اصغر اسير في السجون الاسرائيلية قماطه من ملابس الاسيرات

أصغر أسير في العالم يقبع في سجن إسرائيلي.. قماطه من ملابس الأسيرات

غزة-دنيا الوطن

تفتحت عيناه على جدران صماء ووجوه سجانين فوجئوا بصراخه يبدد ظلمة الزنزانة.. سمته والدته «نور» أملا في ان تكون ولادته شمسا لم ترها منذ ان زج بها مع جنينها في زنزانة لا تعرفها الشمس.
انه الأسير نور البالغ من العمر شهرا واحدا، الذي رزقت به الأسيرة منال غانم، 28 عاما، من مخيم طولكرم في 28 سبتمبر (أيلول) الماضي في ظروف كانت اقرب الى المعجزة، خاصة ان التعذيب الذي تعرضت له خلال التحقيق كان يمكن يؤدي الى اجهاض أي حمل طبيعي.
فمنذ اعتقالها في 17 أبريل (نيسان) الماضي بتهمة تهريب حزام ناسف لاحد الفدائيين التفجيريين، ابلغت المحققين بأنها حامل في اشهرها الاولى لعلها تجد في قلوبهم شيئا من الرحمة خلال التحقيق، إلا انها فوجئت بعدم اكتراثهم، بل وبمزيد من الامعان في تعذيبها.
ويبدو ان العزيمة والاصرار اللتين تتمتع بهما المرأة الفلسطينية انتقلت الى نور الذي تحمله والدته في رحمها، حيث فوجئ الجميع بنوره يسطع في زنزانة تفتقر الى ابسط مقومات الحياة، مطلقا اجراس الميلاد وبصحة جيدة وبوزن يتجاوز الكيلوغرامين ونصف الكيلوغرام.
الأسيرات الثلاث اللواتي يشاركن والدة نور مساحة الزنزانة التي لا تتعدى مترين مربعين سارعن الى استقبال الأسير الجديد، فقامت الاولى بإخلاء سريرها وافتراش بلاط الزنزانة كي تتيح له مجالا للنوم في احضان والدته، بينما تطوعت الأخرى بصناعة حفاضاته من ملابسها، أما الثالثة فقامت بإرضاعه بعد ان عجزت والدته عن ذلك بسبب ضعفها واصابتها بمرض التلاثيميا.
إدارة السجون الاسرائيلية رفضت الاعتراف بالأسير الجديد او تسجيله في الأوراق الرسمية، وتجسد ذلك برفضها كما يقول محامي نادي الأسير الفلسطيني رياض العارضة منحه أي غذاء أو دواء أو حتى شهادة ميلاد تفيد بولادته داخل الأسر. وتتعرض زنزانة الأسير نور الى تفتيش يومي دقيق يتم فيه قلب محتويات الغرفة رأسا على عقب، كما يتعرض هو شخصيا لتفتيش جسدي وتجبر والدته على تعريته خلال عملية التفتيش.
يبدأ الأسير نور يومه داخل زنزانته، تماما مثلما يبدأ يوم والدته ورفيقاتها في الأسر، بالاستيقاظ الاجباري في الساعة السادسة صباحا لزوم «الاصفراه» وهي تعداد السجناء الصباحي، يعود بعدها للنوم في حضن والدته على سريرين الصقا يدويا بعد ان تطوعت الأسيرة راوية حسين بالنوم على الأرض ومنح سريرها لنور كي تتيح له مجالا للتحرك والدفء في حضن والدته المريضة.
لا تقدم للأسير نور وجبات طعام كباقي السجناء أو حتى وجبات خاصة كونه رضيعا امعانا في عدم الاعتراف بوجوده وحقوقه مما اضطر والدته الى قطع قطعة قماش من غطاء السرير وتحويلها الى مصاصة بعد غمسها في مياه الشرب أو حساء العدس أكلته المفضلة والرئيسية.
ويحظى الأسير نور بشهرة واسعة في سجن الرملة فهو اصغر أسير في العالم والذكر الوحيد بين اكثر من ثمانين اسيرة، تعداد نزيلات سجن الرملة، وتتمنى جميعهن مداعبته واحتضانه وكثيرا ما اضطرت ادارة سجن الرملة الى انهاء الفسحة وهي الساعة الوحيدة التي تقضيها الأسيرات في ساحة السجن نتيجة تدافعهن الى تقبيله والتجمهر حوله، خاصة ان فرحة الأسيرات وصوت ضحكاتهن خلال مناغاته البريئة أثارت حفيظة السجانين الذين شعروا بأن نور استطاع ان يشعل الأمل والاصرار في قلوبهن، ولانه متهم بإثارة الشغب في ساحة السجن تم منعه ومنع والدته من الخروج الى الفسحة اليومية.
والأغرب من ذلك ان الأسير نور مثل أمام هيئة المحكمة العسكرية الاسرائيلية في مدينة شومرون قبل ان يتم اليوم العشرين من عمره، حيث اجبرت والدته على المثول امام المحكمة وهي تحتضنه في قفص الاتهام امام مدعي «العدالة والديمقراطية».
يقول المحامي رياض العارضة عن تلك الواقعة ان نور تعرض للتوبيخ عدة مرات من القاضية الاسرائيلية التي انزعجت من صراخه وعدم التزامه الصمت خلال دخول القاضية قاعة المحكمة كباقي الحاضرين وقامت بدلا من اصدار تعليماتها بتقديم ما يلزمه من شراب أو دواء بتسريع عملية النظر في ملف والدته وتمديد اعتقالها حتى اشعار آخر.
كان نور، كما يضيف محامي نادي الأسير، يقبع طيلة الجلسة في حضن والدته رافضا كل محاولات الحراس اسكاته أو تخفيض صراخه، فقد كان اشبه بمن يحتج على محاكمة والدته وقال بسخرية مرة «أحمد الله انه لم يبُلْ في قاعة المحكمة».
أما عن عدم منح الأسير نور حقوقه كأسير رضيع من طعام أو شراب وهواء صحي وعدم تقديم الغذاء المناسب لوالدته، أكد المحامي بأنه سيلجأ الى محكمة العدل العليا لتحصيل جميع الحقوق التي أقرتها جميع المواثيق والاعراف الدولية والانسانية له ولوالدته، مشيرا الى ان تعاطي ادارة السجن السلبي مع الأسير نور يمثل اسلوب ضغط غير انساني لابعاده عن حضن والدته التي يكفل لها القانون حضانته في ظروف صحية وانسانية داخل السجن لمدة عامين.
وعبر المحامي رياض العارضة عن خشيته على حياة منال غانم والدة الأسير نور، مشيرا الى ان صحتها في تدهور مستمر، خاصة انها تعاني من آثار الولادة ومرض التلاثيميا.
الأسيرة راوية حسنين التي تقاسم نور زنزانته تمكنت أخيرا وخلال عرضها امام المحكمة العسكرية الاسرائيلية تسريب معلومات اضافية عن الحالة الصحية للأسير الرضيع وقالت في رسالة للمحامي العارضة انه يعاني من اسهال وتقيؤ، وان السجانين يرفضون عرضه على طبيب، وانه دائم البكاء والصراخ، وان الحراس يرفضون اخراج حفاضاته لغسلها خارج الزنزانة.
وروت الأسيرة راوية عدة حوادث طلب فيها السجان من والدته كتم أنفاسه وعدم السماح له بالصراخ وإلا تعرضت للعزل في زنزانة انفرادية. ووصفت راوية نور بأنه شمس منحت الأسيرات أملا وقوة وايمانا وان حياته مهددة ان لم يمنح العلاج المناسب والعاجل. واشارت الى ان والدته تتمتع بعزيمة واصرار شديدين رغم معاناتها من المرض والولادة.
جدة نور الحاجة (أم مشهور) حاولت اكثر من مرة زيارة ابنتها وحفيدها في السجن دون جدوى واضطرت الى الاعتصام مرات عدة امام مقرات وكالة الغوث الدولي والصليب الأحمر لاجبارها على التدخل لدى سلطات الاحتلال للسماح لها بالزيارة.
وقالت انها لم تر حفيدها منذ ولادته، كما لم تر ابنتها منذ اعتقالها، لكن تلمس طيفها في اطفالها نيفين وماجد وايهاب الذين يعيشون في حضنها في طولكرم، واشارت الى ان الاطفال الثلاثة يعانون من التلاثيميا وان زوجها يعمل بائعا متجولا لمساعدة والد نور على علاجهم وناشدت جدة نور جميع الضمائر الحية مساعدتها لاجبار سلطات الاحتلال على علاج ابنتها وحفيدها.
وترسم الحاجة (أم مشهور) صورة ملائكية للأسير نور وتقول لا اعرف شكله، لكن أراه في نومي اشبه بملاك يحاول ايقاظ الضمائر التي كساها الصدأ.
وتحتفظ الحاجة (أم مشهور) برسالة يتيمة ارسلتها منال عبر الصليب الأحمر الى طفلها ماجد قبيل عيد ميلاده السادس تقول فيها «كل عام وأنت بخير يا طفلي الغالي ان شاء الله يطلق سراحي واعمل لك الكعكة مثل كل عام ونطفئ معا الشمعة، أنا متأسفة يا ماجد، لكن الظروف اقوى منا».

التعليقات