الخطب الحماسية أوجدت ظاهرة استخدام القنابل اليدوية في غزة

الخطب الحماسية أوجدت ظاهرة القنابل اليدوية في غزة

العاب نارية في المظاهرات والجنازات والأفراح وغالبية

الضحايا من الأطفال

غزة-دنيا الوطن

لا تزال قضية الاستخدام العشوائي لما يسمى "الأكواع" وهي قنابل يدوية من صنع محلي ومواد متفجره من صنع محلي أيضا " من أكثر المعضلات تعقيدا وانتشارا في المجتمع الفلسطيني ,وازدادت الظاهرة خطورة بعد أن شاع استخدامها من قبل الأطفال بسبب توافرها و سهولة تصنيعها ما أدى إلى استشهاد عدد منهم و إصابة آخرين بجروح متفاوتة .

يوسف زقوت وعبد الله حمدونة ومحمد أبو نادي ثلاثة فتيان لا تزيد أعمارهم عن اثني عشر عاما وكانوا متفوقون في مدارسهم لكنهم قرروا التوجه إلى مستوطنة نتساريم ومهاجمتها بالاكواع فقتلهم جنود الاحتلال رغم انهم لم يهددوا حياة أحد.

واثارت الحادثة حملة استنكار واسعة في قطاع غزة لسببين أولهما لان جنود الاحتلال المتمركزين في محيط مستوطنة نتساريم قتلوهم بدم بارد ،وثانيهما حين علم المواطنون أن الفتية خرجوا للاستشهاد وبحوزتهم بعض الأكواع .

الظاهرة لم تنته من أزقة وشوارع المدن والمخيمات وما زال الأطفال يعبثون بالاكواع والمواد المتفجرة بعيداً عن المتابعة والتقويم ! وتزداد المشكلة صعوبة حين نعلم أن هذه المواد تباع في بعض المناطق والشوارع لقاء أموال قليلة تجعل من السهل الحصول عليها مما يزيد تعقيد المشكلة،ولكن لماذا يقدم الأطفال على استخدامها ؟ وإلى أي مدى وصل انتشارها ؟.

يقول الفتى حسام 18 عاماً من مخيم جباليا و الذي كان يجر قدميه بصعوبة : انفجر الكوع بين قدماي عندما كنت أحاول سحب الفتيل فاخترقت الشظايا الركبتين, ورغم مرور أكثر من ثلاث سنوات إلا أن وضعي لم يتحسن بعد .

وتابع : رغم إصابتي،لو توفر لي كوع فسوف استخدمه ولكن في مكان بعيد عن الناس لئلا يؤذي أحدا إذا انفجر وليس مهما أن يؤذيني شخصيا.

واعترف بخطورة الاستخدام العشوائي للكوع قائلا: كان صديقي يحاول صنع كوع في منزله فاحترق الكحول في وجهه و أحدث له تشوهات واضحة .

وقال الفتى جهاد معين 15 عاما من بيت لاهيا الذي فقد أربعة أصابع وجزءاً من يده اليسرى :أصبت مؤخرا حين كنت أتدرب على إطلاق الكوع برفقة مجموعة من أقراني لكن الكوع ارتد على يدي و أصابني بجروح ستبقى تلازمني مدى الحياة .

وأعترف باستخدام الكوع عدة مرات مشيراً إلى سهولة تصنيع وتوفر رخص ثمن المواد التي يتكون منها .

وقال إن الكوع متوفر في السوق بأسعار مناسبة , ولا يتعدى ثمنه 5- 7 شواقل أي ما بين دولار ودولار ونصف.

وقال المواطن أبو غسان 45 عاماً من رفح و الذي لا زال يعاني من آلام شديدة في بطنه جراء انفجار كوع :أنه أصيب حين أطلق مجهول كوعاً خلال مشاجرة عائلية مع جيرانه مما أضطره لإجراء عملية جراحية لانتزاع شظايا الكوع مؤكداً انه لا زال يعاني آثارها حتى الآن .

وقال المقدم صالح أبو العزوم مدير هندسة المتفجرات في الشرطه الفلسطينية :خلال العام الماضي تم رصد تسعة وسبعين إصابة بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الثانية عشر فضلا عن استشهاد أربعة مواطنين بسبب الاستخدام الخاطئ للكوع .

ويرجع أبو العزوم سبب انتشار الظاهرة بين الأطفال والمراهقين إلى رخص ثمن الاكواع وتوفرها في السوق باسعارمعقوله،إلى جانب توفر المواد التي يتكون منها مثل المواسير والبارود الأسود والكبريت .

وقال أن سهولة التصنيع ساهمت في انتشار الظاهرة ,أما عن تركيب الكوع فقال أنه عبارة عن ماسورة خارجية مسننة من الطرفين تغلق بسدادات وفي أحد الأطراف يترك ثقب يوضع فيه فتيل الإشعال و يتم حشو الكوع بالبارود أو الكبريت الأسود و بعد إشعال فتيل الكوع تتولد غازات تخرج بقوة من أضعف منطقة "الفتيل" فيسمع دوي انفجار قوي .

وأكد أبو العزوم أن نتائج الكوع غير إيجابية بتاتا فهو يندفع نحو عشرين مترا فقط وعندما يصل إلى المكان المستهدف يكون ضعيفا جدا ولا يحدث أية أضرار مشيراً إلى أن الأطفال الذين لا يجيدون استخدامه يعتقدون أنه أحد أشكال المقاومة فتكون النتيجة سلبية على الطفل حيث يرتد الكوع عليه ويصيبه ويسبب أضراراً كبيرة .

و أعرب عن قلقه العميق جراء انتشار الظاهرة على نحو واسع إلى حد أنها أصبحت أحد أشكال ردود الفعل خلال الشجارات العائلية العادية وبعد انتهاء المشكلة عادة ما تستدعى شرطة هندسة المتفجرات لتخليص منازل المواطنين من الأكواع .

وقسم أبو العزوم الأكواع إلى عدة أنواع منها ماهو كبير الحجم ومنها المتوسط و منها المسنن مؤكداً انه كلما كان الحجم كبيراً كلما كان صوت الانفجار قوياً والخطر عظيماً .

وأضاف: في إطار الحديث عن ظاهرة الأكواع يمكن الحديث أيضا عن القنابل محلية الصنع التي تصنعها فصائل المقاومة وتضع داخلها مادةT N T وتزودها بصاعق و كبسولة.

وقال أبو العزوم أن الأطفال يلقون بأنفسهم على جدران المستوطنات وبحوزتهم بعض الأكواع أملا منهم في مقاومة جنود الاحتلال داخل المستوطنات والحصول على الشهادة وقد تم بالفعل في أحد الأيام توقيف طفل كان متوجها وحده نحو مستوطنات شمال القطاع وبيده خمسة أكواع وأثناء الحديث معه اعترف أنه اشترى الأكواع وقرر أن يقاوم بها جنود الاحتلال ويستشهد .

وأضاف لا يقتصر استخدام الأكواع ضد جنود الاحتلال بل تعدى ذلك إلى اعتبارها أحد أشكال الألعاب النارية أثناء المظاهرات و الجنازات وحتى في حفلات الزفاف مؤكدا أنها تسببت في إصابة واستشهاد العديد من المواطنين .

و قال أن الشرطة وبالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم تقوم بحملات توعية لطلبة المدارس الابتدائية والإعدادية و لا زالت هذه الحملات سارية فضلا عن حملات التوعية التي تتم بالتنسيق مع الأندية والمخيمات الصيفية .

ونفى أبو العزوم السيطرة على الظاهرة مؤكدا أنها لا زالت منتشرة بين المواطنين وخاصة الأطفال.

ولفت إلى أن الأكواع كانت موجودة في المجتمع الفلسطيني قبل بدء الانتفاضة لكنها تحولت إلى ظاهرة مع بدء الانتفاضة وأخذت تزداد وتنتشر بشكل كبير خاصة بين الأطفال والشبان .

وتقول مصادر موثوقه أن هناك جهات تقوم بتسويق وبيع الأكواع لطلبة المدارس والفتيه بأسعار زهيدة تشجعهم على اقتناء هذه الألغام واستخدامها خاصة أثناء ساعات الليل وأثناء المسيرات والتظاهرات الحاشدة التي تجري في المن والمخيمات الفلسطينية .

ويؤكد المتابعون للشأن الداخلي أن الظاهرة تنتشر في منطقة رفح بشكل كبير حيث تتم عمليات التركيب والتصنيع في أزقة وحواري الأحياء خاصة تلك التي تقع بالقرب من الحدود الفلسطينية المصرية.

وتمتلئ الذاكرة الشعبية بعشرات القصص والحكايات عن شبان أصابتهم شظايا ألا كواع بجروح لا تندمل وخلفت أثاراً عميقة على النفس والأسرة .

من جانبه أكد د. خالد دحلان الطبيب في برنامج غزة للصحة النفسية أن الطفل الفلسطيني يبحث عن بدائل للمقاومة ليساهم في العمل الوطني في محاولة لتغيير الواقع الذي فرض عليه..

و أضاف: لاحظنا من خلال دراسات و أبحاث موضوعية للواقع النفسي للأطفال في فلسطين أن الصدمة النفسية تشكل السبب الأول ,إضافة إلى ازدياد مستوى السلوك العدواني .

وأوضح أن معظم أطفال فلسطين لهم نشاطات في الانتفاضة إلا أن أحداً منهم لا يستشير والديه في هذه المشاركة .

و قال أن ذلك هو محاولة طفولية للتحرر و رد فعل على الظروف التي يحياها و لان وسائل المقاومة صعبة التوفير يجد الطفل ضالته في الأكواع كونها رخيصة الثمن ومتوفرة وسهلة التصنيع .

وأكد د. دحلان أن بعض الخطب الحماسية التي تلقى على مسامع الطفل و مشاهد تشييع الشهداء بطريقه فيها من العظمة ما يغري الطفل على تقبل فكرة الاستشهاد في سبيل الوطن رغبة منه في الحصول على مثل هذا التكريم و محاولة تقديم أي شىء لبلده فالطفل ينشأ وقد ذابت ذاته في ذات الجماعة التي يحيا فيها .

من جانبه قال د. محمد الهندي أحد قادة الجهاد الإسلامي في فلسطين أنه لا يمكن اتهام الفصائل باستخدام الأطفال في أعمال المقاومة مؤكداً أن من يتم تجنيده من الشبان يكون على قدر من الوعي والمسئولية و القدرة على تحمل أعباء التدريبات العسكرية الشاقة و التي تحتاج حتما لبنية جسدية لا تتوفر للأطفال .

وأضاف: الفتية الذين يستخدمون الأكواع ضد قوات الاحتلال يخرجون بشكل ارتجالي عشوائي كرد فعل على الظروف التي يعيشونها .

وأعرب الهندي عن تذمره من انتشار الظاهرة بين أطفال فلسطين مؤكدا ضرورة الوقوف في وجهها ومنح الأطفال فرصة من الوقت لينموا و يكبروا و يقدموا لوطنهم خدمات تفيده .

واشار إلى أن الفصائل الفلسطينية تنبهت للظاهرة بعد أن خرج ثلاثة فتيان نحو مستوطنة نتساريم واستشهدوا هناك.

وأضاف أن ظاهرة الأكواع منتشرة في رفح لأنها على تماس مباشر مع جنود الاحتلال و لم يعد يكفي الأطفال رمي الجنود بالحجارة فبحثوا عن بدائل للمقاومة يشعرون إنها اكثر جدوى ومن ثم انتشرت الظاهرة في كل قطاع غزة ولكن بشكل أقل.

*الدار

التعليقات