الخادمات الأجنبيات مشكلة إضافية في لبنان

الخادمات الأجنبيات مشكلة إضافية في لبنان
غزة-دنيا الوطن
تحولت خادمات المنازل الأجنبيات في لبنان الى مشكلة أضيفت الى العديد من المشاكل الاجتماعية التي تسببت بها الازمة السياسية والاقتصادية المتمادية التي يعيشها لبنان منذ عقدين. ولا يمر يوم من دون أن نسمع أو نشاهد أو نقرأ عن مأساة خادمة أجنبية ألقت بنفسها من شرفة مخدومها، أو رمت بطفل مخدومها من النافذة، أو هربت، أو فقدت أعصابها، أو رحلت بسبب أوراقها غير الشرعية، وغير ذلك من المشكلات التي تتعرض لها أو تواجهها هذه الشريحة من العاملات في المنازل، والتي قدرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» عددها بـ 300 ألف في لبنان. في وقت جاء فيه تقدير المديرية العامة للأمن العام أكثر تواضعاً: 55 ألف خادمة أجنبية، بينما قدرت جمعية «كاريتاس» ـ مركز الاجانب، عدد غير الشرعيات فقط بنحو 50 ألفاً. وللدلالة على المأساة التي تعيشها هذه الخادمات ـ ومعظمهن من سري لانكا، واثيوبيا، والفلبين، ونيبال، وبنغلاديش وأخيراً مدغشقر ـ أصدرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» دراسة عن الواقع الاجتماعي لهذه الشريحة من المهاجرات، أشارت فيها الى أن 95 خادمة منزل وافدة في الاقل لقت حتفها في لبنان منذ يناير (كانون الثاني) 2007. وصنفت سفارات هؤلاء الوافدات 40 حالة منها على انها انتحار، فيما صنفت 24 حالة اخرى على ان سببها هو سقوط العاملات من مبان مرتفعة بسبب الفرار من أصحاب عملهن. لكن 14 حالة وفاة كانت بسبب أمراض أو لأسباب صحية. وكشف ممثل المنظمة العالمية في لبنان نديم حوري عن وفاة أكثر من عاملة منزل أسبوعياً في لبنان. ولفت الى ان الدراسة أظهرت أن الاسباب الرئيسية التي تدفع بهؤلاء الخادمات الى الانتحار أو المخاطرة بحياتهن تكمن في «حصر الاقامة قسراً في مركز العمل، وطلبات العمل المفرطة، وإساءات أصحاب العمل، والضغوط الاقتصادية».

وكانت صحيفة «لوموند» الفرنسية قد سبقت «هيومن رايتس ووتش» بكتابة تحقيقين عن الخادمات في لبنان، عنونت الاول: «خادمات للبيع»، والثاني: «لبنان، بلد العبيد» على الرغم من أن هذين التحقيقين انطويا على بعض المغالاة ومجافاة الحقيقة. وتحاول مجموعة من المنظمات الدولية والمحلية، كمنظمة العمل الدولية، ومكتب المفوضية الاوروبية لحقوق الانسان في الشرق الاوسط، و«هيومن رايتس»، ومنظمة كاريتاس ـ مركز الاجانب، ومنظمة «انسان» تسليط الضوء على الواقع الحقيقي لهذه الشريحة من العاملات الاجنبيات، فتشير الى «أن هؤلاء العاملات غير معرضات كلهن للاستغلال، ولكن عدداً كبيراً منهن يواجه المصاعب، مثل عدم دفع أجورهن، والعمل المفرط، وتقييد حرياتهن، والتعدي على حياتهن الخاصة، وحرمانهن من يوم الاجازة الاسبوعي، بصرف النظر عن الاساءات النفسية والجسدية التي يتعرضن لها».

وطبقاً لمسح احصائي أجراه الدكتور راي جريديني عام 2006 شمل 600 عاملة اجنبية في لبنان. قالت 56% منهن أنهن يعملن أكثر من 12 ساعة يومياً، فيما قالت 34% بأنهن لا يحصلن على يوم عطلة أسبوعي منتظم، وفي بعض الحالات، لقت عاملات حتفهن اثناء محاولة الفرار عبر القفز من شرفات المنازل التي يعملن بها». ويقول رئيس لجنة «كاريتاس لبنان ـ مركز العمال الاجانب، كمال السيوفي لـ«الشرق الاوسط»: «ان ما اختبرناه منذ عام 1994 في مركز لرابطة كاريتاس، ان قسماً كبيراً من هؤلاء الخادمات الاجنبيات يلقين معاملة حسنة، لكن ثمة قسماً آخر يقع ضحية سوء المعاملة والاستغلال، ويجرد الى حد ما من حقوقه الانسانية والاساسية، ولهذا يكثف مركز الاجانب الجهود والتعاون مع الجهات الحكومية ويستمر في تقديم الخدمات والاستشارات القانونية والاجتماعية لكل من يتقدم من المركز بطلب في هذا المجال».

ويقول ممثل منظمة العفو الدولية شار نصر الله لـ«الشرق الاوسط»: «لمسنا خلال محاولتنا التنسيق مع نقابة أصحاب مكاتب الاستخدام الخاصة بالعمال الاجانب بوادر مشجعة ورغبة في التعاون مع مجتمع حقوق الانسان للعمل على اصلاح أداء تلك المكاتب بغية تحسين أوضاع عاملات المنازل وظروف عملهن على نحو يتناسب مع مبادئ حقوق الانسان وحقوق العمل في العالم». ورحب بـ«المبادرات الاصلاحية التي تنوي النقابة القيام بها»، لكنه اعتبر انه «اذا بقي الانتساب الى النقابة غير الزامي فستبقى الجهود من دون جدوى».

وكانت النقابة قد تداعت، ولا سيما بعد عدوان يوليو (تموز) 2006 لأكثر من اجتماع، بغية معالجة مسألة وقف بعض الدول إرسال الخادمات الى لبنان، وبالتالي معالجة كل المشكلات التي تتعرض لها هذه الخادمات. وفيما شددت النقابة على المكاتب الالتزام بكل الانظمة والقوانين دعت المستخدمين إلى ضرورة التقيد بعقود العمل التي تربطهم بخادماتهم، وبكل الحقوق الخاصة بهذه الخادمات، سواء من حيث مدة الاقامة، أو الراتب، أو يوم الاجازة الاسبوعي، أو ساعات العمل اليومية. وعلى ضوء كل هذه الاجتماعات، حددت النقابة راتب الخادمة على الشكل الآتي: 180 دولاراً للسريلانكية، 150 دولاراً لكل من الاثيوبية والنيبالية والمدغشقرية و135 دولاراً للبنغلاديشية. وأمام كل هذه المشكلات التي تواجه الخادمات الاجنبيات برزت ظاهرة العمل السري أو غير المشروع الناتج عن عقود تقبل بها الخادمات الاجنبيات براتب منخفض، وما ان تصل الى لبنان حتى تهرب من مخدومها وتنصرف الى العمل غير المشروع بدخل أعلى بكثير وبحرية أوسع، وهذا ما تتصدى له المديرية العامة للامن العام التي لا تلبث أن ترحل عشرات الخادمات «السريات» شهرياً، وعلى نفقة مخدوميهنّ «غير الشرعيين» أيضاً. وعلى الرغم من الازمة السياسية المتمادية، لم يتوقف لبنان عن اتخاذ الاجراءات اللازمة لايجاد اطار قانوني واضح وصريح لعمل الخادمات الاجنبيات، فعلى سبيل المثال، وقعت الحكومة عام 2003 على معاهدة مكافحة الاتجار البشري، وأنشأ القطاعان العام والخاص ما سميَّ «بيت الامان» لاستقبال الخادمات الاجنبيات ـ ضحايا الاستغلال، ثم أنشئت لجنة قانونية من أجل وضع قانون يطبق على الخادمات، أعقبت بلجنة عام 2007 ومهمتها ايجاد عقد عمل موحد بين مكاتب الاستخدام والخادمات، لكن مسؤولاً في «الامن العام» يؤكد انه غير متفائل بنتائج قريبة لعمل هذه اللجنة.

التعليقات