الجدار الفاصل..التفاصيل الهندسية ومراحل بنائه واثاره على الفلسطينيين
جدار الفصل العنصري
هيا.. نزل جدار الفصل العنصري
في التاسع من تشرين الثاني /نوفمبر 1989 سقط جدار برلين الذي كان رمزا لاحتجاز حريات الشعوب . والان ،وبعد أربعة عشر عاما ، تقيم دولة إسرائيل جدار الفصل العنصري ، الذي يجّسد العنصرية والعبودية والاستعمار ، ويتناقض مع القانون الدولي وحقوق الانسان وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره .
الآن ، ترتكب دولة إسرائيل أبشع جرائم العصر ،جريمة إقامة جدار الفصل العنصري ، الذي تجاهل وجود الانسان الفلسطيني بصفته الفردية والجمعية ، ففصل الفلاحين عن أرضهم وأرزاقهم ، وفصل العمال عن أماكن عملهم ، والتلاميذ عن مدارسهم ، والمرضى عن أطبائهم . إنها جريمة التطهير العرقي لمئات الالاف من المواطنين الفلسطينيين ،وضم أكثر من نصف مساحة الضفة الغربية للسيادة الاسرائيلية ، واقتلاع اكثر من مئة الف شجرة زيتون وفواكه ، وحبس شعب بأكمله داخل 64 معزلا ، هي اسوأ بكثير من معازل الفصل العنصري في جنوب افريقيا إبان العهد البائد .
تتذرع الحكومة الاسرائيلية وهي تقيم جدار العار بحاجة الاسرائيليين للأمن ، متغافلة عن أهم استنتاجات السياسيين والأمنيين القائلة ، بأن هذا الجدار لا يحمي ولا يوفر الامن للمدنيين داخل اسرائيل ، نظرا للتداخل المعقد بين الشعبين ، بل ان الجدار الذي يعطي كامل الحرية للمستوطنين ويسلبها من السكان الاصليين سيخلق الكراهية المولدة للعنف والانتقام ويؤجج الصراع والعداء ، كما تغافلت الحكومة الاسرائيلية عن الحقيقة القائلة ، أن السلام والأمن يتحققان فقط بانهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية ، وهذا ما دعت اليه مبادرة السلام العربية التي قدمت السلام والتطبيع الكاملين مقابل إنهاء الاحتلال. لكن حكومة اسرائيل اختارت الاحتلال والاستعمار والهيمنة والحرب ، وشرعت ببناء جدار الفصل العنصري على الارض . وواصلت عملية الخداع بالادعاء أن توفير الأمن للشعب الاسرائيلي يساوي شطب مقومات الاستقرار والعيش والبقاء للشعب الفلسطيني ، فأعادت الصراع الى بدايته الاولى .
إن إقامة جدار الفصل العنصري وما ينطوي عليه من جرائم حرب ، يعد انتهاكا جذريا للقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة ولخارطة الطريق . وقد عبر المجتمع الدولي عن معارضته ورفضه للجدار في كل المناسبات . لكن المعارضة الدولية لم تثن الحكومة الاسرائيلية عن مشروعها المدمر، فأمعنت في عنادها واستفزازها وأعلنت عن زحف الجدار شرقا وجنوبا ليحكم الخناق على كافة التجمعات الفلسطينية ، متحدية أكثر فأكثر إرادة المجتمع الدولي والشرعية الدولية .
منذ الآن ، لم يعد الاحتجاج كافيا ، وقد أصبح المجتمع الدولي مطالبا باتخاذ إجراءات عملية لوقف وإزالة الجدار ، ومساءلة دولة اسرائيل حول تحللها من الالتزامات الدولية بما في ذلك القانون الدولي ومعاقبتها جراء ذلك ، وإجبارها على وقف الجريمة البشعة التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني الاعزل وبحق الانسانية جمعاء . آن الأوان لتضافر جهود كل قوى السلام والديمقراطية ، وكل المدافعين عن حقوق الانسان ، وكل المناهضين للحروب وغطرسة القوة والعنصرية في العالم أن يرفعوا صوتهم عاليا ، ويقدموا على خطوات عملية صغيرة وكبيرة ضد جريمة العصر ، جريمة إقامة جدار الفصل العنصري الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية .
يدا بيد ، هيا بنا نزيل جدار العار .
*********************************************
طبيعة الجدار:
يعتبر الجدار الفاصل الذي تقوم اسرائيل ببنائه من الناحية المادية، منظومة من الوسائل والتجهيزات الهادفة الى اداء وظيفة مزدوجة: منع عمليات التسلل والانذار بحصولها. وهو يتكون من سياج الكتروني يحذر من كل محاولة لاجتيازه. من شرق الجدار وبجواره يتم شق "طريق خدمة"، والى جانبه سياج وبعده "قناة او وسيلة اخرى ترمي الى منع اقتحام السياج بمركبة". وغرب الجدار يخطط لاقامة ثلاث طرق: " طريق لتقص الاثر، ترمي الى الكشف عن آثار من اجتاز الجدار، وطريق دوريات وطريق مركبات مجنزرة". وقرابة الطريق الاخير سيقام سياج آخر (انظر الخارطة التوضيحية رقم1).
ان الاتساع المتوسط لهذه المنظمومة هو (60) مترا، ولكن بسبب الضرورات الطوبوغرافية، فانه "في حالات معينة يمكن للعائق ان يصل الى اتساع حتى (100) متر. وفي المقاطع التي يتطابق فيها مسار الجدار مع الخط الاخضر، وكذا في عدة مناطق، سيقام شرقه عائق إضافي يسمى "عائق عمق". والعنصر الاساسي في عائق العمق هو قناة عميقة والى جانبها سياج. وفي اماكن مختلفة سينخرط العائق الاساسي مع سور ضد النار او حائط مانع آخر. ومن المخطط ان تقام عدة بوابات على طول الجدار لغرض عبور الاشخاص والبضائع.
مراحل بنائه:
تتضمن عملية بناء الجدار الفاصل اربع مراحل على الشكل التالي:
المرحلة الاولى تتضمن بناء جدار يمتد من قرية سالم قرب جنين حتى مستوطنة الكنا، اضافة الى مقطعين آخرين في مسار "غلاف القدس". وقد اطلق على المرحلة الاولى من مشروع جدار الفصل الذي صودق عليه في حزيران (2002)، في عهد حكومة شارون الاولى، اسم "طريق آخر (أ)"، وقد تم انجاز العمل في هذه المرحلة بتاريخ 31/7/2003 (1) ويبلغ طول الجدار في هذه المرحلة نحو (128) كلم هو طول الجدار بين سالم والكنا، اضافة الى (22.5) كلم في غلاف القدس، أي ما يقارب (151) كلم. وتجدر الاشارة الى ان طول الجدار في المرحلة "أ" قد ازداد من نحو (116) كلم عند مصادقة الحكومة عليه، الى نحو (150) كلم وذلك لاعتبارات مختلفة.(2)
المرحلة الثانية من مشروع الجدار، طريق آخر ب"، صادقت الحكومة في كانون الثاني (2003)، وهو يتضمن يناء جدار الفصل في مسار يغلف مستوطنات جلبوع، بين سالم وتياسير.
وفضلا عن ذلك فهناك تخطيط لمرحلتين اخريين: "طريق آخر (ج)"، من الكنا الى معسكر عوفر بطول نحو (210) كلم، وطريق آخر (د)" من جنوب القدس حتى عراد بطول نحو (120) كلم. وهاتان المرحلتان في طور التخطيط الاولي ولم يتحدد جدول زمني لتنفيذهما. واذا ما اكتملت في نهاية الامر المراحل الاربع في مشروع "طريق آخر"، فسيكون طول عائق خط التماس الكامل نحو (600) كلم – ضعف مسار الخط الاخضر تقريبا. مع الاشارة الى امكانية تعديل طول الجدار، على غرار ما حصل في المرحلة الاولى، وذلك بسبب الضرورات السكانية والاعتبارات الامنية والسياسية والعقائدية. وهنا تجدر الاشارة الى انه يوجد تضارب في المعلومات التي اوردتها وسائل الاعلام الاسرائيلية حول الطول الحقيقي للجدار حيث تراوحت الارقام المتداولة والمتعلقة بطول الجدار بين (600 و 1000) كلم.
ويعد هذا الجدار الاطول الذي تبنيه اسرائيل لحماية نفسها. ولغرض المقارنة – فان طول جدار الحدود اللبنانية هو نحو (70) كلم، وطول الجدار حول قطاع غزة نحو (60) كلم. وبحسب تقدير قسم النقليات والتكنولوجيا في الجيش الاسرائيلي، المسؤول عن البناء، ستبلغ كلفة المشروع نحو (6.5) مليارات شيكل، وحسب المدير العام لوزارة الدفاع فان كلفة كل كلم من الجدار ستبلغ عمليا نحو (10) ملايين شيكل.
وفي الواقع، فان اقامة هذا الجدار بالضفة الغربية تختلف رغم كل الادعاءات الاسرائيلية عن السياج الذي يحيط بقطاع غزة، ولا وجه للمقارنة بين السياج بغزة والجدار بالضفة، نظرا للطبيعة والآثار المترتبة على كل منهما، وان الحقائق التالية تفند هذه الادعاءات الاسرائيلية:
اولا/ ان هذا السياج المكون من سياج مكهرب ومراقب الكترونيا، يتطابق مع خط الهدنة الذي كان قائما في الرابع من حزيران عام (1967) مع بعض التعديلات على حساب الاراضي الفلسطينية، لذلك لم يترك هذا السياج مناطق عازلة فاصلة بينه وبين خط الهدنة.
ثانيا/ ان هذا السياج اقامته اسرائيل في السنوات الاولى لاحتلالها قطاع غزة، ولم يكن له تاثير على السكان، خصوصا في ممارستهم لنشاطاتهم الاقتصادية او الاجتماعية، كما ان المنافذ البرية بين القطاع واسرائيل ومصر كانت مفتوحة دائما امام المواطنين قبل اندلاع انتفاضة الاقصى في (28/9/2000)، ولهذا يمكن ان يكون هذا السياج نموذجا للحدود بين دولتين ذات سيادة اذا تم الاتفاق بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، اما الجدار الفاصل الذي تشرع اسرائيل في اقامته في الضفة الغربية، فهو صورة حقيقية لنموذج الاستيلاء على الاراضي من جهة، والتمييز من جهة اخرى.
فهذا الجدار يتكون من سلسلة من الحواجز المكونة من الخنادق والقنوات العميقة والجدران الاسمنتية المرتفعة والاسلاك الشائكة المكهربة واجهزة المراقبة الالكترونية بالاضافة الى منطقة عازلة تفصل بين هذه الحواجز وخط الهدنة السابق الذكر، وسيلتهم مساحة (1328) كم مربع، أي بنسبة (23.4%) من جملة مساحة الضفة الغربية، وستشمل هذه المساحة المنطقة العازلة، وغلاف القدس الذي تصل مساحته الى (170) كم مربع، كما تضم هذه المساحة عشرات القرى والبلدات الفلسطينية في منطقة غلاف القدس.
كما ان اقامة هذا الجدار بالقرب من الحدود الغربية للضفة الغربية مقدمة لاقامة جدار آخر في الشرق ليضم منطقة الغور التي تشكل مساحة (1237) كم مربع، أي بنسبة (21.9%) من مساحة الضفة الغربية. هذا يعني ان اسرائيل تخطط لضم (45.3%) من مساحة اراضي الضفة الغربية.
الاثار المترتبة على بناء الجدار:
لقد كان هناك اجماع دولي على ان الجدار لا يترتب عنه الا آثار سلبية، حتى انه اصبح مدار جدل واسع على الساحة الاسرائيلية نفسها، كما سنرى لاحقا. واضافة لما لهذا الجدار المادي من آثار سياسية بالنسبة للفلسطينيين، الا ان الضرر الاكبر برز في الآثار المادية والاقتصادية، ففي تقرير صادر عن الادارة العامة للتربة والري في وزارة الزراعة الفلسطينية، ابرز انتهاكات قوات الاحتلال الناجمة عن الجدار الفاصل، اضافة الى شرح مواصفاته الفنية، وآثاره على المياه والتربة والقطاع الزراعي بشكل عام.
واظهر التقرير ارقاما واحصاءات مذهلة تتحدث عن الخسائر الناجمة عن هذا المخطط الخطير، حيث ان انتاج الزيتون سينخفض بسبب تقطيع آلاف الاشجار المثمرة والمعمرة بمعدل (2200) طن من الزيت في الاعوام المقبلة، اضافة الى انخفاض ثمار الفواكه بمعدل (50) طنا، والخضروات بمعدل (100) الف طن سنويا. كما سيفقد حوالي (10) آلاف رأس من الماشية مناطق رعيها، اضافة لتدمير المئات من البيوت البلاستيكية ومزارع الطيور وحظائر الحيوانات، مما سيؤدي على اضرار بالغة وتراكمية للاقتصاد الفلسطيني.
واشار التقرير الى ان نسبة الاراضي المروية تعادل (5%) من مساحة الضفة الغربية، ولكن مساهمة هذه النسبة المتواضعة في الانتاج الزراعي للضفة تساوي (52%)، في وقت تعتبر مناطق شمال الضفة من اهم المناطق المروية والحيوية، والتي اقيم الجدار الفاصل العنصري على اراضيها، مما جعل قلقيلية وحدها تخسر (8600) دونم بنسبة (72%) من اراضيها المروية، وكذلك سبع آبار للري الزراعي. وستؤدي اقامة الجدار الفاصل الى مصادرة (12%) من اراضي الضفة، وعند الانتهاء من هذا الجدار، سيصل العدد الكلي للمستوطنين الى (343) الف مستوطن. وصادر هذا المخطط (30) بئر مياه، فقط في محافظتي قلقيلية وطولكرم، بطاقة تصريفية عالية، مما سيفقد الفلسطينيين (18%) من حصتهم في هذا الحوض. وقال التقرير ان الجدار ضم اراضي (25) قرية فلسطينية بعد تدمير اقتصادها بالكامل وفصلها عن بعضها البعض، وبين ان المرحلة الثانية من المخطط ستعزل القدس عن الضفة الغربية، اضافة الى عزل (200) الف فلسطيني داخل "الخط الاخضر"(2).
وفي دراسة اعدها البنك الدولي، جاءت تقديراتها مشابهة لدراسات اخرى، حيث بينت ان الجدار الفاصل يمكن ان يبتلع (12%) من اراضي الضفة الغربية(3). وحسب الدراسة، فان المرحلة الاولى من بناء الجدار ابقت نحو (12) الف فلسطيني، يسكنون في (15) قرية، كمتضررين مباشرين من الجدار. ومع استكمال الجدار سيبقي (95) الف فلسطيني يسكنون بين الجدار والخط الاخضر (61) الف منهم في منطقة القدس)، و (20) الف فلسطيني آخر سيتأثرون من بناء الجدار ولكنهم سيبقون شرقيه. وان الجدار يجتاز دروبا زراعية وطرقا ويقطع السكان عن مصـادر مياههم، ومدارسهم، واعمالهم، وعن الخدمات العامة التي يتلقونها (4).
على الصعيد السياسي، فان الجدار اصبح التهديد المباشر لتشكيل كيان سياسي فلسطيني مستقبلي، وحوله الى نوع من البانتوستان، تغلق اسرائيل بوابته متى شاءت وتفرض حقائق ووقائع ناجزة على الارض من شأنها التأثير مباشرة على كل عملية تفاوضية وعلى طبيعة ومضون التسوية الدائمة، بل ان ثاثير الجدار تعدى هذا الجانب ليطال مباشرة نسيج الحياة اليومية للفلسطينيين واوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والصحية.
ولقد تطرق الكثيرون للاضرار التي تلحق بالفلسطينيين جراء بناء الجدار الفاصل، ومن هؤلاء المؤسسة الاسرائيلية لحقوق الانسان "بتسيلم"، التي اصدرت تقريرا شاملا تحت عنوان "الجدار العاطل" فصلت فيه ما يلحقه من اضرار اقتصادية واجتماعية وسياسية بحق الفلسطينيين(5). واشارت "بتسيلم" الى ان مسار العائق يمر داخل الضفة وفي مناطق معينة يصل حتى عمق (6-7) كلم.
ومساحة الارض بين العائق السياسي وبين الخط الاخضر في المسار بين سالم والكنا هي نحو (69.500) دونم، منها نحو (7.200) دونم هي مساحة الاراضي المبنية لعشر مستوطنات.
وقال تقريرها ان مساحة خمسة جيوب ستبقى شرقي العائق تتضمن نحو (65.200) دونم اخرى. وحسب بتسيلم، من المتوقع للعائق ان يؤثر سلبا بشكل مباشر على حياة نحو (210.000) فلسطيني على الاقل، يسكنون في (67) قرية وبلدة ومدينة. كما يخلق مسار الجدار خمسة جيوب من المدن والقرى الفلسطينية التي ستبقى بين الجدار الاساسي وبين الاخط الاخضر، تتضمن (13) قرية وبلدة يسكن فيها نحو (11.700) فلسطيني. اضافة الى خمسة جيوب اخرى شرق الجدار الاساس، تشمل (19) قرية وبلدة يسكن فيها نحو (128.500) نسمة.
ان اقامة الجدار تشكل ايضا انتهاكا لحقوق الانسان التي نصت عليها الاعراف والمواثيق الدولية، من خلال المس بحرية حركة الفلسطينيين، وانتهاك حقوقهم الملكية جراء مصادرة اراضيهم، والمس بمصادر رزقهم نتيجة الضرر اللاحق باراضيهم الزراعية التي تعتبر مورد رزقهم الرئيسي، وتشويش انظمة حياتهم جراء مسار الجدار الذي يؤدي الى عزلهم ضمن جيوب وفصلهم عن محيطهم الطبيعي، وهدم بيوتهم حيث أصدرت الادارة المدنية حتى الآن اوامر بهدم نحو (280) مبنى.
الدوافع الاسرائيلية الحقيقية لبناء الجدار:
النوايا السياسية الحقيقية العميقة لحكومة اليمين الاسرائيلي برئاسة "شارون" وراء اقامة الجدار الذي يسمى امنيا، هي استمرار واضح لسياسة سلب الاراضي وقضم المزيد فالمزيد منها لصالح اسرائيل والمستوطنات التي بنيت في المناطق، والحسم النهائي لموضوع الدولة الفلسطينية، على ان لا تقوم لها قائمة في ظل التفتيت والتشتيت الذي سيحدثه فيها الجدار. وذلك ناهيك عن التحطيم المنهاجي الذي يؤدي اليه الجدار في مجال حرمان مئات آلاف الفلسطينيين من قوتهم ومصادر رزقهم ومبرر وجودهم (6) ، وبالتالي دفعهم للهجرة شرقا.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا عرقل "شارون" بناءه على مدار عامين ونصف العام، وفقط مؤخرا قرر تبنيه؟ قد يكون ذلك املا منه انه سيساعده عل تثبيت المفاوضات في مرحلة ستقوم فيها دولة فلسطينية مؤقتة، حيث سيمثل الجدار حدودها العملية. ولذلك عندما قرر، وبتاخير ما، دعم اقامته، عمل على توسيعه. وهكذا خرب المشروع (7).
حتى على المستوى الامريكي، فقد كانت النوايا الاسرائيلية مكشوفة للادارة الامريكية، فلم يكن الرئيس "بوش" بحاجة لانتظار "شارون" حتى يعرف مغزى مسار الجدار الذي باعه الجيش لـ "شارون" و "موفاز".فـ "باول"، و "رايس"، يعرفان ان مسار الجدار، يبقي (40%) من اراضي الضفة خارج الجدار، وانه يقوم بتقطيع مناطق النفوذ الفلسطينية الكثيرة الى اجزاء وجيوب لا منطقية، ويدركون ان هذه الخارطة تعيد المواصلات الفلسطينية اربعة عقود الى الماضي الى الطرق التي كانت في العهد الاردني وان الطرق التي شقت قبل العام (1993) باموال الضرائب التي دفعوها ستستخدم من قبل الاسرائيليين فقط (8) ، بكل ما يعنيه ذلك من ظلم واضطهاد، وخلق معازل وتفرقة عنصرية، وتمييز عرقي ضد الفلسطينيين.
ومع ذلك فقد بقيت المواقف وردود الفعل الدولية دون المستوى الذي تستدعيه خطورة ومضاعفات اقامة هذا الجدار على واقع الفلسطينيين، وحقوقهم الوطنية، ومستقبلهم، ومصيرهم الوطني، وعلى عملية السلام والوعود والتطلعات التي تحملها في ثناياها، قياسا للمواقف والجهود الدولية المبذولة لدفع عملية السلام قدما – عبر خارطة الطريق باشراف الرباعي الدولي – التي باتت تاخذ مكانها على ارض الواقع خارطة الفاصل الاسرائيلية، على مسمع ومرأى من المجموعة الدولية بأسرها، وفيما يلي استعراض لاهم المواقف الدولية:
الموقف الامريكي: تعاملت الادارة الامريكية مع قضية الجدار كازمة خلافية، وقد جاءت تصريحات اركان الادارة الامريكية متباينة بين القلق والانتقاد الصريح والتحفظ الضمني على الجدار، حيث اعتبره الرئيس "بوش" بمثابة مشكلة يجب حلها(9) وقال "باول" ان بناء الجدار سيعيق عملية السلام، وعبر عن اعتراضه صراحة على الجدار قائلا انه "يمكن لامة ان تبني جدارا على ارضها، اذا هي شعرت بحاجة الى ذلك، لكن ما يدعو الادارة الامريكية للقلق بالنسبة للسياج الامني الاسرائيلي هو انشاؤه على اراض غير اسرائيلية.(10)، فيما صرح السفير الامريكي ان اقامة السياج، اكتسب صبغة سياسية، وتجاوز اهدافه الامنية(11).
وحتى تطمئن امريكا انها لن تتخلى عنها، اصدرت تصريحا على لسان مبعوثها "بيرنز" بانه "اذا كان الجدار يتعلق بامنها، فاننا نلتزم بذلك بشدة"(12). على صعيد آخر، اصدرت مصادر رفيعة في الادارة تصريحات شديدة اللهجة ترفض بناء الجدار وتعتبره معتقلا للفلسطينيين، وانه بمثابة قيام اسرائيل ببناء (100) مستوطنة جديدة(13).
ولان لاسرائيل مكانة خاصة لدى الادارة الامريكية لا تخفى على احد، فيبدو انه تم الاتفاق اخيرا على صيغة مقبولة بين الطرفين، سيستمر بموجبها الشعب الفلسطيني في معاناته على جميع الاصعدة، بل وقد تذهب ضحيتها رؤية الرئيس "بوش"، فقد صدرت تصريحات انه يمكن حل المشكلة مقابل ان تستمر اسرائيل في بناء الجدار على ان يؤخذ بالاعتبار المواقف الانسانية للفلسطينيين في (بعض) النقاط منه، وهذا جعل ما تمخضت عنه اللقاءات الاساسية بين الطرفين الامريكي والاسرائيلي (14).
الموقف الاوروبي: على المستوى الاوروبي، لم يتم بلورة موقف واضح بالنسبة للجدار، وان كانت هناك تصريحات كثيرة، فانها لم تتطرق الى استنتاجات، ولم تتعد الشجب والمطالبة بعودة الامور الى نصابها، "فـبلير" مثلا وصفه بالامر المقلق(15). والخارجية الفرنسية قالت انه يعيق تقدم العملية السلمية واقامة دولتين تتعايشان معا(16). اما مبعوث السلام الاوروبي الجديد، "مارك اوتي"، فقال انه اجراء لا مبرر له(17). بينما طالبت اللجنة الدولية لحقوق الانسان التابعة للامم المتحدة في بيان، اسرائيل بوقف بناء الجدار الامني، مؤكدة ان من شان هذا الجدار ان يفرض على الفلسطينيين قيودا اضافية غير مبررة في قسوتها، وانه لا بد من وضع حد لبناء الجدار(18). اما الموقف الروسي فجاء على لسان نائب وزير الخارجية، معتبرا ان بناء الجدار سيؤدي الى تعقيدات في تنفيذ خارطة الطريق (19).
الموقف الاسرائيلي: حكومة "شارون" تواصل صلفها ازاء نيتها الاستمرار في عملية بنائه، وفي تحد لـ "بوش"، قال "شارون" له اثناء لقائهما الاخير: لو كنت تستطيع ان تضمن لي تبديل الفلسطينيين بمكسيكيين، لكنت مستعدا لالغاء الجدار الفاصل(20). من جهتها، اعلنت وزارة الدفاع الاسرائيلية بشكل قاطع ان بناء الجدار الفاصل سيستمر، على الرغم من الخلافات السياسية والصعوبات المالية، لان الفلسطينيين لا يفهمون لغة اخرى، والعالم لن يقرر اذا كنا سنبني جدارا ام لا. وأكد ذلك "نتنياهو" بقوله: سنستمر في بناء الجدار(21). كما اكد مدير عام وزارة الدفاع ان الجهات المختصة بانتظار مصادقة على طول (350) كلم، مشيرا الى انه تم اقتلاع (66) الف شجرة زيتون خلال العمل في المقطع الاول(22). فيما صادقت اللجنة المالية للكنيست على تحويل (750) مليون شيكل، وذلك عشية سفر شارون الى واشنطن لتكون رسالة واضحة لبوش تؤكد تمسك اسرائيل باكمال بنائه(23).
وامعانا في الادعاءات الاسرائيلية عرض شارون صورا تزعم ان الجدار يسيطر على جزء صغير من قلقيلية لمنع اطلاق النار(24). بمعنى ان الحكومة الاسرائيلية تلح على تصوير البعد الامني للجدار على انه الغاية الرئيسية من اقامته، لكن الوقائع والحقائق الآنفة الذكر تدحض هذا الادعاء، وذلك ما تؤكده العديد من الاوساط الاسرائيلية نفسها، فقد اثار الجدار ردود فعل سياسية، حيث قال "متان فلنائي": الجدار الفاصل هو جدار سياسي واذا بني كما هو مخطط له حاليا فلن يسمح باقامة أي دولة فلسطينية(25). وقد كان الجانب المادي هو الذي دفع بالكثيرين الى تعبير موقفهم ضده، وحسب "ميخائيل ايتان": الظروف تغيرت ويجب اعادة النظر في اقامة الجدار الذي يكلف مليارات الشواكل(27).
اما الصحافة الاسرائيلية، فلم تكن اقل انتقادا من السياسيين، وقد لا يخلو يوم لا نطالع فيه مواقف متشددة ضد الجدار، سواء لاسباب سياسية، اخلاقية، اجتماعية، انسانية او اقتصادية، فالكاتب المعروف "جدعون ليفي" يصور المعاناة الانسانية للفلسطينيين، ويقول: الاسرائيليون لا يملكون تصورا للثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون عن هذا الجدار. بعد المستوطنات والمواقع الاستيطانية والطرق الالتفافية والمصادرات والطوق والاغلاق والبطالة وحظر التجول، تسقط على راسهم الأن هذه المصيبة التي تطال آلاف السكان الذين يقطنون في منطقة الجدار، والذين اصبحوا ضحايا من دون ذنب اقترفوه. الفلاحون الذين صودرت حقولهم وكرومهم، والرعاة الذين فقدوا مراعيهم، اصبحوا الآن عاطلين عن العمل وخسروا آخر مصدر رزق يقتاتون منه مرة اخرى، والقرى التي عزلت عن مصادر عيشها – كل هؤلاء لا يجدون من يكلف نفسه التحقق مما ينتظرهم ومما سيحدث مع حياتهم بعد ان قام جيش من الجرافات باجتياح اراضيهم(28).
واشارت هارتس في افتتاحية لها الى ان الهدف السياسي من الجدار نقله الى عمق السامرة يمنحه معنى الحدود السياسية، وهكذا تفوت الفرصة لتحقيق الهدف الاصلي في فكرة الجدار الذي يوشك على ان يصبح عائقا جديدا امام تحقيق تسوية بين الشعبين، حيث سيحرم الفلسطينيين من امكانية دولة ذات قدرة على الحياة على ارض متواصلة ويحبط نية الفصل بين الطرفين بشكل ناجع ويبقى الاختلاط القائم بين المجموعتين السكانيتين على حالة رغم الانفاق الكبير الذي يكلفه (29).
اما افيعاد فيسولي، فيجسد المازق المادي والامني الذي يسببه الجدار، ويقول: اذا صرفت الحكومة مليارات الشواكل على الجدار وصيانته من اجل محاولة القضاء على عنصر وحيد وصغير في المشروع الارهابي فانها ستشل القدرة على معالجة العناصر الاخرى لهذا المشروع. وبما ان الميزانية محدودة على الدوام فان التركيز على الجدار ونفقاته الهائلة سيضر بالبنود الاخرى في عملية المعالجة، وبذلك يقلل من عمليات الاحباط الهجومية ويزيد من عدد العمليات(30)، مفندا بذلك ما تدعيه الحكومة الاسرائيلية من اهمية خالصة لهذا الجدار الذي يستهدف حقيقة خلق وقائع جديدة على الارض تفرغ عملية السلام من مضمونها، وتحبط كل الآمال المبنية عليها، وهي تضرب بالصميم حقوق الشعب الفلسطيني وتبطل أي فرصة لاستعادة هذا الشعب لتلك الحقوق، وخاصة اقامة دولته المستقلة، لانعدام الامكانية الواقعية في ظل المصادرة الواسعة للاراضي وتقسيم المتبقي الى كانتونات تقوم على الفصل العنصري والتمييز، وتمهد للتطهير العرقي، بحرمان الشعب من مقومات العيش على ارضه ودفعه للهجرة شرقا.
وذلك ما يحتم ضرورة ايلاء هذا الجدار الاهمية والاولوية التي تستدعيها المخاطر الجسيمة لاقامته بما يشكله من تهديد مصيري للشعب الفلسطيني.
الهوامش
1) (وسائل الاعلام الاسرائيلية: 31/7)
2) (وفا: 5/7/2003)
3) (الفايننشال تايمز: 28/7)
4) (هأرتس: 18/5)
5) (تقرير بتسيلم: 26/5)
6) (ميرون ربابورت، المصدر الاستراتيجي: 3/6/2003)
7) (دان مرغليت، معاريف: 29/7/2003)
8) (عكيفا الدار، هارتس: 29/7/2003)
9) (وكالات انباء: 6/8)
10) (موقع يديعوت + صوت اسرائيل: 6/8)
11) (صوت اسرائيل + اذاعة الجيش: 17/7/)
12) (LBC: 18/7)
13) (اذاعة الجيش)
14(هارتس: 25/7)
15) (CNN: 30/7)
16) (الاهرام المصرية: 2/8)
17) (فرانس برس: 4/8)
18) (فراسن برس: 8/8)
19) (وكالة الانباء الروسية: 7/8)
20) (يديعوت: 2/8)
21) (يديعوت نت: 31/7)
22) (يديعوت نت + صوت اسرائيل: 31/7)
23) (صوت اسرائيل + الاذاعة العامة: 29/7)
24) (تلفزيون اسرائيل ق1: 29/7)
25) (الاذاعة العامة: 18/7)
26) (رويترز: 18/7)
27) (صوت اسرائيل: 23/7)
28) (هارتس: 1/5/2003)
29) هارتس: 24/3/2003)
30) هارتس: 24/6/2002)
المصدر:
الحملة الشعبية لمقاومة جدار النهب والضم والفصل العنصري
هيا.. نزل جدار الفصل العنصري
في التاسع من تشرين الثاني /نوفمبر 1989 سقط جدار برلين الذي كان رمزا لاحتجاز حريات الشعوب . والان ،وبعد أربعة عشر عاما ، تقيم دولة إسرائيل جدار الفصل العنصري ، الذي يجّسد العنصرية والعبودية والاستعمار ، ويتناقض مع القانون الدولي وحقوق الانسان وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره .
الآن ، ترتكب دولة إسرائيل أبشع جرائم العصر ،جريمة إقامة جدار الفصل العنصري ، الذي تجاهل وجود الانسان الفلسطيني بصفته الفردية والجمعية ، ففصل الفلاحين عن أرضهم وأرزاقهم ، وفصل العمال عن أماكن عملهم ، والتلاميذ عن مدارسهم ، والمرضى عن أطبائهم . إنها جريمة التطهير العرقي لمئات الالاف من المواطنين الفلسطينيين ،وضم أكثر من نصف مساحة الضفة الغربية للسيادة الاسرائيلية ، واقتلاع اكثر من مئة الف شجرة زيتون وفواكه ، وحبس شعب بأكمله داخل 64 معزلا ، هي اسوأ بكثير من معازل الفصل العنصري في جنوب افريقيا إبان العهد البائد .
تتذرع الحكومة الاسرائيلية وهي تقيم جدار العار بحاجة الاسرائيليين للأمن ، متغافلة عن أهم استنتاجات السياسيين والأمنيين القائلة ، بأن هذا الجدار لا يحمي ولا يوفر الامن للمدنيين داخل اسرائيل ، نظرا للتداخل المعقد بين الشعبين ، بل ان الجدار الذي يعطي كامل الحرية للمستوطنين ويسلبها من السكان الاصليين سيخلق الكراهية المولدة للعنف والانتقام ويؤجج الصراع والعداء ، كما تغافلت الحكومة الاسرائيلية عن الحقيقة القائلة ، أن السلام والأمن يتحققان فقط بانهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية ، وهذا ما دعت اليه مبادرة السلام العربية التي قدمت السلام والتطبيع الكاملين مقابل إنهاء الاحتلال. لكن حكومة اسرائيل اختارت الاحتلال والاستعمار والهيمنة والحرب ، وشرعت ببناء جدار الفصل العنصري على الارض . وواصلت عملية الخداع بالادعاء أن توفير الأمن للشعب الاسرائيلي يساوي شطب مقومات الاستقرار والعيش والبقاء للشعب الفلسطيني ، فأعادت الصراع الى بدايته الاولى .
إن إقامة جدار الفصل العنصري وما ينطوي عليه من جرائم حرب ، يعد انتهاكا جذريا للقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة ولخارطة الطريق . وقد عبر المجتمع الدولي عن معارضته ورفضه للجدار في كل المناسبات . لكن المعارضة الدولية لم تثن الحكومة الاسرائيلية عن مشروعها المدمر، فأمعنت في عنادها واستفزازها وأعلنت عن زحف الجدار شرقا وجنوبا ليحكم الخناق على كافة التجمعات الفلسطينية ، متحدية أكثر فأكثر إرادة المجتمع الدولي والشرعية الدولية .
منذ الآن ، لم يعد الاحتجاج كافيا ، وقد أصبح المجتمع الدولي مطالبا باتخاذ إجراءات عملية لوقف وإزالة الجدار ، ومساءلة دولة اسرائيل حول تحللها من الالتزامات الدولية بما في ذلك القانون الدولي ومعاقبتها جراء ذلك ، وإجبارها على وقف الجريمة البشعة التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني الاعزل وبحق الانسانية جمعاء . آن الأوان لتضافر جهود كل قوى السلام والديمقراطية ، وكل المدافعين عن حقوق الانسان ، وكل المناهضين للحروب وغطرسة القوة والعنصرية في العالم أن يرفعوا صوتهم عاليا ، ويقدموا على خطوات عملية صغيرة وكبيرة ضد جريمة العصر ، جريمة إقامة جدار الفصل العنصري الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية .
يدا بيد ، هيا بنا نزيل جدار العار .
*********************************************
طبيعة الجدار:
يعتبر الجدار الفاصل الذي تقوم اسرائيل ببنائه من الناحية المادية، منظومة من الوسائل والتجهيزات الهادفة الى اداء وظيفة مزدوجة: منع عمليات التسلل والانذار بحصولها. وهو يتكون من سياج الكتروني يحذر من كل محاولة لاجتيازه. من شرق الجدار وبجواره يتم شق "طريق خدمة"، والى جانبه سياج وبعده "قناة او وسيلة اخرى ترمي الى منع اقتحام السياج بمركبة". وغرب الجدار يخطط لاقامة ثلاث طرق: " طريق لتقص الاثر، ترمي الى الكشف عن آثار من اجتاز الجدار، وطريق دوريات وطريق مركبات مجنزرة". وقرابة الطريق الاخير سيقام سياج آخر (انظر الخارطة التوضيحية رقم1).
ان الاتساع المتوسط لهذه المنظمومة هو (60) مترا، ولكن بسبب الضرورات الطوبوغرافية، فانه "في حالات معينة يمكن للعائق ان يصل الى اتساع حتى (100) متر. وفي المقاطع التي يتطابق فيها مسار الجدار مع الخط الاخضر، وكذا في عدة مناطق، سيقام شرقه عائق إضافي يسمى "عائق عمق". والعنصر الاساسي في عائق العمق هو قناة عميقة والى جانبها سياج. وفي اماكن مختلفة سينخرط العائق الاساسي مع سور ضد النار او حائط مانع آخر. ومن المخطط ان تقام عدة بوابات على طول الجدار لغرض عبور الاشخاص والبضائع.
مراحل بنائه:
تتضمن عملية بناء الجدار الفاصل اربع مراحل على الشكل التالي:
المرحلة الاولى تتضمن بناء جدار يمتد من قرية سالم قرب جنين حتى مستوطنة الكنا، اضافة الى مقطعين آخرين في مسار "غلاف القدس". وقد اطلق على المرحلة الاولى من مشروع جدار الفصل الذي صودق عليه في حزيران (2002)، في عهد حكومة شارون الاولى، اسم "طريق آخر (أ)"، وقد تم انجاز العمل في هذه المرحلة بتاريخ 31/7/2003 (1) ويبلغ طول الجدار في هذه المرحلة نحو (128) كلم هو طول الجدار بين سالم والكنا، اضافة الى (22.5) كلم في غلاف القدس، أي ما يقارب (151) كلم. وتجدر الاشارة الى ان طول الجدار في المرحلة "أ" قد ازداد من نحو (116) كلم عند مصادقة الحكومة عليه، الى نحو (150) كلم وذلك لاعتبارات مختلفة.(2)
المرحلة الثانية من مشروع الجدار، طريق آخر ب"، صادقت الحكومة في كانون الثاني (2003)، وهو يتضمن يناء جدار الفصل في مسار يغلف مستوطنات جلبوع، بين سالم وتياسير.
وفضلا عن ذلك فهناك تخطيط لمرحلتين اخريين: "طريق آخر (ج)"، من الكنا الى معسكر عوفر بطول نحو (210) كلم، وطريق آخر (د)" من جنوب القدس حتى عراد بطول نحو (120) كلم. وهاتان المرحلتان في طور التخطيط الاولي ولم يتحدد جدول زمني لتنفيذهما. واذا ما اكتملت في نهاية الامر المراحل الاربع في مشروع "طريق آخر"، فسيكون طول عائق خط التماس الكامل نحو (600) كلم – ضعف مسار الخط الاخضر تقريبا. مع الاشارة الى امكانية تعديل طول الجدار، على غرار ما حصل في المرحلة الاولى، وذلك بسبب الضرورات السكانية والاعتبارات الامنية والسياسية والعقائدية. وهنا تجدر الاشارة الى انه يوجد تضارب في المعلومات التي اوردتها وسائل الاعلام الاسرائيلية حول الطول الحقيقي للجدار حيث تراوحت الارقام المتداولة والمتعلقة بطول الجدار بين (600 و 1000) كلم.
ويعد هذا الجدار الاطول الذي تبنيه اسرائيل لحماية نفسها. ولغرض المقارنة – فان طول جدار الحدود اللبنانية هو نحو (70) كلم، وطول الجدار حول قطاع غزة نحو (60) كلم. وبحسب تقدير قسم النقليات والتكنولوجيا في الجيش الاسرائيلي، المسؤول عن البناء، ستبلغ كلفة المشروع نحو (6.5) مليارات شيكل، وحسب المدير العام لوزارة الدفاع فان كلفة كل كلم من الجدار ستبلغ عمليا نحو (10) ملايين شيكل.
وفي الواقع، فان اقامة هذا الجدار بالضفة الغربية تختلف رغم كل الادعاءات الاسرائيلية عن السياج الذي يحيط بقطاع غزة، ولا وجه للمقارنة بين السياج بغزة والجدار بالضفة، نظرا للطبيعة والآثار المترتبة على كل منهما، وان الحقائق التالية تفند هذه الادعاءات الاسرائيلية:
اولا/ ان هذا السياج المكون من سياج مكهرب ومراقب الكترونيا، يتطابق مع خط الهدنة الذي كان قائما في الرابع من حزيران عام (1967) مع بعض التعديلات على حساب الاراضي الفلسطينية، لذلك لم يترك هذا السياج مناطق عازلة فاصلة بينه وبين خط الهدنة.
ثانيا/ ان هذا السياج اقامته اسرائيل في السنوات الاولى لاحتلالها قطاع غزة، ولم يكن له تاثير على السكان، خصوصا في ممارستهم لنشاطاتهم الاقتصادية او الاجتماعية، كما ان المنافذ البرية بين القطاع واسرائيل ومصر كانت مفتوحة دائما امام المواطنين قبل اندلاع انتفاضة الاقصى في (28/9/2000)، ولهذا يمكن ان يكون هذا السياج نموذجا للحدود بين دولتين ذات سيادة اذا تم الاتفاق بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، اما الجدار الفاصل الذي تشرع اسرائيل في اقامته في الضفة الغربية، فهو صورة حقيقية لنموذج الاستيلاء على الاراضي من جهة، والتمييز من جهة اخرى.
فهذا الجدار يتكون من سلسلة من الحواجز المكونة من الخنادق والقنوات العميقة والجدران الاسمنتية المرتفعة والاسلاك الشائكة المكهربة واجهزة المراقبة الالكترونية بالاضافة الى منطقة عازلة تفصل بين هذه الحواجز وخط الهدنة السابق الذكر، وسيلتهم مساحة (1328) كم مربع، أي بنسبة (23.4%) من جملة مساحة الضفة الغربية، وستشمل هذه المساحة المنطقة العازلة، وغلاف القدس الذي تصل مساحته الى (170) كم مربع، كما تضم هذه المساحة عشرات القرى والبلدات الفلسطينية في منطقة غلاف القدس.
كما ان اقامة هذا الجدار بالقرب من الحدود الغربية للضفة الغربية مقدمة لاقامة جدار آخر في الشرق ليضم منطقة الغور التي تشكل مساحة (1237) كم مربع، أي بنسبة (21.9%) من مساحة الضفة الغربية. هذا يعني ان اسرائيل تخطط لضم (45.3%) من مساحة اراضي الضفة الغربية.
الاثار المترتبة على بناء الجدار:
لقد كان هناك اجماع دولي على ان الجدار لا يترتب عنه الا آثار سلبية، حتى انه اصبح مدار جدل واسع على الساحة الاسرائيلية نفسها، كما سنرى لاحقا. واضافة لما لهذا الجدار المادي من آثار سياسية بالنسبة للفلسطينيين، الا ان الضرر الاكبر برز في الآثار المادية والاقتصادية، ففي تقرير صادر عن الادارة العامة للتربة والري في وزارة الزراعة الفلسطينية، ابرز انتهاكات قوات الاحتلال الناجمة عن الجدار الفاصل، اضافة الى شرح مواصفاته الفنية، وآثاره على المياه والتربة والقطاع الزراعي بشكل عام.
واظهر التقرير ارقاما واحصاءات مذهلة تتحدث عن الخسائر الناجمة عن هذا المخطط الخطير، حيث ان انتاج الزيتون سينخفض بسبب تقطيع آلاف الاشجار المثمرة والمعمرة بمعدل (2200) طن من الزيت في الاعوام المقبلة، اضافة الى انخفاض ثمار الفواكه بمعدل (50) طنا، والخضروات بمعدل (100) الف طن سنويا. كما سيفقد حوالي (10) آلاف رأس من الماشية مناطق رعيها، اضافة لتدمير المئات من البيوت البلاستيكية ومزارع الطيور وحظائر الحيوانات، مما سيؤدي على اضرار بالغة وتراكمية للاقتصاد الفلسطيني.
واشار التقرير الى ان نسبة الاراضي المروية تعادل (5%) من مساحة الضفة الغربية، ولكن مساهمة هذه النسبة المتواضعة في الانتاج الزراعي للضفة تساوي (52%)، في وقت تعتبر مناطق شمال الضفة من اهم المناطق المروية والحيوية، والتي اقيم الجدار الفاصل العنصري على اراضيها، مما جعل قلقيلية وحدها تخسر (8600) دونم بنسبة (72%) من اراضيها المروية، وكذلك سبع آبار للري الزراعي. وستؤدي اقامة الجدار الفاصل الى مصادرة (12%) من اراضي الضفة، وعند الانتهاء من هذا الجدار، سيصل العدد الكلي للمستوطنين الى (343) الف مستوطن. وصادر هذا المخطط (30) بئر مياه، فقط في محافظتي قلقيلية وطولكرم، بطاقة تصريفية عالية، مما سيفقد الفلسطينيين (18%) من حصتهم في هذا الحوض. وقال التقرير ان الجدار ضم اراضي (25) قرية فلسطينية بعد تدمير اقتصادها بالكامل وفصلها عن بعضها البعض، وبين ان المرحلة الثانية من المخطط ستعزل القدس عن الضفة الغربية، اضافة الى عزل (200) الف فلسطيني داخل "الخط الاخضر"(2).
وفي دراسة اعدها البنك الدولي، جاءت تقديراتها مشابهة لدراسات اخرى، حيث بينت ان الجدار الفاصل يمكن ان يبتلع (12%) من اراضي الضفة الغربية(3). وحسب الدراسة، فان المرحلة الاولى من بناء الجدار ابقت نحو (12) الف فلسطيني، يسكنون في (15) قرية، كمتضررين مباشرين من الجدار. ومع استكمال الجدار سيبقي (95) الف فلسطيني يسكنون بين الجدار والخط الاخضر (61) الف منهم في منطقة القدس)، و (20) الف فلسطيني آخر سيتأثرون من بناء الجدار ولكنهم سيبقون شرقيه. وان الجدار يجتاز دروبا زراعية وطرقا ويقطع السكان عن مصـادر مياههم، ومدارسهم، واعمالهم، وعن الخدمات العامة التي يتلقونها (4).
على الصعيد السياسي، فان الجدار اصبح التهديد المباشر لتشكيل كيان سياسي فلسطيني مستقبلي، وحوله الى نوع من البانتوستان، تغلق اسرائيل بوابته متى شاءت وتفرض حقائق ووقائع ناجزة على الارض من شأنها التأثير مباشرة على كل عملية تفاوضية وعلى طبيعة ومضون التسوية الدائمة، بل ان ثاثير الجدار تعدى هذا الجانب ليطال مباشرة نسيج الحياة اليومية للفلسطينيين واوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والصحية.
ولقد تطرق الكثيرون للاضرار التي تلحق بالفلسطينيين جراء بناء الجدار الفاصل، ومن هؤلاء المؤسسة الاسرائيلية لحقوق الانسان "بتسيلم"، التي اصدرت تقريرا شاملا تحت عنوان "الجدار العاطل" فصلت فيه ما يلحقه من اضرار اقتصادية واجتماعية وسياسية بحق الفلسطينيين(5). واشارت "بتسيلم" الى ان مسار العائق يمر داخل الضفة وفي مناطق معينة يصل حتى عمق (6-7) كلم.
ومساحة الارض بين العائق السياسي وبين الخط الاخضر في المسار بين سالم والكنا هي نحو (69.500) دونم، منها نحو (7.200) دونم هي مساحة الاراضي المبنية لعشر مستوطنات.
وقال تقريرها ان مساحة خمسة جيوب ستبقى شرقي العائق تتضمن نحو (65.200) دونم اخرى. وحسب بتسيلم، من المتوقع للعائق ان يؤثر سلبا بشكل مباشر على حياة نحو (210.000) فلسطيني على الاقل، يسكنون في (67) قرية وبلدة ومدينة. كما يخلق مسار الجدار خمسة جيوب من المدن والقرى الفلسطينية التي ستبقى بين الجدار الاساسي وبين الاخط الاخضر، تتضمن (13) قرية وبلدة يسكن فيها نحو (11.700) فلسطيني. اضافة الى خمسة جيوب اخرى شرق الجدار الاساس، تشمل (19) قرية وبلدة يسكن فيها نحو (128.500) نسمة.
ان اقامة الجدار تشكل ايضا انتهاكا لحقوق الانسان التي نصت عليها الاعراف والمواثيق الدولية، من خلال المس بحرية حركة الفلسطينيين، وانتهاك حقوقهم الملكية جراء مصادرة اراضيهم، والمس بمصادر رزقهم نتيجة الضرر اللاحق باراضيهم الزراعية التي تعتبر مورد رزقهم الرئيسي، وتشويش انظمة حياتهم جراء مسار الجدار الذي يؤدي الى عزلهم ضمن جيوب وفصلهم عن محيطهم الطبيعي، وهدم بيوتهم حيث أصدرت الادارة المدنية حتى الآن اوامر بهدم نحو (280) مبنى.
الدوافع الاسرائيلية الحقيقية لبناء الجدار:
النوايا السياسية الحقيقية العميقة لحكومة اليمين الاسرائيلي برئاسة "شارون" وراء اقامة الجدار الذي يسمى امنيا، هي استمرار واضح لسياسة سلب الاراضي وقضم المزيد فالمزيد منها لصالح اسرائيل والمستوطنات التي بنيت في المناطق، والحسم النهائي لموضوع الدولة الفلسطينية، على ان لا تقوم لها قائمة في ظل التفتيت والتشتيت الذي سيحدثه فيها الجدار. وذلك ناهيك عن التحطيم المنهاجي الذي يؤدي اليه الجدار في مجال حرمان مئات آلاف الفلسطينيين من قوتهم ومصادر رزقهم ومبرر وجودهم (6) ، وبالتالي دفعهم للهجرة شرقا.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا عرقل "شارون" بناءه على مدار عامين ونصف العام، وفقط مؤخرا قرر تبنيه؟ قد يكون ذلك املا منه انه سيساعده عل تثبيت المفاوضات في مرحلة ستقوم فيها دولة فلسطينية مؤقتة، حيث سيمثل الجدار حدودها العملية. ولذلك عندما قرر، وبتاخير ما، دعم اقامته، عمل على توسيعه. وهكذا خرب المشروع (7).
حتى على المستوى الامريكي، فقد كانت النوايا الاسرائيلية مكشوفة للادارة الامريكية، فلم يكن الرئيس "بوش" بحاجة لانتظار "شارون" حتى يعرف مغزى مسار الجدار الذي باعه الجيش لـ "شارون" و "موفاز".فـ "باول"، و "رايس"، يعرفان ان مسار الجدار، يبقي (40%) من اراضي الضفة خارج الجدار، وانه يقوم بتقطيع مناطق النفوذ الفلسطينية الكثيرة الى اجزاء وجيوب لا منطقية، ويدركون ان هذه الخارطة تعيد المواصلات الفلسطينية اربعة عقود الى الماضي الى الطرق التي كانت في العهد الاردني وان الطرق التي شقت قبل العام (1993) باموال الضرائب التي دفعوها ستستخدم من قبل الاسرائيليين فقط (8) ، بكل ما يعنيه ذلك من ظلم واضطهاد، وخلق معازل وتفرقة عنصرية، وتمييز عرقي ضد الفلسطينيين.
ومع ذلك فقد بقيت المواقف وردود الفعل الدولية دون المستوى الذي تستدعيه خطورة ومضاعفات اقامة هذا الجدار على واقع الفلسطينيين، وحقوقهم الوطنية، ومستقبلهم، ومصيرهم الوطني، وعلى عملية السلام والوعود والتطلعات التي تحملها في ثناياها، قياسا للمواقف والجهود الدولية المبذولة لدفع عملية السلام قدما – عبر خارطة الطريق باشراف الرباعي الدولي – التي باتت تاخذ مكانها على ارض الواقع خارطة الفاصل الاسرائيلية، على مسمع ومرأى من المجموعة الدولية بأسرها، وفيما يلي استعراض لاهم المواقف الدولية:
الموقف الامريكي: تعاملت الادارة الامريكية مع قضية الجدار كازمة خلافية، وقد جاءت تصريحات اركان الادارة الامريكية متباينة بين القلق والانتقاد الصريح والتحفظ الضمني على الجدار، حيث اعتبره الرئيس "بوش" بمثابة مشكلة يجب حلها(9) وقال "باول" ان بناء الجدار سيعيق عملية السلام، وعبر عن اعتراضه صراحة على الجدار قائلا انه "يمكن لامة ان تبني جدارا على ارضها، اذا هي شعرت بحاجة الى ذلك، لكن ما يدعو الادارة الامريكية للقلق بالنسبة للسياج الامني الاسرائيلي هو انشاؤه على اراض غير اسرائيلية.(10)، فيما صرح السفير الامريكي ان اقامة السياج، اكتسب صبغة سياسية، وتجاوز اهدافه الامنية(11).
وحتى تطمئن امريكا انها لن تتخلى عنها، اصدرت تصريحا على لسان مبعوثها "بيرنز" بانه "اذا كان الجدار يتعلق بامنها، فاننا نلتزم بذلك بشدة"(12). على صعيد آخر، اصدرت مصادر رفيعة في الادارة تصريحات شديدة اللهجة ترفض بناء الجدار وتعتبره معتقلا للفلسطينيين، وانه بمثابة قيام اسرائيل ببناء (100) مستوطنة جديدة(13).
ولان لاسرائيل مكانة خاصة لدى الادارة الامريكية لا تخفى على احد، فيبدو انه تم الاتفاق اخيرا على صيغة مقبولة بين الطرفين، سيستمر بموجبها الشعب الفلسطيني في معاناته على جميع الاصعدة، بل وقد تذهب ضحيتها رؤية الرئيس "بوش"، فقد صدرت تصريحات انه يمكن حل المشكلة مقابل ان تستمر اسرائيل في بناء الجدار على ان يؤخذ بالاعتبار المواقف الانسانية للفلسطينيين في (بعض) النقاط منه، وهذا جعل ما تمخضت عنه اللقاءات الاساسية بين الطرفين الامريكي والاسرائيلي (14).
الموقف الاوروبي: على المستوى الاوروبي، لم يتم بلورة موقف واضح بالنسبة للجدار، وان كانت هناك تصريحات كثيرة، فانها لم تتطرق الى استنتاجات، ولم تتعد الشجب والمطالبة بعودة الامور الى نصابها، "فـبلير" مثلا وصفه بالامر المقلق(15). والخارجية الفرنسية قالت انه يعيق تقدم العملية السلمية واقامة دولتين تتعايشان معا(16). اما مبعوث السلام الاوروبي الجديد، "مارك اوتي"، فقال انه اجراء لا مبرر له(17). بينما طالبت اللجنة الدولية لحقوق الانسان التابعة للامم المتحدة في بيان، اسرائيل بوقف بناء الجدار الامني، مؤكدة ان من شان هذا الجدار ان يفرض على الفلسطينيين قيودا اضافية غير مبررة في قسوتها، وانه لا بد من وضع حد لبناء الجدار(18). اما الموقف الروسي فجاء على لسان نائب وزير الخارجية، معتبرا ان بناء الجدار سيؤدي الى تعقيدات في تنفيذ خارطة الطريق (19).
الموقف الاسرائيلي: حكومة "شارون" تواصل صلفها ازاء نيتها الاستمرار في عملية بنائه، وفي تحد لـ "بوش"، قال "شارون" له اثناء لقائهما الاخير: لو كنت تستطيع ان تضمن لي تبديل الفلسطينيين بمكسيكيين، لكنت مستعدا لالغاء الجدار الفاصل(20). من جهتها، اعلنت وزارة الدفاع الاسرائيلية بشكل قاطع ان بناء الجدار الفاصل سيستمر، على الرغم من الخلافات السياسية والصعوبات المالية، لان الفلسطينيين لا يفهمون لغة اخرى، والعالم لن يقرر اذا كنا سنبني جدارا ام لا. وأكد ذلك "نتنياهو" بقوله: سنستمر في بناء الجدار(21). كما اكد مدير عام وزارة الدفاع ان الجهات المختصة بانتظار مصادقة على طول (350) كلم، مشيرا الى انه تم اقتلاع (66) الف شجرة زيتون خلال العمل في المقطع الاول(22). فيما صادقت اللجنة المالية للكنيست على تحويل (750) مليون شيكل، وذلك عشية سفر شارون الى واشنطن لتكون رسالة واضحة لبوش تؤكد تمسك اسرائيل باكمال بنائه(23).
وامعانا في الادعاءات الاسرائيلية عرض شارون صورا تزعم ان الجدار يسيطر على جزء صغير من قلقيلية لمنع اطلاق النار(24). بمعنى ان الحكومة الاسرائيلية تلح على تصوير البعد الامني للجدار على انه الغاية الرئيسية من اقامته، لكن الوقائع والحقائق الآنفة الذكر تدحض هذا الادعاء، وذلك ما تؤكده العديد من الاوساط الاسرائيلية نفسها، فقد اثار الجدار ردود فعل سياسية، حيث قال "متان فلنائي": الجدار الفاصل هو جدار سياسي واذا بني كما هو مخطط له حاليا فلن يسمح باقامة أي دولة فلسطينية(25). وقد كان الجانب المادي هو الذي دفع بالكثيرين الى تعبير موقفهم ضده، وحسب "ميخائيل ايتان": الظروف تغيرت ويجب اعادة النظر في اقامة الجدار الذي يكلف مليارات الشواكل(27).
اما الصحافة الاسرائيلية، فلم تكن اقل انتقادا من السياسيين، وقد لا يخلو يوم لا نطالع فيه مواقف متشددة ضد الجدار، سواء لاسباب سياسية، اخلاقية، اجتماعية، انسانية او اقتصادية، فالكاتب المعروف "جدعون ليفي" يصور المعاناة الانسانية للفلسطينيين، ويقول: الاسرائيليون لا يملكون تصورا للثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون عن هذا الجدار. بعد المستوطنات والمواقع الاستيطانية والطرق الالتفافية والمصادرات والطوق والاغلاق والبطالة وحظر التجول، تسقط على راسهم الأن هذه المصيبة التي تطال آلاف السكان الذين يقطنون في منطقة الجدار، والذين اصبحوا ضحايا من دون ذنب اقترفوه. الفلاحون الذين صودرت حقولهم وكرومهم، والرعاة الذين فقدوا مراعيهم، اصبحوا الآن عاطلين عن العمل وخسروا آخر مصدر رزق يقتاتون منه مرة اخرى، والقرى التي عزلت عن مصادر عيشها – كل هؤلاء لا يجدون من يكلف نفسه التحقق مما ينتظرهم ومما سيحدث مع حياتهم بعد ان قام جيش من الجرافات باجتياح اراضيهم(28).
واشارت هارتس في افتتاحية لها الى ان الهدف السياسي من الجدار نقله الى عمق السامرة يمنحه معنى الحدود السياسية، وهكذا تفوت الفرصة لتحقيق الهدف الاصلي في فكرة الجدار الذي يوشك على ان يصبح عائقا جديدا امام تحقيق تسوية بين الشعبين، حيث سيحرم الفلسطينيين من امكانية دولة ذات قدرة على الحياة على ارض متواصلة ويحبط نية الفصل بين الطرفين بشكل ناجع ويبقى الاختلاط القائم بين المجموعتين السكانيتين على حالة رغم الانفاق الكبير الذي يكلفه (29).
اما افيعاد فيسولي، فيجسد المازق المادي والامني الذي يسببه الجدار، ويقول: اذا صرفت الحكومة مليارات الشواكل على الجدار وصيانته من اجل محاولة القضاء على عنصر وحيد وصغير في المشروع الارهابي فانها ستشل القدرة على معالجة العناصر الاخرى لهذا المشروع. وبما ان الميزانية محدودة على الدوام فان التركيز على الجدار ونفقاته الهائلة سيضر بالبنود الاخرى في عملية المعالجة، وبذلك يقلل من عمليات الاحباط الهجومية ويزيد من عدد العمليات(30)، مفندا بذلك ما تدعيه الحكومة الاسرائيلية من اهمية خالصة لهذا الجدار الذي يستهدف حقيقة خلق وقائع جديدة على الارض تفرغ عملية السلام من مضمونها، وتحبط كل الآمال المبنية عليها، وهي تضرب بالصميم حقوق الشعب الفلسطيني وتبطل أي فرصة لاستعادة هذا الشعب لتلك الحقوق، وخاصة اقامة دولته المستقلة، لانعدام الامكانية الواقعية في ظل المصادرة الواسعة للاراضي وتقسيم المتبقي الى كانتونات تقوم على الفصل العنصري والتمييز، وتمهد للتطهير العرقي، بحرمان الشعب من مقومات العيش على ارضه ودفعه للهجرة شرقا.
وذلك ما يحتم ضرورة ايلاء هذا الجدار الاهمية والاولوية التي تستدعيها المخاطر الجسيمة لاقامته بما يشكله من تهديد مصيري للشعب الفلسطيني.
الهوامش
1) (وسائل الاعلام الاسرائيلية: 31/7)
2) (وفا: 5/7/2003)
3) (الفايننشال تايمز: 28/7)
4) (هأرتس: 18/5)
5) (تقرير بتسيلم: 26/5)
6) (ميرون ربابورت، المصدر الاستراتيجي: 3/6/2003)
7) (دان مرغليت، معاريف: 29/7/2003)
8) (عكيفا الدار، هارتس: 29/7/2003)
9) (وكالات انباء: 6/8)
10) (موقع يديعوت + صوت اسرائيل: 6/8)
11) (صوت اسرائيل + اذاعة الجيش: 17/7/)
12) (LBC: 18/7)
13) (اذاعة الجيش)
14(هارتس: 25/7)
15) (CNN: 30/7)
16) (الاهرام المصرية: 2/8)
17) (فرانس برس: 4/8)
18) (فراسن برس: 8/8)
19) (وكالة الانباء الروسية: 7/8)
20) (يديعوت: 2/8)
21) (يديعوت نت: 31/7)
22) (يديعوت نت + صوت اسرائيل: 31/7)
23) (صوت اسرائيل + الاذاعة العامة: 29/7)
24) (تلفزيون اسرائيل ق1: 29/7)
25) (الاذاعة العامة: 18/7)
26) (رويترز: 18/7)
27) (صوت اسرائيل: 23/7)
28) (هارتس: 1/5/2003)
29) هارتس: 24/3/2003)
30) هارتس: 24/6/2002)
المصدر:
الحملة الشعبية لمقاومة جدار النهب والضم والفصل العنصري

التعليقات