قباطيا قتلت اول عميل واسست كتائب القسام وتحولت الى مدينة الاستشهاديين

قباطيا قتلت اول عميل واسست كتائب القسام وتحولت الى مدينة الاستشهاديين


غزة-دنيا الوطن

تنبّؤك روابيها بحكايات ، و تقصّ عليك بيوتها أروع القصص ، و يقودك تاريخها إلى عراقة الأجداد ، تلك هي قباطية ، فمن مركزٍ لاستراحة القوافل أيام الفاطميين الذين أسموها قماطية ، نسبة إلى الربط و الحزم ، إلى جذورٍ امتدت آلاف السنين نشأت "قباطية عاشقة القسّاميين" ، و على 52900 دونم تمتد مساحة أراضيها التي يقطنها 18 ألف نسمة ، مرتفعة نحو 400 متر عن سطح البحر ، قابعة على تلال منبسطة تمتد غرباً حتى تتقاطع مع سلسلة المرتفعات التي تحيط بالضفة الغربية ، تحدّها مدينة جنين و قرية برقين من ناحية الشمال ، فيما تحيط بها سهول تلفيت و أم التوت و جلقموس من ناحية الشرق ، أما قرى مسلية و صانور و ميثلون فتقف على حدودها الجنوبية ، و عن أول من سكنها ، فمن الراجح أن عائلات الحرادنة و الحنايشة و آل أبو زيد ، و بعض أفرع من عائلة السباعنة و الزكارنة هم قاطنوها الأوائل ..

مآثر قباطية إبان الانتداب البريطاني :

إن المتتبّع لتاريخ هذه البلدة الفلسطينية الشامخة يلحظ أنها كانت و ما زالت عصيّة على الكسر صامدة في وجه كلّ أنواع الاحتلال التي مرّ بها الشعب الفلسطيني ، و كان لها فضل السبق في كثير من المواقف الجهادية على الساحة الفلسطينية ، فأهل قباطية ما زالوا يذكرون أنهم كانوا الأوائل في كثير من المواقف ، و منها في زمن الانتداب البريطاني:

- إن أول محاولة اغتيال يقوم بها مجاهد عربي فلسطيني كانت من نصيب أهل قباطية عام 1930 ، حين قام المجاهد البطل محمد عبد الغني أبو طبيخ سباعنة بإطلاق النار على المستشار القضائي لحكومة الانتداب في فلسطين "نورمان بنتويش" ، و قد كان لهذه العملية صداها الواسع إذ ذاك في فلسطين و خارجها .

- قام أحد رجال الشيخ عزّ الدين القسام من بلدة قباطية المجاهد محمد أبو جعب بقتل حاكم اللواء الشمالي "أندروز" و ذلك عام 1937 ، حيث كان للشيخ القسام و منذ انطلاقة ثورته رجالٌ آزروه من هذه البلدة و آزروا نشوء كتائب القسام في مهدها إبان انخراط حماس في عملها العسكري ، فهل التاريخ يعيد نفسه ؟

- قام المجاهد أحمد أبو الرب من قباطية و أحد جنود الشيخ القسّام باغتيال الحاكم العسكري لمدينة جنين "حوفت" و ذلك عام 1938 .

إن هذا التميّز في ساح الوغى ظلّ يميّز مجاهدي هذه البلدة على مختلف فترات الصراع ، فقد كان لهم بلاء حسن في حربي عام 1948 و 1967 .

قباطية تقتل أول عميل :

و مع اندلاع الانتفاضة الأولى "انتفاضة المساجد" عام 1987 .. لم تكن قباطية إلا لتتصدّر واجهة الأحداث مقدمة نحو 33 شهيداً بطلاً ، و الأهم من ذلك أنها كانت الوقود الرئيس لمختلف الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية سيما مجموعات الفهد الأسود التابعة لفتح ، و كتائب القسام التابعة لحماس ، و قد كانت قيادة مجموعات الفهد الأسود في الضفة الغربية تتبع بلدة قباطية ، منها تصدر الأوامر ، إضافة إلى أنها شكّلت مصدراً رئيساً و حيوياً للمقاومة كمصدرٍ من مصادر السلاح و المواد القتالية الأخرى على مستوى الضفة الغربية قاطبة ، و كانت السجون إذ ذاك تعجّ بمئات المعتقلين من أبناء البلدة في آنٍ واحد ..

كما و أنه يحسب لقباطيه أنه تمّ إعدام أول عميل في فلسطين في الانتفاضة الأولى فيها .. حيث قام أهالي البلدة بتاريخ 24/2/1988 و بشكلٍ جماعي بملاحقة العميل و قتله و من ثم تعليقه على عامود كهرباء وسط البلدة في مشهد مهيب تلاه حملة شعواء ضد العملاء في كلّ مكان ، حيث كان هذا العميل من العملاء البارزين الذين ينشرون الفساد علانية في البلدة ، و قد ارتقى إلى العلا في تلك الفترة أول شهيد لحماس في قباطية ، الشهيد محي الدين سوالمة خلال مواجهات مع قوات العدو داخل البلدة .

قباطية و نشأة كتائب القسام :

هي حكاية متميّزة ، و رابطة عظيمة تلك التي جمعت بين قباطية و كتائب القسام ، فكما كانت قباطية السباقة إلى تسجيل الأوائل في عمر الثورة الفلسطينية كان لها أيضاً سبق في العمل القسامي منذ بداياته .. و لا يكفي هذه البلدة أنها قدّمت إلى الآن 12 شهيداً قسامياً ، و هو رقم كبير إذا ما قورن ببلدة مثل قباطية .. فإن الأجمل من ذلك هو بدايات التكوين القسامي الذي انطلق من ربوات هذه البلدة .. فمع إعطاء الضوء الأخضر لإنشاء الجناح العسكري لحماس بتسميته الحالية في الضفة الغربية ، و بالطبع فإن التشكيل في الضفة قد تأخر عنه في القطاع الذي بدأ العمل العسكري المنظم لحماس فيه مبكراً - لأسباب معروفة – فإن فارساً من قباطية أعطِيت له الأوامر بعد أن أنهى دراسته الجامعية في الأردن بتشكيل النواة القسّامية الأولى في شمال الضفة الغربية ، هو الشهيد القسامي القائد المؤسس عبد القادر كميل ، و الذي تلقّى تدريباً على تصنيع المتفجّرات و عاد ينقل خبراته إلى إخوانه و يمهّد الطريق لانتقال العمل العسكري المقاوم في فلسطين إلى مراحل جديدة ، و قد أسّس العديد من الخلايا التي كان لها بصمات مميّزة لاحقاً ، لكنه استشهد خلال زرعه عبوة ناسفة في بلدة اليامون بتاريخ 13/8/1992 ، لكن بعد أن نسج علاقات متشعبة ، حيث كان اللقاء مع الشهيد المهندس يحيى عياش ، و الذي احتضنته قباطية بين ربوعها و هو يصنع العمل القسّامي النوعي الأول في عالم التفخيخ و المتمثّل في الردّ الأول على مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف عبر منفّذه رائد عبد الله زكارنة من قباطية و الذي فجّر سيارته المفخّخة في موقف للحافلات في مغتصبة العفولة بتاريخ 6/4/1994 ليوقِع تسعة قتلة و نحو 40 جريحاً في انفجارٍ هزّ أركان الأمن الصهيوني ... لقد أبَت قباطية إلا أن تكون كما كانت السبّاقة إلى ساح الوغى حتى في ذاكرة العيّاش و هو ينقش بمعادلاته الكيماوية رموزها الأولى في قباطية ..

طابور طويل من القسّاميين لحقوا إما بركب الاعتقال أو الشهادة أو المطاردة من هذه الأرض المباركة ، و الجميل أنهم رسموا خارطة الوطن في أكثر من موقع ، فليسوا جميعاً استشهدوا على أرض قباطية ، قسّاميون منهم استشهدوا على أرض عقربا قرب نابلس ، و قسّامي قبطاوي آخر استشهد في اشتباك مسلح على أرض خليل الرحمن ، و لا ننسى أن الاستشهادي صاحب الرد الأول سطّر ملحمته على أرض العفولة ، و آخر في هجومٍ على معسكر تياسير في الأغوار ، و آخر في معركة على أرض طوباس و آخر على أرض جنين .. هي كوكبة قسّامية قرّرت أن ترسم خارطة الوطن على طريقتها فكان لها ذلك ..

محمد صالح كميل ، التحق بربه شهيداً بعد اشتباك مع قوات الاحتلال دام نحو 11 ساعة في مدينة الخليل بتاريخ 14/1/1994 خاضه مع ثلاثة آخرين من فرسان القسّام استشهدوا جميعاً ، أما الشهيدان أحمد أبو الرب و أمجد كميل فقد انفجرت بهم سيارتهم المفخّخة في قرية عقربا حين كانا يقوداها إلى الهدف المطلوب بعد نصف ساعة من لقائهما مع المهندس يحيى عياش و الذي كتب الله له النجاة بأعجوبة من تلك الحادثة ، أما الأسد القسّامي محمد مصطفى أبو معلا سباعنة و الملقّب بـ "الأناسي" فقد اغتالته المخابرات الصهيونية بوضع السمّ في طعامه أثناء وجوده في مستشفى أريحا بعد أشهر قليلة بعد دخولها تحت سيطرة السلطة الفلسطينية ، في حين شهد العام 1996 استشهاد القائد محمد عساسفة "أبو القاهر" عبر زرع عبوة ناسفة في حديقة منزله في البلدة ...

أما شهرا آذار و نيسان من عام 2002 فقد قدّمت خلالهما قباطية ثلاثة قسّاميين من عائلة كميل ، ضمن أربعة قدّمتهم خلال انتفاضة الأقصى ، هم الاستشهادي صالح كميل منفّذ عملية اقتحام معسكر تياسير الصهيوني في الأغوار و الذي صرع خلاله عدداً من الجنود الصهاينة ، و شيخ مساجد قباطية الشهيد ظافر كميل و الذي استشهد خلال زرعه عبوة ناسفة لدورية صهيونية على طريق التفافي في ذات الشهر ، أما القسّامي الثالث فهو محمد كميل و الذي استشهد في شهر نيسان خلال ما عرف بعملية السور الواقي مع خمسة آخرين من قادة القسام على أرض طوباس في معركة استمرت سبع ساعات التحق خلالها بالرفيق الأعلى كلّ من الشهداء "قيس عدوان – سائد عواد – مجدي بلاسمة – محمد كميل – أشرف دراغمة – منقذ صوافطة" ..

تقول الذاكرة القسّامية أن هؤلاء القادة كانوا قد التجأوا إلى قباطية و سكنوا فيها فترة من الوقت أحبّوا خلالها البلدة و شعروا فيها بالطمأنينة ، إلا أن حادثة لم تكن بالحسبان اضطرتهم إلى مغادرة البلدة إلى طوباس حيث كان الموعد مع القدر ، إذ تصادف وجودهم في أحد الأحياء مع انفجارٍ هزّ أحد المنازل نجم عن عمل مقاوم كان يقوم بتحضير عبوة ناسفة ، الأمر الذي يعني أن المنطقة معرّضة لاجتياح صهيوني في أية لحظة مما اضطر الجميع إلى عمل تقييمٍ من نوعٍ جديد ، و لم يكن في حسابات القسّاميين حينها أن يذهبوا إلى طوباس ، حيث كان مقرّراً أن يتم تحضير استشهادي من تلك المنطقة من أجل تنفيذ عملية في اليوم التالي رداً على اجتياح جنين ، حيث يفترض أن يذهب قيس عدوان و أحد مرافقيه فقط إلى طوباس من أجل تجهيز الاستشهادي ، إلا أن تلك الحادثة اضطرت الجميع إلى المغادرة فكانت مشيئة الله ...

حاضنة القسّاميين قباطية ، عرفت رجلاً آخر احتضنته فترة طويلة و في مراحل مختلفة من مراحل عمله الجهادي ، إنه الشيخ القائد الشهيد نصر خالد جرار ، و من لا يعرف أبو صهيب ؟ كانت قباطية من بؤره الرئيسية في العمل المقاوم في الانتفاضتين و له فيها حكايات و حكايات ..

أما الشهيد القائد محمود أبو هنود .. فكم من ليلة قضاها متنقلاً بين بيوت هذه البلدة ، كلما اشتدّ عليه الخناق التجأ إليها تصون عهده و يصون عهدها إلى أن لقيَ الله شهيداً ..

ثائر زكارنة ، و الذي كان يلقّب في كتائب القسام بأبي العباس ، و يعرف بين المقاومين باسم قلب الأسد ، كان الشهيد القسامي الأخير الذي قدّمته قباطيه بتاريخ 19/2/2003 في عملية اغتيال جبانة ، لقد كان فارس الاشتباكات ، شارك في مختلف الاجتياحات التي تعرّضت لها جنين ، و يعرف عنه بسالته في القتال ، و كان قد تسلّم قبيل استشهاده قيادة كتائب القسام في منطقة جنين ..

أوَ لا تستحق قباطية بعد كلّ هذه الروائع القسّامية أن تسمّى عاشقة القسّاميين .. لقد بدأنا نسمع هذا الاسم في المهرجانات التي تقيمها حماس و في النشرات التي توزّعها الحركة الإسلامية في البلدة ، و حقّ لقباطية أن تحمل هذا الوسام العظيم ، فقد رسمت جدارتها في ذلك عبر بحرٍ من الدم .

خلف القضبان من جند القسّام :

أما معتقلوا قباطية من جند كتائب القسّام فهم كثر و منهم : القسّامي محمد الحاج كميل (25 عاماً) ، و هو محكوم بالسجن المؤبّد مرتين ، و معتقل منذ العام 1994 على خلفية عملية رائد زكارنة الاستشهادية في العفولة ، و يحسب لمحمد موقف سجّله قبل عدة أشهر حين تمكّن و لأول مرة في تاريخ سجن عسقلان من الهروب من السجن مع رفيقٍ له ، حيث ألقِي القبض عليهما في اليوم التالي في المنطقة الصناعية في عسقلان ، و قد هزّت عملية الهروب تلك إدارة السجن التي تفتخر بأنه الأقوى على صعيد التحصينات .

كما لا يمكن للذاكرة أن تمحو اسم الشيخ علي أبو الرب أحد القسّاميين الأوائل في قباطية ، و الذي قدم من الأردن بعد أنهى دراسة الهندسة الكيماوية فيها من أجل تشكيل الخلايا القسامية و تدريبها و هو معتقل منذ 11 عاماً حيث يقضي حكماً بالسجن 19 عاماً دون تهم واضحة ، إلا أن المخابرات الصهيونية لا ترغب في رؤيته خارج المعتقل ، أما أخوه وهيب فيقضي حكماً بالسجن المؤبّد على خلفية قتله مجنّدة صهيونية في مغتصبة العفولة عام 1994 .

و لم يكن الجيل الجديد من معتقلي القسّام في هذه البلدة بأقلّ حظوة من السابقين و منهم : محمد خالد زيد و المعتقل منذ 1/10/2002 و كان قد تخرّج حينها من جامعة القسّاميين "جامعة النجاح" من كلية الشريعة و هو محكوم بالسجن تسع سنوات على خلفية مشاركته في العديد من الاشتباكات المسلحة .. أما أخوه يحيى و الذي يدرس في جامعة القدس المفتوحة و المعتقل في ذات التاريخ فتطالب المحكمة الصهيونية بحكمه 12 عاماً على ذات التهم ..

أما القسّاميان يوسف علي كميل و جهاد عبد الرحمن نزال ، فتطالب المحكمة الصهيونية بحكم كلّ منهما 15 عاماً على خلفية المشاركة في أعمال المقاومة ..

و كذا قافلة طويلة من المعتقلين .. ميمون حنايشة ، فيصل سباعنة ، مفيد نزال و ابنه محمد نزال ، توفيق كميل ، ناصر زكارنة ، محمد خزيمية و غيرهم .....

لقد غدت قباطية البؤرة البديلة لمدينة جنين في حالات الإغلاق ، تمرّ في شوارعها النابضة بالحياة ، حركة نشطة ، مقاهٍ في كلّ مكان ، و لكن للمقاهي في قباطية شيء غير اللهو ، فهي مقاهٍ عائلية ، فكلّ عشيرة لها مقهى هو أقرب إلى مفهوم الديوان منه إلى أي شيء آخر ... تستمر الحياة .. و تنبت الأرض الخصبة أجيالاً تتلوها أجيال .. و لكن يبقى محفوراً في ذاكرة الزمان "القسّام مرّ من هنا" ...

التعليقات