا الابن الناجح في دراسته، الذي قدر ان يتسلل عبر تلك السنين الكئيبة من الاحتلال والفقر لتحدي المصير المحتوم وهو العمل في إسرائيلي، لقد كانت العائلة تنظر الى "زكريا" بأنه سيغير من طبيعة وشكل حياتهم ولكن الصدمة كانت قوية. وبعد استشهاد شقيقه مكث "زيد" في قريته فترة بسيطة حيث بدأ في الصلاة وأصبح يبكي ليلا لوعة فراق أخيه ولرؤية المنظر الحزين في البيت من البكاء على "زكريا" فقد انهار الحلم، وأصرت أسرته على زواجه وتزوج من ابنة عمه "سهاد" فقرر "زيد" ان ينتقم من أي شيء يتجسد به الاحتلال.

وقد سألته هل فكر يوما بإيذاء صديقته اليهودية انجليكا فقال لي "زيد": "لم أفكر بإيذاء تلك الانسانة الطيبة الحنونة "انجليكا" رغم يهوديتها، وإننا يمكن ان نتعايش مع اليهود طالما يحترم اليهود حقوقنا ويعطينا حق تقرير المصير".

وبعد استشهاد شقيقة "زكريا" عاش "زيد الكيلاني" حالة من الصراع الرهيب، ما فرضته عليه الأيام الأخيرة باستشهاد شقيقته وبين الحياة التي عاشها في إسرائيل، لقد استطاع ان يعيش بين اليهود ونجح في ذلك لن ملامحه أيضا لم تكن عربية، فقد كان أزرق العينين، وأشقر ويجيد اللغة العبرية بطلاقة، أي كان من الصعب على اليهود أنفسهم تمييزه.

وبعد ان أطلق الرصاص من مسدسه على حقيبة المتفجرات على الحاجز العسكري الإسرائيلي تحول هذا الشاب الوسيم الى مأساة حقيقية ومحزنة للغاية فقد طارت يده اليمنى بفعل الانفجار وقبضته اليسرى قطعت نهائيا ووجه تشوه كليا واصبح معاق تماما يعاني في السجن من آلام نفسية رهيبة، وفي كل جلسة محاكمة أحضرها معه، يصرخ به الجمهور الإسرائيلي قائلا: "يا قاتل.. يا قاتل"، ويرد عادة عليهم بقوله: "لقد قتلتم أخي أولا وإذا واصلتم القتل ستجدون الكثيرون من أمثالي يفعلون ما فعلته". والحقيقة ان قضية "زيد" مأساوية جدا، والاحتلال الإسرائيلي أوجد هذه المأساة ويتحمل مسئوليتها وعجلة التاريخ تؤكد ان الاحتلال في طريقه الى الزوال وأذكر مثالا حيا، فأنا اجلس في المحكمة للدفاع عن "زيد الكيلاني" ويجلس بجانبي الحامي الإسرائيلي "شاحر الدر" والذي كان قبل سنوات يجلس على مقعد "النائب العسكري" ويطالب بإنزال أقصى العقوبة ضد الفلسطينيين المعتقلين، والآن يجلس هذا الشخص بجانبي محاميا يدافع عن "انجليكا" اليهودية الروسية صديقة "زيد".

وحول موقف "انجليكا" تقول المحامية نائلة عطية: "إنها معتقلة في السجن وما تزال تخضع للمحاكمة شان "زيد" وكانت تعرف بموضوع المتفجرات وبكت معه في السابق على استشهاد شقيقه "زكريا" ووقفت الآن في المحكمة وقالت للقضاة: "لا أريد ان أشهد ضد زيد فانا معه".

عائلة زيد:

وقال عرسان الكيلاني والد "زيد" لدنيا الوطن: "ولد زيد في عام 1973 ودرس في مدرسة "ميسلون" وكان مقربا من جدته، وفي الانتفاضة الولى أصيب بمعدته وكانت الإصابة خطيرة، وبقيت شظية في معدته حتى أخرجها الأطباء حديثا، وفي المرحلة الثانوية ترك المدرسة وعمل في إسرائيل، وسجن عدة مرات بسبب دخوله إسرائيل بدون تصريح، ولكن بعد استشهاد شقيقه "زكريا" أصبحت حالته النفسية صعبة جدا، وتزوج ابنة عمه ثم غادر جنين وقال إنه متوجه الى نابلس ولم نعلم انه ذهب لإسرائيل، وقد نشرت الصحف الإسرائيلية اتهامات زيد بعمليات عسكرية لا نعلم عنها في العائلة شيء".

وقالت شقيقة "زيد" لدنيا الوطن : "إن علاقة "زيد" بالفتاة اليهودية لم تكن العائلة تعلم بها، وكان شرط "زيد" على "انجليكا" أن تعلن إسلامها حتى يتزوجها وغن لم تدخل الدين الإسلامي لا يتزوجها، ولكن الأمور سارت بطريق آخر بعد استشهاد "زكريا" حيث أصبحت تصرفاته غير طبيعية فجأة أصبح يصلي ويصوم وأصبح شخصا متدينا ملتزما بالدين الإسلامي وفكر الأهل في زواجه، وقامت والدتي بخطبة فتاة له وأتمت موضوع الزواج خلال أسبوع. وقبل هذه المرحلة سجن في إسرائيل عدة مرات لمخالفات حول تصريح الدخول والهوية وعمل في أماكن عديدة في إسرائيل وفيما يتعلق بالعمليات العسكرية التي اتهم بها فقد نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن عمليات عديدة نحن في العائلة لا نعرف عنها شيئا، ولكن بالنسبة لنا لقد فقدنا "زكريا" باستشهاده و "زيد" المعتقل والذي أصبح يعاني من إعاقة دائمة، وهذه مأساة حلت بالعائلة نسأل الله الصبر والفرج".

التعليقات