ساعة على أعتاب سفارة العراق في أوتاوا - كندا

ساعة على أعتاب سفارة آلعراق في أوتاوا - كندا !


بعد إتمامي لعمل خاص في عاصمة بلدي آلثاني أو الثالث و ربما آلعاشر كندا أحببت بعد غربة كئيبة و قاتلة إمتدت لأكثر من ثلاثين عاماً بسبب الدكتاتورية أن أطوف و لأول مرة حول سفارة بلدي آلعراق في أوتاوا - كندا , لعلي أشمّ منها رائحة آلرافدين أو العتبات و المطبات و ما أكثرها خصوصاً أيام الشباب في بغداد و آلتي إنقضت من غير رجعة _ إنما أعني شم ّرائحة الانسان العراقي آلأصيل الذي كان يفوح بالجود والسخاء والمحبة والنكتة البريئة والفطرة الصافية _ نعم فقط أردت أن أتذكر و أعيش تلك آلقيم التي فارقت افق العراق و لو لساعة واحدة , فالوطن يعيش فينا رغم وجودنا خارجه .. فقد مزق آلحاكمون و آلسلاطين و آلارهاب المنظم والغير المنظم ثم المذهبيون بدورهم آلجديد أوصال العراق و قيمه إرباً إرباً , حتى جاء دور آلمتشبثين بالاسلام و الديمقراطية معاً في خليط مُعقد لم يستوعبها لا الرئيس و لا المرؤس في حكومتنا .. فلم يكونوا أفضل من سابقيهم إلا قليلاً .. و سوف لن نتكلم عن مرجعيتنا الرشيدة في النجف الاشرف و آلتي إتخذت دوراً ثابثاً مع تغيير الزمان و المكان , ولم تؤثر و لم يؤثر فيها شيئاً ليستمروا و يستمر الوضع على وتيرة ثابثة كما لو كان الزمن يمر على شيخ آلطائفة الطوسي و الكليني و آلمفيد والحلي رحمة الله عليهم أجمعين و قدس الله أسرارهم , بل لا اجانب الحقيقة لو قلت و كأننا نعيش في زمن آلأئمة الاطهار عليهم السلام أو الرسول آلكريم (ص) بنفسه ـ أي توقف ساعة الزمن و كأن الفكر الأنساني قد تجمد في وطننا .
إن ما لفت إنتباهي - و أنا أنتظر على مدى أكثر من ساعة مع المنتظرين الذين إكتضّت بهم غرفة الأنتظار في السفارة العراقية في أوتاوا - إشارة المرور للّقاء بالسيد السفير - هو كثرة الكلام و اللوم و الضجر من تعامل السفارة مع المراجعين الذين جاؤوا لتكملة معاملاتهم آلمتعلقة بالسفر و الجنسية .. و عندما ركزت على مُراجع سليط كان أكثرهم نقداً من بين الجالسين ضد عمل و طريقة السفارة و تعاطيها الروتيني مع الزبائن عبر آلنظام الادراي آلقديم آلذي ما زال يعيش هو الآخر ضمن حلقات القرن الثامن عشر .. كما أشار ذلك المواطن آلعراقي إلى عدم إستخدام الحاسوب الاليكتروني في تنظيم شؤون المراجعين مما يسبب إتلاف وقت المراجع و المُراجع إليه , حيث يبدوا إنه من سابع المُستحيلات أن يتغيير أساليب النظام البائد في العراق بسهولة ليبقى إلى آلابد مُتخلفاً و عنيفاً و دكتاتورياً.. و هذه نتيجة طبيعية عندما يكون آلهم الأكبر للكتل السياسية وآلوجوه الحاكمة فينا هو كيف أحتفظ و أفوز باللذات و المناصب والانتخابات و لا يهم إن كان حقاً أو باطلاً .. صدامياً أو ميكافيلياً كردياً أو عربياً سنياً أو شيعياً لأن الجميع والحمد لله قد أتقن لغة واحدة لا يعرف غيرها و هي ؛ إسْتَعِدْ .. يس و يم .. و سرّررررررر !!
و عندما كرّرت طلبي لأحد العاملين في السفارة و للقنصل بعد مصافحته من وراء الكواليس وترحيبه بقدومي كوني مجرد كاتب و باحث و مفكر و مهندس أريد آللقاء بالسفير من أجل آلصالح العام و دراسة آلمشاريع و آلبرامج آلهامة لمصلحة العراق و العراقيين في الداخل و آلخارج !! و حين طلب مني السيد القنصل مزيداً من التوضيحات حول دعوتي ؛ أشرت له بعد مقدمات و توضيحات و أنا ما زلت واقفاً إلى مشكلة آلتعامل الاداري و الوظيفي مع المراجعين آلذين كانوا جالسين في غرفة إنتظار السفارة منذ الصباح الباكر وهم يأملون تكملة معاملاتهم منذ هذا الصباح لكن دون جدوى حيث شارفت الساعة آلواحدة و آلنصف من بعد الظهر , لكنني فوجئت وهو يقاطعني بالقول و من أنت حتى تحاسبنا : قلت له أنا كاتب عراقي كنت السبب في وجودل هنا بعد أن إنتخبت حكومتك , من حيث تدري أو لا تدري و هؤلاء أيضاً لولاهم لما كنت أنت موجوداً هنا ! ثم أردف قائلاً بلهجة إستكبارية : آلقانون فوق الجميع ؛ لكني قلت له : آلقلم المخلص بمحاذاة القانون إن لم يكن فوقه. إلى هنا لم يكن شيئاً يزعجني بل كنت أحسّ بأني أوؤدّي واجبي تجاه العراق و العراقيين فالوعي هو متاعي وبضاعتي الوحيدة ؛ حتى دار آلسيد القنصل رأسه ليسأل من ذلك آلمواطن الذي تشكّى كثيراً لي و أمام مرآى و مسمع الحضور بعد أن كنت قد أشرت لمشكلته و سبب مظلوميته و تأخره كثيراً حسب إدعائه ؟ لكنه تردّد في الجواب و سكت و كأنه كان خائفاً من عدم تكملة معاملته آلتي كانت على وشك الأنجاز فيما لو إعترف بما قاله أمامي ؟؟ تعجبت لأمره و تلونه و تلاعبه بالكلمات و تغيّر موقفه في غضون دقائق !! و عندما سألته بنفسي ؛ أ لست أنت الذي شكوت لي قبل قليل أمام الجميع عن سوء المعاملة و تخلف النظام الأداري و إمتعاضك من كثرة الانتظار .. فلم هذا التبدل آلسريع في المواقف ؟ لكنه ترّدد في جوابه بل و كذّب و آلسيد القنصل ينظر بإشمئزار لهذا المنظر .. و لا أدري ما كان يجول في آلخواطر أنذاك .. هل كان آلمُراجع يتصور بأن آلسفارة و شكل القنصل يوحي له بأنه ما زال يعيش في أجواء العهد البائد و القائد آلأوحد ما زال حاكماً ! و أن ما يهمه هو تكملة معاملته و (آنه شعليّه) و عساهم نارهم تاكل حطبهم – كما يقول المثل العراقي . و كذا لا أدري ما جرى في عقل و خواطر آلسيد القنصل الذي حاول أن يظهر نفسه متفهماً جداً لموضوع فتح قنصلية للعراقيين في تورنتو لولا آلصعوبات آلقاهرة و في مقدمتها آلمال .. و رغم إني إشرت لهذا آلموضوع بدون برمجة و على سبيل المثال كنقطة أخرى من النقاط التي كان بودي مناقشتها مع السفير إلا أن السيد القنصل و بإسلوب لم أتوقعه كونه دبلوماسي يعيش في كندا على الأقل قال : إنك آخر من أشرت لموضوع فتح قنصلية في تورنتو .. لكني قلت له : بأنني أشرت لك في بداية حديثي بأن موضوع القنصلية قد تمّ مناقشتها من قبلنا قبل سنوات مضت في تورنتو مع جمع من العراقيين آلمقيمين هناك .. أي قبل وصولك يا سيادة القنصل إلى كندا .. على أي حال كان يحاول آلتظاهر بالفهم و العلم على ما يبدوا , و ودعته .. حيث جاء دور ممثلة السفير (موظفه في السفارة) كلفها السفير إجراء حوار أولي معي كمقدمة للقائنا .. لكن السيد السفير نسى بأن وقت أصحاب آلفكر والقلم أثمن بكثير حتى من آلوزير الذي عينه هنا , و هكذا إمتد بنا الزمن مع آلآنسة (...) إلى أكثر من عشرين دقيقة أخرى, لأعادة ما دار بيننا مع السيد القنصل تقريباً .
إن أغرب ما رأيته هناك هو أن الجميع كانوا يتكلمون معاً و يسكتون معاً لذلك لا أحد يسمع الآخر. و بتعبير عراقي أدق _ حوار الطرشان.
و بعد أن أكملت بعض المقدمات مع آلموظفة المحلية (ألمترجمة ) , بل كتبت لها بقلمي عناوين الموضوعات آلتي كان بودي طرحها على السيد السفير آلذي لا أعرف مؤهلاته و مستواه العلمي والاكاديمي إلى هذه اللحظة , حيث يفترض به أن يكون على درجة عالية من الثقافة و آلمستوى العلمي و إلا فأنها تعد كارثة كبرى في آِلسلك الديبلوماسي العراقي , و لم يكن بوسعي إلا توديعها لعدم تمكني من آلانتظار أكثر من ذلك حيث توقعت أن الديبلوماسيين رفيعي آلفكر و المستوى خصوصاً إذا كان ضيفهم قادماً من مدينة بعيدة و كاتباً و مُفكراً لم يُعرف عنه إلا للحق ,كما كنت قد وضعت في خاطري ساعة واحدة فقط لهذا اللقاء, بالأضافة إلى أن آخرين كانوا بإنتظاري على مقربة من آلسفارة للرجوع إلى مدينتنا.. لذلك قلت لها : كما ترين فان أكثر من ساعة ربما ذهبت إدراج آلرياح دون نتيجة . و هذا هو حال العراق منذ أمد بعيد .. ألكل يدلي بنظره و الكل يتكلم و يعمل على هواه بدليل و بلا دليل لكن لا أحد يسمع , و لعل جميعهم لا يعلمون ما يقولون .
وان سفاراتنا في آلخارج عليها أن تعلم بأن ذلك المواطن الذي يقف على أعتاب آلسفارة هو اعظم ضمان لمنصبه بل هو الذي أتى به إلى هنا يوم لم يكن شيئاً ، و هو الذي علم المرشحين درساً في الالتزام والمسؤولية بشكل لا يوصف، فلقد راى المرشحون في الأنتخابات الماضية آلتي جرت في المحافظات كيف ان هذا الناخب أثاب المحسن وعاقب المسئ ، وفي هذه المرة أيضاً ؛ سيثيب هذا المواطن المُحسنين و يعاقب المُستغلين والمنتفعين ، لذلك على جميع المسؤولين أن يجتهدوا في خدمة الناس و رضاهم لأن الأمر لا ينتهي فقط بمجرد خسارة أو ربح مقام أو منصب دنيوي في سفارة أو وزارة ! بل هناك أيضاً حساب أخروي لا مناص منه . و لا حول و لا قوة إلا بالله آلعلي العظيم.

آلباحث و المفكر :
عزيز الخزرجي

التعليقات