خنساء فلسطينية فقدت 54 شهيدا من ذويها وتعيش على أمل اقامة الدولة الفلسطينية

خنساء فلسطينية فقدت 54 شهيدا من ذويها وتعيش على أمل إقامة الدولة الفلسطينية

غزة – دنيا الوطن
عندما نغوص في الجرح الفلسطيني النازف من نكبة عام 48 وحتى هذا الوقت نجد الكثير ممن يعانون من ذلك الجرح… وذلك هو حال رحاب كنعان المرأة الفلسطينية التي فقدت اكثر من 54 شهيدا والتي تطلق على نفسها بكل اعتزاز لقب "خنساء فلسطين".

ولمعرفة قصة خنساء فلسطين معاناتها وسبب فقدانها لشهدائها وظروف استشهادهم كان لدنيا الوطن هذا الحوار التالي مع رحاب كنعان "خنساء فلسطين".

متى بدأت معاناة رحاب كنعان او خنساء فلسطين؟

- بدأت معاناتي من مخيم تل الزعتر في لبنان، وسببها الاحتلال الذي هجرنا وهجر أهلنا من مواطنهم ، نحن من مهاجرين 48 من فلسطينيي لبنان ومن لاجئي مخيم تل الزعتر وانا ولدت في هذا المخيم عام 54 وعشت طفولتي والتي حرمت منها في تل الزعتر وترعرعت في ازقة شوارع المخيم وهنا حرمنا من طفولتنا وكنا نشعر وكأننا غرباء في المخيم مع أنني ولدت في لبنان في مخيم تل الزعتر.

- وحين بلغت سن الثالثة عشر أصر والدي على ان يزوجني وانا في ذلك الوقت كنت صغيرة ولم أعرف شيء عن الزواج والحياة الزوجية، وفي تلك الفترة بالذات حرمت من طفولتي ولم اعرف معنى الطفولة إلا حينما كبرت وتعلمت عرفت ان هناك شيء يسمى الطفولة التي لم اعشها والآن احاول ان اعيد طفولتي التي لم اعشها في حياتي حيث أنني كنت متزوجة وانا صغيرة جدا والذي يدخل غرفتي الخاصة بي الآن يشعر فعلا أنني حرمت من طفولتي بسبب ألعاب الأطفال التي تتواجد بكثرة في غرفتي وكل شيء يخص الطفولة ظنا مني ان استعيد شيء من طفولتي التي حرمت منها.

- *كيف كان لك ان تديري حياة زوجية رغم صغر سنك؟

- -طبعا من المؤكد ان يكون هذا الزواج فاشل لأنني كنت طفلة صغيرة جاهلة لم تعي شيء ولم تعرف شيء عن الزواج وزواجي دام 9 سنوات ثم تم الطلاق بيني وبين زوجي لعدم وجود أي تفاهم حتى تم الطلاق .

- *ما هي ظروف استشهاد أهلك وأقاربك او شهداءك الـ54؟

- -ان استشهاد أهلي هو الجرح الأول في حياتي ولم أرى الدنيا سوداء في نظري الا بعد استشهاد أهلي بالرغم من أننا مشردين في مخيمات حالتها رديئة ومحرومين من العيشة الرغدة كباقي البشر إلا أنني لم أشعر بهذا كله الا حينما فقدت أهلي في ملجأ بتل الزعتر حيث راح أهلي كلهم والدي ووالدتي واخوتي الخمسة وأخواتي الثلاثة، حيث لم يبقى لي في هذه الدنيا أحد ومع أهلي العشرة راح أعمامي ونساءهم وأطفالهم جميعا وكانت حصيلة شهدائي في هذا الملجأ 51 شهيدا كل أقاربي واهلي، وذلك تم في حرب تل الزعتر بتاريخ 12/8/1976 والتي راح ضحيتها حوالي 500 شهيد وكان نصيبي من الشهداء 51 شهيدا وهم عائلتي وعمومتي بأكملهم وبعد ذلك بقيت وحيدة مما جعل زوجي يستفرد بي ويطلقني. لعدم وجود والدي او اخوتي للوقوف بجانبي في هذه المحنة.. حيث بعد ذلك أصبت في قدمي ولم أجد من يقف بجانبي ويطالب معي بحق ضم أولادي لي، وهذا أول جرح بدا ينزف لي وبعد ذلك استشهد أبناء خالتي والذين كانوا هم الوحيدين من أقاربي الذين نجوا من الموت حيث بعد ذلك بلغ عدد شهدائي 53 شهيدا ولم يبقى لي أي قريب.

- *كيف تم استشهاد ابنك الذي تركتيه وهو عمره 6 سنوات؟

- -بعد ان ضاقت بي الدنيا في وجهي وأصبحت في هذه الدنيا وحيدة وهذا البيت يضمني لفترة وذاك البيت لفترة أخرى الى ان تقدم لي رجل أكبر مني سنا فوافقت عليه كي أتخلص من وحدتي واجد من يسندني ويساعدني على العيش بكرامة وكان زوجي السابق قد منعني من مشاهدة ولدي وبنتي وهددني ان حاولت أشاهدهم سيخرجهم من المدرسة ويحبسهم في البيت وخوفا على مصلحة أبنائي لم أجرؤ على مشاهدتهم حتى لا ينفذ تهديده وحين وافقت على زواجي الثاني من ذلك الرجل الكبير في السن كان عندي أمل ان أبى في لبنان بجانب أولادي حتى لو أراهم من بعيد وبدأت بعد ذلك حرب 82 وخرجت الى تونس مع زوجي وانقطعت الأخبار بيني وبينهم وطبعا مضت السنين وكانوا أولادي يكبرن في عقلي وقلبي وكأنني أراهم أمامي يكبرون.

وانا في تونس رجع زوجي في يوم من الأيام يحمل معه الجريدة كعادته، وكنت دائما أقرأ الجريدة بعد ما أجهز طعام الغذاء لزوجي وأولادي في هذا اليوم أخذت الجريدة من يد زوجي وبدأت أقرا فيها الى ان وقع نظري على اسم ابني من بين 50 اسم في الصفحة من أسماء الشهداء بعد ذلك أخذت أصرخ بأعلى صوتي لفقداني ابني ، وتأكدت من الخبر وعرفت انه استشهد في مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبها الجزار شارون وراح ضحيتها آلاف الأبرياء ومن ضمنهم ابني الذي لم رآه قلبي قبل ان تراه عيني والأصعب على نفسي أنه استشهد ولم أراه واكتشفت بعد ذلك ان ابني كان قد بعث لي رسالة يقول فيها لي "يا ماما خذيني عندك"، وكان على امل أن آخذه عندي واستشهد وعمره 15 سنة باستشهاد ابني بلغ عدد شهدائي 54 ألا يحق لي لقب خنساء فلسطين وجرح ابني هو الجرح العميق الذي لم تشفيه الأيام حتى الآن لنه استشهد وانا لم أراه ولم احضنه وذلك بسبب والده الذي حرق قلبي عليه. وكانت صدمتي باستشهاد ابني صدمة كبيرة جدا وبقيت حسرته تؤلم قلبي، وحتى الآن لم تنطفئ ناره، وجرحي الثالث هو استشهاد ابني الغالي ،ومع ذلك فشهدائي فخر لي مع أنني بقيت وحيدة بعد وفاة زوجي الثاني.

- *بعد استشهاد ابنك ، هل حدث بينك وين بنتك التي استشهد شقيقها أي اتصال؟

- -في تونس لم يكن لي أي اتصال مع بنتي ولم أعرف عنها أي شيء ولم أعرف ملامحها، وبعد عودتي الى ارض الوطن في 97 طبعا توفي زوجي، ورجعت وحيدة في هذه الدنيا مع انه يوجد عندي بنت وولد، لكن حسرتي ولوعتي على أولادي الذين تركتهم كانت كبيرة، ولكن كانت جهودي منصبة في البحث عن بنتي ومعرفة أخبارها وهناك كلفت صديقة لي بالبحث عن بنتي في لبنان فعلا نجحت صديقتي في مهمتها التي كلفت بها فوجدت بنتي وفي يوم كنت اتصل بصديقتي فردت عليّ بنت صغيرة في السن فانا ظننتها بنت صديقتي فقلت لها نادي لي أمك كي أحدثها وأسلها عن أخبار بنتي فردت وقالت كيف حالك يا ماما فلم أستغرب هذه الكلمات لأن بنت صديقتي تناديني يا ماما وبعد ذلك قالت لي ان "منية" يا ماما بنتك فحينها لم أتمالك نفسي ولم أصدق نفسي فسقطت سماعة الهاتف من يدي ووقعت على الأرض من اثر الصدمة الا ان احضر أولادي لي الماء ورشوه على وجهي وبعد ان صحوت من إغمائي واصلت الحديث معها الحديث مع بنتي التي حرمت منها حوالي 25 سنة ولكن سمعت صوتها ولم أرى صورتها، وعرفت منها أنها تزوجت ولها أولاد وكانت حسرتي حين علمت أنها تزوجت ولم أشارك في فرحها مع أنني أشارك في حفل زفاف الكثير من الناس ولم أستطع أشارك في حفل زفاف بنتي وبعد ذلك بقينا على اتصال انا وبنتي التي لم أحضنها من حوالي 25 سنة وبقيّ عندي أمل على ان التقي في يوم من الأيام ببنتي.

- *كيف جاءت فكرة الربط بينك وبين بنتك عن طريق تلفزيون "المنار"؟

- قصتي معروفة على صعيد قطاع غزة فجاءني مراسل تلفزيون "المنار" التابع لحزب الله الأستاذ عماد عيد وعرض عليّ فكرة الربط بيني وبين بنتي وان أشاهدها عبر الأقمار الصناعية فوافقت طبعا ورحبت بالفكرة لأنني سأشاهد بنتي بعد 25 عاما من الفراق ولو من خلال التلفزيون وأيضا هذا البرنامج أتاح لي ان أشاهد أناس لم أشاهدهم منذ 16 سنة، وفعلا تم الربط بيني وبين بنتي من خلال تلفزيون "المنار" وفعلا شاهدتها من شدة الحنين قمت لأحضن التلفاز ظنا مني أنني احضن بنتي ولقاء بنتي بعد 25 سنة كان له صدى كبير في نفوس الناس الذين شاهدوا البرنامج وهذا ما لمسته من خلال الاتصالات التي تلقيتها والتي تتساءل عن سبب الفراق بيني وبين بنتي فعلا كانت لحظة صعبة بالنسبة لي ولكن احمد الله وأشكر الاخوة الذين جعلوني أشاهد بنتي قبل ان أموت ويبقى جرحي العميق هي الحدود التي تفصلني عن بنتي وترحمني إياها والاحتلال هو السبب الرئيسي في هذه المعاناة.

التعليقات